تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا} (8)

8- { عسى ربكم أن يرحمكم } .

يعقب القرآن على النبوة الصادقة والوعد المفعول ، بأن هذا الدمار قد يكون طريقا للرحمة إن أفدتم منه عبرة وتبتم عن المعاصي وعلمتم أن سنة الله لا تتخلّف وأن عدالة الله نافذة في رحمة التائبين ، وعقاب المفسدين .

وقد حقق لهم وعده فكثر عددهم وأعزهم بعد الذلة وجعل منهم الملوك والأنبياء .

{ وإن عدتم عدنا } .

أي : وإن عدتم لمعصيتي وخلاف أمري وقتل رسلي ؛ عدنا عليكم بالقتل والسلب والإذلال .

وقد عادوا إلى الإفساد وكذبوا رسول الله محمدا صلى الله عليه وسلم ، وهموا بقتله ونقضوا عهودهم معه ، فسلطه الله عليهم ؛ فأجلي عن المدينة بني قينقاع ، وبني النضير ، وقتل بني قريظة ، وفتح خيبر ، وفرض الجزية على من بقي من اليهود في بلاد العرب فهم يعطونها عن يد وهم صاغرون ولا ملك لهم ولا سلطان .

وقد تكرر رجوعهم للفساد في عهود التاريخ ؛ فسلط الله عليهم في كل مرة من يسومهم سوء العذاب حتى كان العصر الحديث فسلط عليهم ( هتلر ) .

ولقد عادوا اليوم إلى الإفساد في صورة ( إسرائيل ) التي أذاقت العرب أصحاب الأرض الويلات .

وليسلطن الله عليهم من يسومهم سوء العذاب ؛ تصديقا لوعد الله القاطع ؛ ووفاقا لسنته التي لا تتخلف .

وتختم الآيات ببيان مصير الكافرين في الآخرة لما بينه وبين مصير المفسدين من مشاكلة .

{ وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا } .

تحصرهم فلا يندّ عنها حد . وعن الحسين : بساطا كما يبسط الحصير المنسوج .

‍‍‍‍‍‍‍‍‍1- في أعقاب التفسير

/خ8

2- من هم القوم الذين سلطهم الله على اليهود

تاريخ اليهود الطويل حافل بالعدوان وسفك الدماء وقد سلط الله عليهم أعداءهم مرارا وتكرارا فإفسادهم مرتين مراد به : كرتين أي : المرة تلو المرة بدليل قوله تعالى بعد ذلك : { وإن عدتم عدنا } ، وقد عاد اليهود للفساد ، وكلما عادوا ؛ عاد لهم الانتقام .

قال ابن كثير :

وقد اختلف المفسرون من السلف والخلف في هؤلاء المسلطين عليهم من هم ؟

فعن ابن عباس وقتادة : أنه جالوت الجزري وجنوده ، سلط عليهم أولا ثم أديلوا عليه بعد ذلك وقتل داود جالوت . ولهذا قال : { ثم رددنا لكم الكرة عليهم } .

وعن سعيد بن جبير : أنه ملك الموصل سنحاريب وجنوده وعنه أيضا وعن غيره : أنه بختنصر ملك بابل .

ثم قال : وقد وردت في هذا آثار إسرائيلية لم أر تطويل الكتاب بتذكيرها ؛ لأن منها ما هو موضوع من وضع بعض زنادقتهم ، ومنها ما يحتمل أن يكون صحيحا ، ونحن في غنية عنها ولله الحمد .

وفيما قص الله علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله . ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم .

وقد أخبر الله عنهم : أنهم لما طغوا وبغوا ؛ سلط الله عليهم عدوهم فاستباح بيضتهم وسلك خلال بيوتهم وأذلتهم وقهرهم ؛ جزاء وفاقا ، وما ربك بظلام للعبيد ، فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء {[343]} 1 ه .

وتفسير الآيات غني عن تحديد أشخاص المسلطين على اليهود وتاريخ هذا التسلط ، فالقرآن كتاب هداية يذكر من القصة التاريخية الجانب الذي يحقق العظة والعبرة ولا يهتم بإيراد القصة كاملة . وإنما يلقي الضوء على فترات معينة في تاريخ البشرية ؛ لتحقيق العظة والاعتبار . قال تعالى : { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } . ( يوسف : 111 ) .

فالقرآن قد أبهم أسماء وبلادا ؛ لأنه لم ير فائدة كبيرة تتعلق بذكرها ولو علم الله في ذلك فائدة لذكرها . وحين أبهم الأشخاص المسلطين على اليهود صار من واجب المؤمن أن يعرف أن هناك أشخاصا انتقموا من اليهود في تاريخهم ، وإذا أراد تحديد هؤلاء الأشخاص ؛ لجأ إلى التاريخ الصحيح لا ليحكمه في معنى القرآن وإنما ليستأنس به ولتكون معرفة جانبية لا تحكم على التفسير ، فمعنى الآيات واضح بدون إقحام الإسرائيليات التي أدخلها اليهود للكيد والدس وتلفقها عنهم المفسرون ؛ ليشبعوا فضول الناس في معرفة الأشخاص المبهمين ، وقد أمرنا ألا نصدق بني إسرائيل ولا نكذبهم ؛ فما روي عنهم لا يخلوا عن واحد من ثلاثة أقسام :

القسم الأول : ما يعلم صحته عن طريق القرآن والسنة أو شاهد من الشرع ، وهذا القسم صحيح مقبول .

القسم الثاني : ما يعلم كذبه ؛ بأن يناقض ما عرفناه من شرعنا أو يكون مخالفا لما يقرره العقل وهذا القسم لا يصح قبوله ولا روايته .

القسم الثالث : وهو المسكوت عنه فلا هو من قبيل الأول ، ولا هو من قبيل الثاني ، وهذا القسم نتوقف فيه فلا نصدقه ولا نكذبه .

وقد ذهب ابن كثير إلى جواز رواية القسم الثالث للاستشهاد به لا للتفسير ، وخالفه في ذلك المحقق أحمد شاكر{[344]} .

3-أشهر أقوال المفسرين في من سلطه الله على بني إسرائيل

( أ ) ورد في الطبري : أن أول الفساد كان قتل زكريا ؛ فبعث الله عليهم ملك النبط ( وكان يدعى : صحابين ){[345]} فانتصر عليهم ، ثم رد الله الكرة لليهود على أعدائهم . 1 ه .

وهذا الرأي مردود ؛ فلم يحفظ التاريخ أن بني إسرائيل غزو النبط أو أصابوا منهم {[346]} .

( ب ) وأخرج ابن عساكر في تاريخه : عن علي بن أبي طالب قال : الإفساد الأول : قتل زكريا ، والثاني : قتل يحيى{[347]} .

وهو مردود ؛ بأن بين قتل الاثنين فترة قصيرة لا تسمح لهم برد الكرة وتحقيق النصر .

( ج ) أخرج ابن جرير قال : أما المرة الأولى ، فسلط الله عليهم جالوت حتى بعث طالوت معه داود ، فانتصرا على جالوت وأسسوا مملكة داود سنة 1095 ق . م{[348]} .

ثم بعث الله عليهم في المرة الثانية بختنصر البابلي المجوسي فغزاهم ثلث مرات : الأولى : سنة 606 ق . م ، والثانية : سنة 599 ق . م والثالثة سنة 588 ق . م .

وفي المرة الثالثة : أكثر فيهم القتل ، وأخذ الأحياء أسرى ودمر أورشليم تماما {[349]} .

( د ) ذهب جمهور المفسرين : إلى أن المسلط عليهم في المرة الأولى هو بختنصر البابلي ، وقد غزاهم في سنة 606 ، 599 ، 588 ق . م .

ثم ساعدهم قورش ملك الفرس سنة 526 ق . م فعادوا لبلاده ، وأعادوا بناء هيكلهم .

والمسلط عليهم في المرة الثانية هم الرومان بقيادة تيطس سنة 70 م .

وقد كان إذلاله لهم أشد وأنكى حتى بلغ عدد القتلى منهم مليون قتيل ، وبلغ عدد الأسرى مائة ألف أسير{[350]} .

وبعد انتصار تيطس الروماني عليهم ؛ تفرقوا في البلاد ، وأصبح تاريخهم ملحقا بتاريخ الممالك التي نزلوا فيها{[351]} .

ولم يرجع اليهود إلى فلسطين إلا في العصر الحديث بعد أن ظلت فلسطين في يد العرب المسلمين 1300 سنة من الفتح العربي سنة 636م ( سنة 15 ه ) إلى سنة 1948م ( سنة 1366 ه ) . باستثناء 80 سنة هي فترة الحرب الصليبية ( 1099م- 1187م ) حين سقط بيت المقدس في يد الغزاة ، ثم استرده العرب المسلمون على يد صلاح الدين الأيوبي في يوم الجمعة 27 رجب سنة 583 ه- 2 أكتوبر سنة 1187م . ودخل خطيب المسلمين إلى أن استولى عليه اليهود في حرب يونيو سنة 1967 .

4- ملاحظات

1- لم يصح عن الرسول صلى الله عليه وسلم حديث في بيان المراد بالعباد الذين سلطوا على بني إسرائيل .

2- الإفساد قد تكرر من بني إسرائيل والمرتين هما أظهر مرتين .

3- الرجوع إلى التاريخ الصحيح هو الذي يفيدنا في الموضوع .

4- اختلفت أنظار المؤرخين والمفسرين فيمن سلط على اليهود بحسب الاجتهاد الشخصي لكل مؤرخ أو مفسر .

5- مقصود الآيات : هو بيان سنة من سنن الله في الأمم حال صلاحها وفسادها ، وهذه السنة ماضية في الأمم دون تبديل أو تحويل .

6- لا يتوقف فهم المعنى على تحديد أشخاص بعينهم سلطوا على اليهود ، بل المقصود : أنهم كلما أكثروا من المعاصي : سلط الله عليهم أقواما آخرين قتلوهم وأذلوهم .

ملاحق عن اليهود

الملحق الأول :

تاريخ اليهود في فلسطين

الفترة التي استقر فيها حكم اليهود في فلسطين لا تزيد على ثلاثة قرون ونصف قرن ، وكل ما تركوه بفلسطين آثار حائط لهيكلهم ظلوا ينوحون عليه قرونا عديدة ؛ حتى سمي حائط المبكى .

والفترة الذهبية لحكمهم بدأت بتأسيس مملكة داود سنة 1095 . م .

واستمر ملك داود 40 سنة جاء من بعده ابنه سليمان فحكم 40 سنة أخرى انتهت بوفاته سنة 975 ق . م .

ثم خلفه ابنه رحبعام الذي انقسمت مملكة اليهود في زمنه إلى قسمين : مملكة إسرائيل في الشمال ( السامرة ) ، ومملكة يهوذا في الجنوب ( أورشليم ) .

ودامت مملكة الشمال نحو 250 سنة وانتهت سنة 721 ق . م ، حينما غزاها سرجون ملك آشور واستولى على السامرة نابلس الآن ) وقضى نهائيا على تلك المملكة .

وأما مملكة يهوذا فقد عاشت أكثر من أختها إسرائيل حتى غزاها بختنصر سنة 606 ق . م غزوات متعددة انتهت بتهديم أسوار المدينة ، وإحراق الهيكل ، وسبى الشعب إلى الأسر في بابل .

ثم أعيد اليهود من السبي سنة 536 ق . م على يد قورش الذي تولى ملك فارس وغدت يهوذا ولاية من ولايات الفرس حتى سنة 332 ق . حيث انتقلت إلى ملك الإسكندر المقدوني بعد أن هزم الفرس ودخل سوريا وفلسطين .

وفي سنة 70 م تقدم القائد الروماني ( تيطس ) ودمر أورشليم وهيكلها وذبح اليهود فيها وأسر كثيرا من شعبها ، وذاق اليهود على يد تيطس الذل والهوان .

وتعددت ثورات اليهود على الرومان كما تكرر بطش الرومان بهم وقهرهم ، وفي سنة 135 م قتل الرومان من اليهود 580 ألفا ، ودمروا أورشليم ، وأنشئوا مكانها مدينة جديدة سميت : إيلياء .

فتاريخ اليهود حافل بالثورات وسفك الدماء . وأهم استقرار لهم كان في عهد داود وسليمان 1095-975 ق . م .

وقد غزاهم بختنصر ثلاث مرات وقتلهم وسباهم إلى بابل في الفترة من سنة 606 إلى سنة 508 ق . م ( وسمي ذلك : بخراب أورشليم الأول ) . وفي سنة 536 ق . م أنقذهم قورش الفارسي من السبي وسمح لهم بالعودة إلى أورشليم ، كما صرح لهم بإعادة بناء الهيكل سنة 415 ق . م .

وفي سنة 70 م هاجمهم تيطس الروماني وقتلهم ودمر هيكلهم .

وفي سنة 135 م هاجمهم القائد الروماني يوليوس سيفروس فاحتل أورشليم وهدمها وبنا مكانها إيلياء وأسدل الستار على تاريخ اليهود القديم في فلسطين .

ثم جاءت هيلانة أم الملك قسطنطين الروماني البيزنطي ، وبنت كنيسة القيامة سنة 426 م ، ثم بُنيت كنيسة العذراء سنة 530 م .

وفي سنة 636 م ( 15ه ) فتح العرب المسلمون بيت المقدس وما حوله من بلاد فلسطين وظلت فلسطين عربية إسلامية حتى سنة 1948 ( 1366ه ) .

ومن ذلك الحين بدأ الغزو اليهودي المنظم لفلسطين ثم كان مشروع تقسيم فلسطين ، وتوسع اليهود الأليم في سنة 1967 ، حيث ضموا إلى فلسطين أجزاء من البلاد العربية ، ولا تزال الحرب سجالا بين العرب وبينهم ( والله غالب على أمره ) .

وقد تنبأ النبي الكريم بهذا العدوان اليهودي الغادر ووعد أمته بالنصر . فقد روى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ( لن تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود ؛ فيختبئ أحدهم وراء الحجر فيقول الحجر : يا عبد الله ، هذا يهودي ورائي فاقتله ){[352]} .

الملحق الثاني :

نكبات اليهود

إليك لمحات من العقوبات التي أصابت اليهود جزاء وفاقا ؛ لجشعهم ونهبهم ورغبتهم في امتصاص دماء الشعوب :

1- في بريطانيا لقي اليهود في بعض العهود ألوانا من التعذيب وصنوفا من القتل والتشريد .

حدث ذلك في عهد الملك هنري الثالث الذي أصدر أمره سنة 1230 م بأن يدفع اليهود إلى الخزينة البريطانية ثلث ثلث أموالهم المنقولة .

وتكررت عقوباتهم في عهد إدوارد الأول سنة 1273 م .

2- وفي فرنسا تكررت المأساة في عهد لويس التاسع ، وفيليب الجميل ، وعلى يد نابليون في القرن التاسع عشر .

3- وفي إيطاليا حاربهم البابوات حربا شعواء وأطلقوا عليهم اسم : الشعب المكروه ، وأغروا بهم الشعب ؛ فأعمل فيهم القتل والتشرد . وفي سنة 1540 ، قتل منهم الآلاف وطرد من بقي حيا خارج إيطاليا .

4- وفي أسبانيا ذاق اليهود أقصى العقوبات على يد محاكم التفتيش ولم يظفروا بالراحة إلا أيام الحكم الإسلامي لأسبانيا .

5- وفي روسيا أوقع الروس بهم المذابح كما حدث في سنة1881 ، 1882 . وفي سنة 1902 م عمت المذابح ضدهم حتى قتل منهم 11 ألفا .

6- وفي ألمانيا تعرضوا لعقوبات قاسية آخرها ما لقوه على يد هتلر من سنة 1933 م إلى سنة 1945 {[353]} .

7- وقد تعرضوا لانتقام المسلمين في غزوات : بني قينقاع ، وبني نضير ، وبني قريظة ، وفتح خيبر ؛ حيث حاصرهم المسلمون وقاتلوهم وأجلوهم من ديارهم .

وهكذا يحق قوله تعالى : { وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم } . ( الأعراف : 167 ) .

الملحق الثالث :

من هدى السنة في الموضوع

يرى بعض المفسرين : أن الآيات السابقة تحمل بشارة من الله بالنصر على اليهود في العصر الحديث ، ونحن لا نمنع أن تحتمل الآيات هذا المعنى بشرط أن نعمل العمل الملائم للنصر ، فقد جعل الله الأسباب مرتبطة بالنتائج . وقال سبحانه : { وإن عدتم عدنا } ، فكلما عاد اليهود للإفساد ؛ سلط الله عليهم القتل والانتقام .

قال الأستاذ نديم الجسر {[354]} :

روى مسلم : عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لتقاتلن اليهود ، فلتقتلنهم ، حتى يقول الحجر : يا مسلم ، هذا يهودي اقتله ) .

وفي رواية : ( تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم حتى يقول الحجر : يا مسلم ، هذا يهودي ورائي فاقتله ) .

وفي رواية : ( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود ، فيقتلهم المسلمون ، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر ؛ فيقول الحجر أو الشجر : يا مسلم ، يا عبد الله ، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله ) .

البشرى من هذا الحديث

( أ ) إن الحديث يصرح : بأن المقتلة مع اليهود ستكون في المستقبل ، بل رواية ( لا تقوم الساعة حتى . . . )

تفيد : أن المقتلة ستكون في المستقبل البعيد .

( ب ) المفهوم من ظاهر وصف المقتلة أنها ستكون عظيمة وضارية .

( ج ) في رواية : ( تقاتلكم اليهود . . . ) أنهم هم الذين يبدءون المسلمين بالقتال ، وهذا يقتضي أن تكون لهم دولة وشوكة تشجعهم على البدء بالقتال .

( د ) لا يخفى أن يهود الحجاز والجزيرة العربية لم يكن لهم كيان دولي قائم بذاته قبل الإسلام ، وأما بعده فلم يعد لهم شوكة ، بل لم يعد لهم وجود يظن معه أنهم يقاتلون المسلمين .

( ه ) ولا يمكن أن يعني الحديث : قتالا مع شراذم اليهود الضعفاء من أهل الذمة ، فالمسلمون مأمورون بحمايتهم ، وليس قتلهم مما يستحق أن يبشر به الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين .

( و ) أما في خارج الحجاز والجزيرة ، فاليهود بعد التشتيت الثاني الذي حصل لهم على يد ( تيطس ) الروماني لم يعد لهم كيان دولي أو تجمع أو تكتل مستقل في أي قطر من أقطار الأرض .

وهذه الأحاديث لا يمكن في العقل تصور اختراعها ؛ إذ لم يوجد من الدواعي والأسباب ما يبرر اختلاقها ، فلم يكن هناك لليهود دولة تحتك بالمسلمين في مواقع شديدة حتى يمكن تصور اختراع مثل هذه الأحاديث ، بل كانوا شعبا ذليلا مشتتا لا شوكة له ولا دولة ، ولا ذكر له عند المسلمين ، ولا يخطر ببالهم التخوف منه .

إذن فكيف يتحقق صدق هذا الحديث ؟

لقد ظل الجواب على هذا السؤال مستورا وراء الغيب أربعة عشر قرنا ، حتى ظهرت دولة إسرائيل الحديثة التي لم يخطر على البال ولا بالخيال ظهورها في حياة الإمامين الراويين للأحاديث تلك : ( البخاري ومسلم ) في القرن التاسع عشر الميلادي وأين ظهرت ؟ أين ؟

في قلب البلاد العربية والإسلامية ، أي : حيث أصبح حصول الاحتكاك مع اليهود معقولا بل في صميم الأرض المقدسة عند المسلمين ، حيث أصبح وقوع القتال محتما ، وعلى مقربة من الكعبة بيت الله ، ومقربة من يثرب مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ، التي لليهود فيها ذكريات كلها أحقاد ، أي : حيث أصبح القعود عن القتال خروجا عن الإسلام ، وهكذا تحقق صدق الحديث النبوي المعجزة في حصول القتال ، ولا بد أن يتحقق صدقه عن نتيجة القتال إن شاء الله ، والأيام بيننا .

أيها المسلمون في الأرض . . كل الأرض ، إني على يقين من أن هذه البشارة النبوية سوف تتحقق في يوم من الأيام قريب . . . أو بعيد ، وعسى أن يكون قريبا بتعاون هذا الجيل الحاضر من حكام المسلمين وتناصرهم ، حتى لا تتكرر لعنة الله والتاريخ التي سجلها الشاعر الأندلسي ، على المتنابذين والمتخاذلين في النصرة بقوله :

يا راتعين وراء البحر من سعة *** لهم بأوطانهم عز وسلطان

هل جاءكم نبأ من أرض أندلس فقد سرى بحديث القوم كبان

كم يستغيث بنا المستضعفون وهم قتلى وأسرى فما يهتز إنسان

رأي جديد

للأستاذ عبد الحميد جودة السحار ، في كتابه ( وعد الله وإسرائيل ) ، رأي خلاصته :

أن وعد الله لإسرائيل بأن يفسدوا في الأرض مرتين ، قد تحقق أولهما أيام بختنصر حيث عاقبهم الله على يديه عقابا أليما وشتتهم وأزال ملكهم ، ثم رجعوا لملكهم على يد ( قورش ) ولم يحدث منهم فساد منتشر عنيف في أيام بختنصر ، كما حدث في فلسطين الآن ، وفي الأراضي المحتلة بعد حرب 5 يونيو 1967 ، وأن الله تعالى من أجل إفسادهم هذا سيسلط عليهم العرب والمسلمين ، ويمكنهم من رقابهم ؛ حتى يستردوا ما نهبوه ويستعيدوا أرضهم ومقدساتهم ، ويصمون اليهود بالخزي والهوان .

يقول السحار :

لقد نشبت الحرب بين إسرائيل والعرب ، وقد تحصنت إسرائيل بحصون أمريكا وإنجلترا ، فاليهود على مر التاريخ لا يحاربون إلا من وراء حصون ، واتضحت المؤامرة الجديدة التي دبرتها ( أمريكا ) لإذلال العرب الذين أبوا أن يدوروا في فلك أمريكا ، وأن يطأطئوا الرؤوس لمطامعها .

وأصيب العرب بنكسة ( وما أكثر النكسات التي نزلت بهم ! ! ! ) ، وظن أنها كارثة وإذا بها بداية انتفاضة ، وإذا بها تحفز لوثبة ، وانتابني حزن عميق ، فعدت إلى كتاب الله ألتمس فيه السلوى ، وقرأت أول سورة الإسراء ، إلى نهاية الآيات المتحدثة عن بني إسرائيل .

وتوقفت أفكر في تلك الآيات ، وأسترجع ما وعته ذاكرتي من تاريخ بني إسرائيل فوجدت أن بني إسرائيل قد أخرجوا من القدس أيام بختنصر ملك العراق قبل الميلاد بخمسمائة سنة ، وأن ( قورش ) مؤسس الإمبراطورية الساسانية في فارس هو الذي أعادهم إلى بيت المقدس ، وأنهم ظلوا بالقدس إلى أن جاء ( تراجان ) القائد الروماني وهدم هيكل سليمان ، وقد فرح المسيحيون بذلك ؛ لأن السيد المسيح كان قد تنبأ بزوال الهيكل ومنذ ذلك الوقت صار اليهود مشتتين في الأرض ، ولم تقم لهم قائمة ، ولم يكن لهم ملك في القدس .

جاس بختنصر خلال فلسطين ، وحمل اليهود سبايا إلى بابل ، ودخلوا المسجد أول مرة بعد ذلك في أيام ( قورش ) وطردوا من القدس في أيام الرومان ، بعد أن أفسدوا في الأرض ، وتحقق وعد أولاهما ، ورحت أنقب في تاريخ بني إسرائيل ؛ بحثا عن دخولهم مرة ثانية ، فلم أجد غير هذه المرة التي دخلوا فيها بيت المقدس بعد العدوان الثلاثي الجديد ، عدوان إسرائيل وأمريكا وأنجلترا على العرب وقد اطمأنت نفسي إلى أن ذلك هو الذي قصده الله سبحانه وتعالى بقوله : { ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا } .

إن أمريكا قد أغدقت الأموال على إسرائيل ، وأمدتهم بمتطوعين ودبابات وطيارات ، وسخرت لهم القمر الصناعي ؛ ليصور لهم مواقع العرب ومطاراتهم ، وسيرت سفينة التجسس ( ليبرتي ) ؛ لتكون لهم خير عون على تنفيذ المؤامرة ، فصارت إسرائيل بذلك أكثر عدة وعتادا وأكثر نفيرا ؛ ليدخلوا بيت المقدس ويصل إفسادهم في الأرض قمته ؛ ليجيء وعد الآخرة ، وعد المرة الثانية ، المرة التي يدخل فيها العرب فلسطين ، ويطردون منها بني إسرائيل ، ويهلكونهم هلاكا ؛ جزاءا وفاقا على علوهم في الفساد .

وبعد أن أبدى الأستاذ السحار عدم ارتياحه لما قاله المفسرون في هذه الآيات وما فسروا به مرتي الإفساد عاد يقول :

ولما لم أجد أيا من التفسيرات التي قرأها تتفق مع الحقائق التاريخية الثابتة ، فقد عدت مرة أخرى أقلب صفحات التاريخ ، فوجدت أن اليهود قد عادوا مرة واحدة في تاريخهم الطويل إلى القدس بعد أن حملهم بختنصر ملك العراق أسرى إلى بابل ، وكانت تلك العودة أيام ( قورش ) مؤسس الأسرة الساسانية الفارسية ، وقد ظلوا بها إلى أن طردهم الرومان ، واستمروا مشردين في الأرض ، ولم يدخلوا بيت المقدس مرة ثانية ، إلا بعد العدوان الثلاثي الخير ، فإنهم في عدوان 1956 لم يدخلوا المسجد الأقصى .

إن الآيات الكريمة لا يمكن أن تفسر إلا بعودة بني إسرائيل إلى القدس ، ثم طردهم منها ؛ ليكون في ذلك إذلال لهم وإمعان في الهوان ، وقد عادوا إليها هذه المرة ، فأصبح على العرب أن يجمعوا صفوفهم على قلب رجل واحد ، وأن يوحدوا قبلتهم ، وأن يطهروا نفوسهم ، وأن ينصروا الله ؛ ليكونوا أهلا للنصر الكبير الذي وعدهم بهم ربهم في كتابه الكريم .

هذا رأيي ، فإن كنت قد وفقت فمن عند الله ، وإن كان التوفيق قد جانبني فحسبي أنني اجتهدت على قدر علمي وليغفر الله لي . 1 ه .

أقول : إنه مجرد رأي وأمل قابل للنظر والبحث والاجتهاد والمنافسة ، وقد ذهب مذهبه الأستاذان : عبد الكريم الخطيب في صحيفة الأخبار الجمعة 10/1/1969 ، وعبد الرحيم فودة ، وإن كان الأستاذ الباقوري أشار في أخبار 31/1/1969 ، أن المؤمن يستقي العبرة من كتاب الله ولا يحمل الآيات على أمر قطعي ، وهي محتملة وخاصة لو فهم البعض من هذا التفاؤل والتأويل أن الله ضمن النصر لنا دون جهاد منا وإعداد واستعداد ، فهذا عين التواكل والمعصية والمخالفة لكتاب الله ، ونحن أحوج ما نكون إلى العمل كل العمل{[355]} .

وأقول : إذا اجتمع الأمل مع الأخذ بالأسباب ، كان الخير محققا ، والله يقول : { قاتلوهم يعذبهم الله بأيْديَكُم وينصُركم عليهم ويَشْف صدور قوم مؤمنين } . فأمر بالقتال وعلق عليه تعذيب الأعداء بأيدي المؤمنين ، وهو القائل مع هذا : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } .

الملحق الخامس :

مقتطفات عن اليهود

عرف اليهود بالقسوة البالغة واضطهادهم لغيرهم متى ملكوا المقدرة الظاهرة أو الخفية لذلك .

وتاريخ اليهود ملطخ بجرائم القتل والذبح والنهب السلب والغدر والبطش .

قال أحد الكتاب المعاصرين : ( إن مذبحة دير ياسين كانت أبشع المذابح التي ارتكبها اليهود ؛ فقد قتلوا 250 إنسانا في قرية صغيرة ومثلوا بأجسادهم وذبحوا الأطفال في أحضان أمهاتهم وأمام أعينهم{[356]} .

وتكرر ذلك في حيفا ويافا وكفر قاسم وكثير من مدن فلسطين .

ويقول المؤرخ اليهودي : يوسيفوس : ( لا توجد أمة في الأرض في كل أجيال التاريخ منذ بدأ الخليقة إلى الآن تحملت ما تحمله بني إسرائيل من الكوارث والآلام لم تكن إلا من صنع بني إسرائيل أنفسهم ){[357]} .

ومن تصريحات اليهود المعاصرين :

( إن اليوم الذي سيعاد فيه بناء الهيكل أضحى قريبا جدا وسأكرس بقية حياتي لبناء هيكل عظيم مكان المسجد الأقصى ) .

( ألفرد موند ) الزعيم اليهودي الإنجليزي .

( أهداف الصهيونية هي إبادة العرب جميعا ) .

( الدكتور ايدوا ) رئيس اللجنة الصهيونية .

( لقد استولينا على القدس ونحن في طريقنا إلى يثرب ) .

( موشي ديار ) وزير الحربية في إسرائيل .

( وطنكم يا إسرائيل من الفرات إلى النيل ومن البحر الأبيض إلى البحر الأحمر ) .

( مبدأ صهيوني ) :

( الصهيوني هو اليهودي الذي يدفع ليهودي آخر نفقات هجرته إلى فلسطين ){[358]} .

الملحق السادس :

توضيح لما ورد في القرآن بشأن تعظيم اليهود وتفضيلهم

في القرآن بعض آيات فيها تنويه ببني إسرائيل وإيذان برعاية الله لهم ، وتفضيلهم على العالمين ، وكتابته لهم الأرض المقدسة ، وتوريثه إياهم مشارق الأرض ومغاربها التي بارك الله فيها ، وإيجاب الجنوح إلى السلم معهم إذا جنحوا إليها .

ومع أن القرآن به آيات كثيرة تنسخ كل ذلك فإن اليهود يستغلون تلك الآيات لخداع المسلمين وإقامة الحجة عليهم من قرآنهم ؛ ليجعلوهم يسيغون ما كان منهم من عدوان وبغي وظلم واغتصاب ، وما يدعون إليه من الصلح على أساس الأمر الواقع الذي يؤيده القرآن بزعمهم .

ولذلك صار من واجب علماء المسلمين ونبهائهم توضيح المسائل ووضعها في نصابها الحق ؛ لتنوير عامة المسلمين وتحذيرهم من خداع اليهود وتضليلهم ، وفيما يلي شيء من ذلك :

أولا : في القرآن هذه الآيات :

1- { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين } . ( البقرة : 47 ) .

2- { ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقاءه وجعلناه هدى لبني إسرائيل . وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقون } . ( السجدة : 24 ، 23 ) .

3- { ولقد آتينا موسى هدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب . هدى وذكرى للأولي الألباب } . ( غافر : 53 ، 54 ) .

4- { ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين . من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين . ولقد اخترناهم على علم على العالمين . وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين } . ( الدخان : 30 ، 33 ) .

5- { ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين } . ( الجاثية : 16 ) .

وقبل كل شيء نقول : إن المفسرين متفقون على أن ما ورد في الآيات من تنويه وتفضيل وهو مؤقت بالظروف التي منحوها فيه وليس على التأبيد ، ولقد حكت آيات كثيرة جدا بغيهم وعدوانهم وعصيانهم وتكذيبهم للأنبياء وقتلهم إياهم وتحريف كتب الله وارتكاسهم في الكفر والشرك وعبادة العجل وأكلهم السحت وعدم تناهيهم عن المنكر ، ومخالفتهم لشرائع الله واحتيالهم لها ، ومكابرتهم في الحق ، وصدهم عن سبيل الله وسعيهم بالفساد في الأرض ، وخيانتهم لعهودهم أماناتهم ، واستحلالهم أموال الغير ، وتآمرهم على الإسلام والمسلمين مع الأعداء ، وفي القرآن آيات كثيرة تقرر أن الله عاقبهم على سوء سلوكهم وأخلاقهم وانحرافهم الديني والاجتماعي فضرب عليهم الشتات والذلة والمسكنة وصب عليهم غضبه ولعنته وجعل منهم القردة والخنازير ، وآلي على نفسه أن يبعث عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم من سوء العذاب وأذن لرسوله أن ينكل بهم ويطهر الأرض المقدسة من رجسهم .

وهذه أرقام وسور الآيات لمذكورة :

البقرة : ( 100 ، 93 ، 87 ، 86 ، 85 ، 79 ، 74 ، 65 ، 61 ، 59 ) .

آل عمران : ( 181 ، 112 ، 111 ، 99 ، 98 ، 78 ، 73 ، 72 ، 70 ، 69 ) .

النساء : ( 44 ، 45 ، 46 ، 47 ، 48 ، 49 ، 50 ، 51 ، 52 ، 153 ، 154 ، 155 ، 156 ) .

المائدة : ( 12 ، 13 ، 14 ، 42 ، 59 ، 60 ، 63 ، 64 ، 70 ، 71 ، 72 ، 77 ، 78 ، 79 ، 80 ، 81 ، 82 ) .

الأعراف : ( 169 ، 168 ، 167 ، 166 ، 165 ، 164 ، 163 ، 162 ، 161 ) .

الأحزاب : ( 27 ، 26 ) .

الحشر : ( 4 ) .

الصف : ( 5 ) .

الجمعة : ( 8 ، 7 ، 6 ، 5 ) .

بحيث يكون في هذه الآيات الكثيرة إيذان ربّاني بنسخ تلك الآيات وإلغاء تلك الميزات للانحرافات الدينية والأخلاقية والاجتماعية التي ارتكسوا وظلوا مرتكسين فيها .

ولقد ذكرت آية السجدة ( 24 ) : أن الله منحهم ما منحهم ؛ لما صبروا وكانوا بآياته يوقنون . أي : أن ذلك كله رهنا بصبرهم وحسن يقينهم فيزول بزوال ذلك . وهو ما قررته الآيات . وقد جاء تقرير ذلك في آيات عدة كما ترى في الأمثلة التالية :

1- { وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم . . . } ( البقرة : 77 ) .

2- { ضُربت عليهم الذّلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } . ( آل عمران : 112 ) .

3- { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا . أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا } . ( النساء : 52 ، 51 ) .

4- ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفّرن عنكم سيئاتكم ولأدخلّنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل . فبما نقضهم ميثاقهم لعنّاهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظّا ممّا ذُكّروا به ولا تزال تطّلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعفُ عنهم واصفحْ إن الله يحب المحسنين } . ( المائدة : 13 ، 12 ) .

وثانيا :

1- في سورة المائدة هذه الآيات :

{ وإذْ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤْت أحدا من العالمين . يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدّوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين } . ( المائدة : 21 ، 20 ) .

2- وفي سورة الأعراف هذه الآية :

{ وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون } . ( الأعراف : 137 ) .

ولقد جاء بعد آيتي المائدة آيات تحكي موقف اللجاج والتمرد والهلع الذي وقفه بني إسرائيل من أمر الله ورسوله ، وإيجاب التيه الذي أوجبه الله عليهم وعدم السماح لهم بدخول الأرض بسبب فسقهم وهي هذه :

{ قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنّا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون . قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين . قالوا يا موسى إنّا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون . قال ربي إني لا أملك إلا نفسي أخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين . قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين } . ( المائدة : 26 ، 22 ) .

وهكذا يصح أن يقال : إن الأمر من وجهة النظر الربانية القرآنية قد وقف عند هذا الحد وانتهى مدى حكاية قول موسى : إن الله كتب لهم الأرض المقدسة .

ويلحظ أن آية سورة الأعراف قد تضمنت تعليلا لما كان من حكمة الله تعالى بإعلانه أنه أورثهم مشارق الأرض ومغاربها التي بارك فيها وهو صبرهم واستقامتهم . ولقد انحرفوا انحرافات دينية وأخلاقية خطيرة ونقضوا بذلك التعليل الرباني فلم يعد لهم حق التمسك بالآية القرآنية والاحتجاج بها فضلا عن الآيات الكثيرة التي أوردنا أرقامها وسورها التي تضمنت لعنة الله عليهم وغضبه وإيذانه بتشتيتهم في الأرض وتسليط من يسومهم سوء العذاب عليهم إلى يوم القيامة وكتابته الذلة والمسكنة عليهم .

وإذا كان التاريخ سجل دخولهم الأرض المقدسة بالعنف والقوة والدم ، وإقامتهم فيها وقيام دولة لهم أثناء ذلك فيها ردحا من الزمن ، فإن ذلك لا يصح أن يؤخذ على أنه أكسبهم حقا شرعيا أبديا من وجهة النظر القرآنية ولا من وجهة نظر الواقع . فمن وجهة النظر القرآنية : أن ذلك الوعد الرباني كان مرهونا بصفات زالت عنهم فانتسخ الوعد بزوالها . ومن وجهة نظر الواقع : أنهم تشردوا وتشتتوا عنها منذ ألفي سنة وحل محلهم أقوام ظلوا فيها ثم اصطبغت بصبغة الإسلام والعروبة وظلت كذلك في طوال ألف وأربعمائة عام ولم ينقطع ذلك إلا فترة قصيرة في زمن الحروب الصليبية فحارب المسلمون والعرب حربا شديدة ومديدة حتى طهروها من الغزاة وعادت صبغتها الإسلامية العربية إليها .

ومن الجدير بالذكر : أن الإصحاح ( 26 ) من سفر الأحبار أحد أسفار اليهود المقدسة أنذرهم إنذارا شديدا رهيبا بالنكبات والضربات والشتات وتسلط الأقوياء عليهم وإذلالهم وتدميرهم إذا هم انحرفوا عن وصايا الله وشرائعه ، وقد سجلت أسفارهم العديدة مثل : أسفار القضاة ، وصموئيل ، والملوك ، وأخبار الأيام ، وحزقيال ، ودانيال ، وأشعيا ، وأرميا ؛ انحرافهم عن وصايا الله وشرائعه انحرافا خطيرا ؛ ففقدوا ذلك من وجهة نظر أسفارهم أيضا{[359]} .

ثالثا :

إن عدوان اليهود مستمر لا ينقطع وآخر ذلك عدوانهم في يونيو 1967 الذي وقع ولا يزال مستمرا على أشد وأقسى وأنكى ما يكون ولم يكن بينها وبين المسلمين والعرب سابق عداء قبل تفكيرهم في غزو فلسطين وإنشاء دولة لهم فيها على أنقاض العرب والمسلمين ، بل كان المسلمون والعرب في ظل السلطان الإسلامي يمنحون من كان في ظله ومنهم الحرية والأمن والطمأنينة في حين كانوا وظلوا معرضين للاضطهاد والمصادرة في جميع البلاد الأخرى التي كانوا يقيمون فيها .

وعلى المسلمين واجب إعداد كل قوة يستطيعونها والاستعداد بكل وسيلة لمقاتلتهم وتضيق الخناق عليهم بدون كلل ولا فتور كما أمر الله ، إلى أن يقوضوا كيانهم ويطهوا أرض العرب من رجسهم وتعود إلى السلطان الإسلامي العربي كما كانت ، { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز } . ( المجادلة : 21 ) .


[343]:- تفسير ابن كثير: 3/25.
[344]:- انظر عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير تحقيق أحمد شاكر 1/14.
[345]:- تفسير ابن جرير: 15/17.
[346]:- الدكتور/ محمد سيد طنطاوي: بنو إسرائيل في الكتاب والسنة 2/360
[347]:- الدر المنثور السيوطي: 4/163.
[348]:- انظر وصف ذلك على الآيات 252-246 من سورة البقرة، وفيها ما يفيد: أن طالوت وقائده داود قد انتصر على جالوت {وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة}.
[349]:- تفسير الذر المنثور 4/163.
[350]:- تاريخ الإسرائيليين: ص 76.
[351]:- تاريخ الإسرائيليين: ص 77.
[352]:- تقاتلون اليهود حتى يختبئ أحدهم: رواه البخاري في الجهاد (2925) وفي المناقب (3593) ومسلم في الفتن (2921) والترمذي في الفتن (2236) وأحمد في مسنده (5969) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تقاتلون اليهود حتى يختبئ أحدهم وراء الجحر فيقول: يا عبد الله، هذا يهودي ورائي فاقتله). رواه البخاري في الجهاد (2926)، ومسلم في الفتن (2922) وأحمد في مسنده (27502) من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرد فإنه من شجر اليهود).
[353]:- عبد الله التل: خطر اليهودية العالمية: 106-120.
[354]:- من كبار علماء لبنان الشقيق.
[355]:- عبد اللطيف مشتهري، المسجد الأقصى: ص 120.
[356]:- دكتور/محمد طنطاوي: بنو إسرائيل في الكتاب والسنة 1/436.
[357]:- مصطفى الدباغ: بلادنا فلسطين 1/657- بيروت.
[358]:- عبد اللطيف مشتهري: المسجد الأقصى: من 17.
[359]:- محمد عزة دروزة: قصة فلسطين ص 71.
 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا} (8)

{ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ } فيديل لكم الكرة عليهم ، فرحمهم وجعل لهم الدولة . وتوعدهم على المعاصي فقال : { وَإِنْ عُدْتُمْ } إلى الإفساد في الأرض { عُدْنَا } إلى عقوبتكم ، فعادوا لذلك فسلط الله عليهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم

فانتقم الله به منهم ، فهذا جزاء الدنيا وما عند الله من النكال أعظم وأشنع ، ولهذا قال : { وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } يصلونها ويلازمونها لا يخرجون منها أبدا . وفي هذه الآيات التحذير لهذه الأمة من العمل بالمعاصي لئلا يصيبهم ما أصاب بني إسرائيل ، فسنة الله واحدة لا تبدل ولا تغير .

ومن نظر إلى تسليط الكفرة على المسلمين والظلمة ، عرف أن ذلك من أجل ذنوبهم عقوبة لهم وأنهم إذا أقاموا كتاب الله وسنة رسوله ، مكن لهم في الأرض ونصرهم على أعدائهم .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا} (8)

ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة ببيان أن هذا الدمار الذى حل ببنى إسرائيل بسبب إفسادهم فى الأرض مرتين ، قد يكون طريقا لرحمتهم ، وسببا فى توبتهم وإنابتهم ، إن فتحوا قلوبهم للحق ، واعتبروا بالأحداث الماضية ، وفهموا عن الله - تعالى - سنته التى لا تتخلف ، وهى أن الإِحسان يؤدى إلى الفلاح والظفر ، والإِفساد يؤدى إلى الخسران والهلاك .

وقد عبر القرآن الكريم عن هذه المعانى أبلغ تعبير وأحكمه . فقال - تعالى - : { عسى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً } .

أى : عسى ربكم أن يرحمكم : ويعفو عنكم يا بنى إسرائيل متى أخلصتم له العبادة والطاعة ، وأصلحتم أقوالكم وأعمالكم ، فقد علمتم أنه - سبحانه - لا ينزل بلاء إلا بذنب ، ولا يرفعه إلا بتوبة .

قال : أبو حيان : وهذه الترجية ليست لرجوع دولة ، وإنما هى من باب ترحم المطيع منهم ، وكان من الطاعة أن يتبعوا عيسى ومحمدا - عليهما السلام - ولكنهم لم يفعلوا .

وقوله - سبحانه - : { وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا } إنذار لهم بإنزال العقوبات عليهم ، إن عادوا إلى فسادهم وإفسادهم .

أى : وإن عدتم إلى المعاصى ومخالفة أمرى ، وانتهاك حرماتى ، بعد أن تداركتكم رحمتى ، عدنا عليكم بالقتل والتعذيب وخراب الديار .

ولقد عادوا إلى الكفر والفسوق والعصيان ، حيث أعرضوا عن دعوة الحق التى جاءهم بها الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولم يكتفوا بهذا الإِعراض بل هموا بقتله صلى الله عليه وسلم وأيدوا كل متربص بالإِسلام والمسلمين ، فكانت نتيجة ذلك أن عاقبهم النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما يستحقون من إجلاء وتشريد وقتل . .

قال ابن عباس - رضى الله عنهما - : " عادوا فسلط الله عليهم المؤمنين " .

ثم بين - سبحانه - عقوبتهم فى الآخرة فقال : { وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً } أى : إن عدتم إلى معصيتنا فى الدنيا عدنا عليكم بالعقوبة الرادعة ، أما فى الآخرة فقد جعلنا جهنم للكافرين منكم ومن غيركم { حصيرا } أى : سجنا : حاصرا لكم لا تستطيعون الهروب منه ، أو الفكاك عنه ، أو فراشا تفترشونه ، كما قال - تعالى - : { لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وكذلك نَجْزِي الظالمين } قال بعض العلماء : " قوله { حصيرا } فيه وجهان : الأول : أن الحصير المحبس والسجن . من الحصر وهو الحبس : يقال حصره يحصره حصرا ، إذا ضيق عليه وأحاط به .

والثانى أن الحصير : البساط والفراش ، من الحصير الذى يفرش ، لأن العرب تسمى البساط الصغير حصيرا . . " .

وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد حكت لنا قضاء الله - تعالى - فى بنى إسرائيل ، وساقت لنا لكى نعتبر ونتعظ ألوانا من سنن الله - تعالى - التى لا تتخلف ، والتى من أبرزها أن الإيمان والصلاح عاقبتهما الفلاح ، وأن الكفر والفساد عاقبتهما الشقاء ، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى .

هذا ، والذى يراجع ما قاله المفسرون فى بيان العباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول والثانى فى الأرض ، يرى أقوالا متعددة يبدو على كثير منها الاضطراب والضعف .

ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس وابن مسعود - رضى الله عنهما - أن الله - تعالى - عهد إلى بنى إسرائيل فى التوراة { لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرض مَرَّتَيْنِ } فكان أول الفسادين قتل زكريا ، فبعث الله عليهم ملك النبط ، وكان يدعى " صحابين " فبعث الجنود ، وكانوا من أهل فارس . . فتحصنت بنو إسرائيل . . ودخل فيهم " بختنصر " - أحد جنود صحابين - وسمع أقوالهم . . الخ .

وهذا الأثر من وجوه ضعفه ، أن غزو النبط ومعهم بختنصر لبنى إسرائيل سابق على زمان زكريا - عليه السلام - بحوالى ستة قرون .

لأن الثابت تاريخيا أن بختنصر غزا بنى إسرائيل وانتصر عليهم ثلاث مرات : الأولى فى سنة 606 ق . م والثانية فى سنة 599 ق . م ، والثالة فى سنة 588 ق . م .

وفى هذه المرة الثالثة أكثر القتل فيهم ، وساق الأحياء منهم أسارى إلى أرض بابل .

أما زكريا - عليه السلام - فمن المعروف أنه كان معاصرا لعيسى - عليه السلام - أو مقاربا لعصره : فقد أخبرنا القرآن الكريم أن زكريا هو الذى تولى كفالة مريم أم عيسى .

وإذاً فالقول بأن إفسادهم الأول كان لقتلهم زكريا ، وأن المسلط عليهم ملك النبط ومع " بختنصر " يتنافى مع الحقائق التاريخية .

وفضلا عن ذلك ، فإن هذا الأثر اضطرابه ظاهر ، لأن " صحابين " ملك النبط ، هو الذى يسميه المؤرخون " سنحاريب " وكان ملكا للأشوريين ، وهو الذى غزا مملكة يهوذا سنة 713 ق . م أى قبل غزو بختنصر لها بأكثر من مائة سنة ، أى : أن بختنصر لم يكن معاصرا له .

والرأى الذى نختاره : هو أن العباد الذين سلطهم الله على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول ، هم جالوت وجنوده . ونستند فى اختيارنا لهذا الرأى إلى أمور من أهمها ما يلي :

1- ذكر القرآن الكريم فى سورة البقرة ، عند عرضه لقصة القتال الذى دار بين طالوت قائد بنى إسرائيل ، وبين " جالوت " قائد أعدائهم ، ما يدل على أن بنى اسرائيل كانوا قبل ذلك مقهورين مهزومين من أعدائهم .

ويتجلى هذا المعنى فى قوله - تعالى - : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الملإ مِن بني إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ موسى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابعث لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ الله وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا . . } فقولهم - كما حكى القرآن عنهم - { وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ الله وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا .

. } يدل دلالة قوية ، على أنهم كانوا قبل قتالهم لجالوت مهزومين هزيمة اضطرتهم إلى الخروج عن ديارهم ، وإلى مفارقة أبنائهم .

2- قوله - تعالى - : { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ } صريح فى أن الله - تعالى - نصر بنى إسرائيل - بعد أن تابوا وأنابوا - على أعدائهم .

وهذا المعنى ينطبق على ماقصه القرآن علينا ، من أن بنى إسرائيل بقيادة طالوت قد انتصروا على جالوت وجنوده .

قال - تعالى - : { وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصرنا عَلَى القوم الكافرين فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ الله وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ الله الملك والحكمة وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ . . } ولقد كان هذا النصر نعمة كبرى لبنى إسرائيل ، فقد جاءهم بعد أن أخرجوا من ديارهم وأبنائهم ، وبعد أن اعترضوا على اختيار طالوت ملكا عليهم ، وبعد أن قاتل مع طالوت عدد قليل منهم . ولاشك أن النصر فى هذه الحالة ، أدعى لطاعة الله - تعالى - وشكره على آلائه .

3- قوله - تعالى - : { وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً } أكثر ما يكون انطباقا على عهد حكم طالوت ، وداود ، وسليمان لهم .

ففى هذا العهد الذى دام زهاء ثمانين سنة ، ازدهرت مملكتهم ، وعز سلطانهم وأمدهم الله خلاله بالأموال الوفيرة ، وبالبنين الكثيرة ، وجعلهم أكثر من أعدائهم عددا وقوة .

أما بعد هذا العهد ، بل وقبل هذا العهد ، فقد كانت حياتهم سلسلة من المآسى والنكبات .

فبعد موت سليمان - عليه السلام - سنة 975 ق . م تقريبا ، انقسمت مملكتهم إلى قسمين : مملكة يهوذا فى الجنوب ، ومملكة إسرائيل فى الشمال ، واستمرتا فى صراع ونزاع حتى قضى الأشوريون سنة 721 ق . م على مملكة إسرائيل ، وقضى " بختنصر " على مملكة يهوذا سنة 588 ق . م .

4- ذكر بعض المفسرين أن العباد الذين سلطهم الله عليهم بعد إفسادهم الأول هم جالوت وجنوده .

أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس فى قوله : { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } قال : بعث الله عليهم فى الأولى جالوت ، فجاس خلال ديارهم ، فسألوا الله - تعالى - أن يبعث لهم ملكا ، فبعث لهم طالوت ، فقاتلوا جالوت ، وانتصروا عليه ، وقتل داود جالوت ، ورجع إلى بنى اسرائيل ملكهم . فلما أفسدوا بعث الله عليهم فى المرة الآخرة " بختنصر " فخرب المساجد ، وتبر ما علوا تتبيرا . . .

هذه بعض الأدلة التى تجعلنا نرجح أن المراد بالعباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل بعد إفسادهم الأول فى الأرض ، هم جالوت وجنوده .

أما العباد الذين سلطهم الله عليهم بعد إفسادهم الثانى ، فيرى كثير من المفسرين أنهم " بختنصر " وجنوده .

وهذا الرأى ليس ببعيد عن الصواب ، لما ذكرنا قبل ذلك من تنكيله بهم ، وسوقهم أسارى إلى بابل سنة 588 ق . م .

إلا أننا نؤثر على هذا الرأى ، أن يكون المسلط عليهم بعد إفسادهم الثانى ، هم الرومان بقيادة زعيمهم ، تيطس سنة 70 م . لأمور من أهمها : .

1- أن الذى يتتبع التاريخ يرى أن رذائل بنى إسرائيل فى الفترة التى سبقت تنكيل " تيطس " بهم ، أشد وأكبر من الرذائل التى سبقت إذلال " بختنصر " لهم . فهم - على سبيل المثال - قبيل بطش الرومان بهم ، كانوا قد قتلوا من أنبياء الله زكريا ويحيى - عليهما السلام - ، وكانوا قد حاولوا قتل عيسى - عليه السلام - ولكن الله - تعالى - نجاه من شرورهم .

2- ضربات الرومان - فى ذاتها - كانت أشد وأقسى على بنى اسرائيل . من ضربات " بختنصر " لهم .

فمثلا عدد القتلى من اليهود على يد الرومان بقيادة " تيطس " بلغ مليون قتيل ، وبلغ عدد الأسرى نحو مائة ألف أسير .

بينما عدد القتلى والأسرى منهم على يد " بختنصر " كان أقل من هذا العدد بكثير .

ولقد وصف المؤرخون النكبة التى أوقعها الرومان بهم ، بأوصاف تفوق بكثير ما أوقعه البابليون بقيادة بختنصر بهم .

يقول أحد الكتاب واصفا ما حل باليهود على يد " تيطس " الرومانى : كان " تيطس " فى الثلاثين من عمره ، حين وقف سنة 70 م أمام أسوار أورشليم على رأس جيشه ، بعد أن بدأت المدينة تعانى من أهوال الحصار .

وبعد أن اقتحم " تيطس " وجنوده المدينة ، أصدر أمره إليهم : أن احرقوا وانهبوا واقتلوا ، فأموال اليهود وأعراضهم حلال لكم ، وقد أحرق الرومان معبد اليهود ودمروه ، وتحققت نبوءة المسيح - عليه السلام - حين قال : ستلقى هذه الأرض بؤسا وعنتا ، وسيحل الغضب على أهلها ، وسيسقطون صرعى على حد السيف ، ويسيرون عبيدا إلى كل مصر ، وستطأ أورشليم الأقدام .

3- النكبة التى أنزلها الرومان بهم - من حيث آثارها - أشنع بكثير من النكبة التى أنزلها بختنصر بهم . لأنهم بعد تنكيل بختنصر بهم وأخذهم أسرى إلى بلاده وبقائهم فى الأسر زهاء خمسين سنة عادوا إلى ديارهم مرة أخرى ، بمساعدة " قورش " ملك الفرس ، الذى انتصر على " بختنصر " سنة 538 ق . م تقريبا ، وبدأوا يتكاثرون من جديد .

أما بعد تنكيل " تيطس " بهم فلم تقم لهم قائمة ، ومزقوا فى الأرض شر ممزق ، وانقطع دابرهم كأمة .

وقد صرح بهذا المعنى صاحب تاريخ الإِسرائيليين فقال بعد وصفه لما أوقعه " تيطس " بهم من ضربات : إلى هنا ينتهى تاريخ الإِسرائيليين كأمة ، فإنهم بعد خراب أورشليم على يد " تيطس " تفرقوا فى جميع بلاد الله ، وتاريخهم بعد ذلك ملحق بتاريخ الممالك التى توطنوها أو نزلوا فيها .