تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا} (7)

المفردات :

تتبيرا : {[339]} مصدر تبر تتبيرا ، والتتبير : الإهلاك ، وهي كلمة نبطية كما روي عن سعيد بن جبير وكل شيء كسرته وفتّته فقد تبرته ، وليتبروا ما علوا تتبيرا وليدمروا ويخربوا ما غلبوا عليه وظفروا به تدميرا شديدا{[340]} .

التفسير :

7- { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها . . . } الآية .

أي : إن أحسنتم فأطعتم الله ولزمتم أمره أحسنتم لأنفسكم ؛ لأنكم تنفعونها بذلك في دنياها وآخرتها .

فقد جعل الله الجزاء الحق من جنس العمل ووعد المؤمنين العاملين بالنصر والتأييد ، كما وعد المفسدين بالعقاب والتأديب .

تلك قاعدة لا تتغير في الدنيا وفي الآخرة ، وهي تجعل عمل الإنسان كله له بكل ثماره ونتائجه ، وتجعل الجزاء ثمرة طبيعية للعمل ، منه تنتج وبه تتكيف ، وتجعل الإنسان مسئولا عن نفسه إن شاء أحسن إليها وإن شاء أساء لا يلومنّ إلا نفسه حين يحق عليه الجزاء .

فإذا تقررت هذه القاعدة ، مضى السياق يكلم النبوءة الصادقة .

{ فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوههم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا } .

لقد فهم اليهود من السياق : أن اليهود أفسدوا مرتين فسلط الله عليهم في المرة الأولى من انتقم منهم ، ثم أعاد لليهود دولتهم وملكهم ولم يذكر هنا ما صنع اليهود بعد أن رد الله لهم الكرة على أعدائهم اكتفاء بما علم من طبعهم أنهم كلما استعلوا في الأرض بغوا وأفسدوا ، وبما ذكره القرآن من قبل : { لتفسدون في الأرض مرتين } ، ثم أثبت ما يسلكه الله عليهم في المرة الآخرة فقال :

{ فإذا جاء وعد الآخرة{[341]} ليسوءوا وجوههم } .

أي : فإذا جاء وقت عقوبتكم- يا بني إسرائيل- على المرة الآخرة من مرتي إفسادكم في الأرض بعثنا أعداءكم ؛ ليجدوا آثار المساءة بادية في وجوهكم بما يرتكبونه معكم من نكال يملأ النفوس بالإساءة حتى تفيض على الوجوه ، أو ما يجبهون به وجوهكم من مساءة وإذلال . ويستبيحون المقدسات ويستهينون بها : وليدخلوا المسجد . قاهرين فاتحين مذلين لكم ، كما دخلوه أول مرة ؛ وليهلكوا ما ادخرتموه تتبيرا شديدا فلا يبقون منه شيئا .

وهي صورة للدمار الشامل الكامل الذي يطغى على شيء .

قال الإمام الرازي :

وإنما عزا- سبحانه- الإساءة إلى الوجوه ؛ لأن آثار الأحوال النفسية الحاصلة في القلب ، إنما تظهر على الوجه ، فإن حصل الفرح في القلب ظهرت النضرة والإشراق والأسفار في الوجه ، وإن حصل الحزن والخوف في القلب ؛ ظهر الكلوح والغبرة والسواد في الوجه ، فلهذا السبب عزيت الإساءة إلى الوجوه في هذه الآية ، ونظير هذا المعنى في القرآن كثير ، ومنه قوله تعالى : { فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا{[342]} . ( الملك : 27 ) . 1 ه .

/خ8


[339]:- ذكر المصدر؛ إزالة لشك، وتحقيقا للخبر.
[340]:- ويجوز أن تكون ما بمعنى: المدة، أي: ما دام سلطانهم جاريا على بني إسرائيل، انظر تفسير النيسابوري.
[341]:- {ووعد الآخرة}: أي: وعد عقوبتكم على المرة الآخرة على حذف مضاف، وجواب إذن محذوف والتقدير: فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم ليسوءوا وجوهكم. وحسن هذا الحذف؛ لدلالة جواب إذا الأولى عليه في قوله تعالى: {فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادنا. . . }.
[342]:- تفسير الفخر الرازي 159/2.
 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا} (7)

{ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ } لأن النفع عائد إليكم حتى في الدنيا كما شاهدتم من انتصاركم على أعدائكم . { وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } أي : فلأنفسكم يعود الضرر كما أراكم الله من تسليط الأعداء .

{ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ } أي : المرة الآخرة{[468]} التي تفسدون فيها في الأرض سلطنا عليكم الأعداء .

{ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ } بانتصارهم عليكم وسبيكم وليدخلوا المسجد الحرام كما دخلوه أول مرة ، والمراد بالمسجد مسجد بيت المقدس .

{ وَلِيُتَبِّرُوا } أي : يخربوا ويدمروا { مَا عَلَوْا } عليه { تَتْبِيرًا } فيخربوا بيوتكم ومساجدكم وحروثكم .


[468]:- في ب: الأخرى.
 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا} (7)

ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك سنة من سننه التى لا تتخلف ، وهى أن الإِحسان عاقبته الفلاح ، والعصيان عاقبته الخسران ، وأن كل إنسان مسئول عن عمله ، ونتائج هذا العمل - سواء أكانت خيرا أم شرا - لا تعود إلا عليه ، فقال - تعالى - : { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } .

أى : إن أحسنتم - أيها الناس - أعمالكم ، بأن أديتموها بالطريقة التى ترضى الله - تعالى - أفلحتم وسعدتم ، وجنيتم الثمار الطيبة التى تترتب على هذا الإِحسان للعمل ، وإن أسأتم أعمالكم ، بأن آثرتم الأعمال السيئة على الأعمال الحسنة ، خسرتم وشقيتم وتحملتم وحدكم النتائج الوخيمة التى تترتب على إتيان الأعمال التى لا ترضى الله - تعالى - .

وقد رأيتم كيف أن الإِفساد كانت عاقبته أن { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الديار } .

وكيف أن الإِحسان كانت عاقبته أن { رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة } على أعدائكم { وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً } .

قال صاحب البحر ما ملخصه : وجواب { وإن أسأتم } قوله { فلها } وهو خبر لمبتدأ محذوف أى : فالإِساءة لها . قال الكرمانى : قال - سبحانه - : { فلها } باللام ازدواجا .

أى : أنه قابل { لأنفسكم } بقوله { فلها } . وقال الطبرى اللام بمعنى إلى أى : فإليها ترجع الإِساءة .

وقيل : اللام بمعنى على . أى : فعليها ، كما فى قول الشاعر : فخر صريعا لليدين وللفم .

ثم بين - سبحانه - ما يحل بهم من دمار ، بعد إفسادهم للمرة الثانية ، فقال - تعالى - : { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ المسجد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً } .

والكلام أيضا هنا على حذف مضاف ، وجواب إذا محذوف دل عليه ما تقدم وهو قوله { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ } فإذا جاء وقت عقوبتكم يا بنى إسرائيل على إفسادكم الثانى فى الأرض ، بعثنا عليكم أعداءكم ليسوءوا وجوهكم أى : ليجعلوا آثار المساءة والحزن بادية على وجوهكم ، من شدة ما تلقونه منهم من إيداء وقتل .

قال الجمل ما ملخصه : وقوله { ليسوءوا } الواو للعباد أولى البأس الشديد .

وفى عود الواو على العباد نوع استخدام ، إذ المراد بهم أولا جالوت وجنوده ، والمراد بهم هنا بختنصر وجنوده .

وقرأ ابن عامر وحمزة بالياء المفتوحة والهمزة المفتوحة آخر الفعل { ليسوء } والفاعل إما الله - تعالى - وإما الوعد ، وإما البعث .

وقرأ الكسائى لنسوء - بنون العظمة . أى : لنسوء نحن وهو موافق لما قبله ، من قوله : بعثنا ، ورددنا ، وأمددنا ، ولما بعده من قوله : عدنا ، وجعلنا ، وقرأ الباقون . ليسوءوا ، مسندا إلى ضمير الجمع العائد على العباد ، وهو موافق لما بعده من قوله : { وليدخلوا المسجد } { وليتبروا } .

وقال الإِمام الرازى : ويقال ساءه يسوءه إذا أحزنه ، وإنما عزا - سبحانه - الإِساءة إلى الوجوه ، لأن آثار الأعراض النفسية الحاصلة فى القلب إنما تظهر على الوجه ، فإن حصل الفرح فى القلب ظهر الإِشراق فى الوجه ، وإن حصل الحزن والخوف فى القلب ، ظهر الكلوح فى الوجه .

وقوله - سبحانه - : { وَلِيَدْخُلُواْ المسجد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ } معطوف على ما قبله وهو قوله - سبحانه - { ليسوءوا وجوهكم } .

والمراد بالمسجد : المسجد الأقصى الذى ببيت المقدس ، وقوله { كما دخلوه } صفة لمصدر محذوف .

والمعنى : وليدخلوا المسجد دخولا كائنا كدخولهم إياه أول مرة .

قال أبو حيان : ومعنى { كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ } أى بالسيف والقهر والغلبة والإِذلال .

أى : أن المراد من التشبيه ، بيان أن الأعداء فى كل مرة أذلوا بنى إسرائيل وقتلوهم وقهروهم .

وقوله - تعالى - : { وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً } يشعر بشدة العقوبة التى أنزلها أولئك العباد ببنى إسرائيل ، إذ التتبير معناه الإِهلاك والتدمير والتخريب لكل ما تقع عليه . ومنه قول الشاعر :

وما الناس إلا عاملان فعامل . . . يتبر ما يبنى وآخر رافع

أى : يخرب ويهد ما يبنى .

و " ما " فى قوله { ما علوا } اسم موصول مفعول يتبروا : وهو عبارة عن البلاد والأماكن التى هدموها ، والعائد محذوف ، وتتبيرا مفعول مطلق مؤكد لعامله .

أى : وليدمرا ويخربوا البلاد والأماكن التى علوا عليها ، وصارت فى حوزتهم ، تدميرا تاما لا مزيد عليه .

وبذلك نرى أن العباد الذين سلطهم الله - تعالى - على بنى إسرائيل ، عقب إفسادهم الثانى فى الأرض ، لم يكتفوا بجوس الديار ، بل أضافوا إلى ذلك إلقاء الحزن والرعب فى قلوبهم ، ودخول المسجد الأقصى فاتحين ومخربين ، وتدمير كل ما وقعت عليه أيديهم تدميرا فظيعا لا يوصف .