تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّمَا جَزَـٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (33)

المفردات :

يحاربون الله ورسوله : المحارب ؛ من يحمل السلاح على الناس في البر أو البحر أو الجو ، دون إثارة منهم له . والمغتال كالمحارب . ويشمل القراصنة في البر والبحر والجو ، كقطاع الطرق . . .

ويسعون في الأرض فسادا : أي تمردا على ما شرعه الله من الأمن والطمأنينة للإنسانية كلها .

أو ينفوا من الأرض : المقصود بالأرض ؛ الأرض التي يكتسبون فيها نفوذا حراما .

ينفون منها إلى حيث لا نفوذ لهم ، ولو سجناء شلا للجريمة .

التفسير :

33- إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا . . . الآية

لما بين الله- قبل هذه الآية- أن قتل النفس الواحدة له خطورته عند الله تعالى ، وأنه يعتبر- عنده- كقتل الناس جميعا ، أتبع ذلك هذه الآية الكريمة ، التي تضمنت من التشريع ، ما يردع المعتدي الأثيم ، ويكفه عن ترويع الناس والإفساد فيما بينهم . فقال تعالى : إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ .

والآية نزلت في قطاع الطريق : كما قاله كثير من المفسرين والفقهاء ، وأصحاب الرأي . . نقل ذلك الطبرسي وغيره .

والمقصود من محاربتهم الله ورسوله : قطعهم الطريق على الناس ، وإفسادهم في الأرض وترويع الآمنين .

وجعل عملهم هذا حربا لله ورسوله ؛ إنما هو لتمردهم على ما شرعه الله سبحانه وتعالى ، من وجوب الكف عن إيذاء الناس ، وتوفير أسباب الأمن والسلام لهم .

المعنى : أفادت الآية ، أن الذين يسعون في الأرض فسادا ، بقطعهم الطريق على الناس ؛ يسلبونهم أموالهم أو أعراضهم أو يقتلونهم ، أو يقطعون أطرافهم- يعاقبون بتقتيلهم أو تصليبهم {[214]} أو قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، أو نفيهم من الأرض .

وبيان ذلك في مسائل :

1- أن وصف المحارب لله ولرسوله ، يطلق على من حمل السلاح على الناس في مدينة أو قرية ، أو في طريق أو صحراء ، وكابرهم عن أنفسهم وأموالهم ، دون إثارة منهم له ، أو ثأر أو عداوة .

2- أن المغتال كالمحارب ، وهو أن يحتال في قتل إنسان ؛ ليأخذ ماله وإن لم يشهر السلاح . بأن دخل عليه بيته ، أو صحبه في سفر فأطعمه سما فقتله ، فيقتل حدا لا قودا أي : يقتل قصاص .

3- اختلف العلماء في حكم المحارب . فمنهم من قال : يعاقب بقدر ما فعل . فمن أخاف السبيل وأخذ المال ؛ قطعت يده ورجله من خلاف . وإن اخذ المال وقتل ؛ قطعت يده ورجله ثم صلب وقتل . فإذا قتل ولم يأخذ المال ؛ قتل . وإن لم يأخذ المال ولم يقتل ؛ نفي . وبهذا قال النخعي ، وعطاء وغيرهم .

وقال أبو يوسف : إذا أخذ المال وقتل ؛ صلب وقتل على الخشبة .

قال الليث : بالحربة : مصلوبا .

قال أبو حنيفة : إذا قتل ؛ قتل . وإذا أخذ المال ولم يقتل ؛ قطعت يده ورجله من خلاف ، وإذا أخذ المال وقتل ؛ فالسلطان مخير فيه : إن شاء قطع يده ورجله ، وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه .

وقال الشافعي : إذا اخذ المال ؛ قطعت يده اليمنى ، وحسمت {[215]} ثم قطعت رجله اليسرى وحسمت . وخلي سبيله ؛ لأن هذه الجناية زادت على السرقة بالحرابة .

وإذا قتل ، قتل ، وإذا أخذ المال وقتل ؛ قتل وصلب .

وروى عنه أنه قال : يصلب ثلاثة أيام ، وأنه يكره أن يقتل مصلوبا ، بل يصلب بعد القتل ؛ لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة . {[216]} وبمثل قوله قال أحمد .

وقال أبو ثور : الإمام مخير على ظاهر الآية . وكذا قال مالك وابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، وعمر بن عبد العزيز ، ومجاهد ، والضحاك ، والنخعي كلهم قال :

الإمام مخير في الحكم على المحاربين ؛ يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها الله تعالى ؛ من القتل والصلب ، أو القطع ، أو النفي ؛ أخذا بظاهر الآية .

وروى عن ابن عباس ، أنه قال : إن كان في القرآن " أو " فصاحبه بالخيار . وهذا هو الأظهر ، وهو ما نرجحه .

4- النفي من الأرض : اختلف في معناه :

فعن الشافعي : أنهم يخرجون من بلد إلى بلد ، ويطلبون لتقام عليهم الحدود . وبه قال الليث ابن سعد ، والزهري .

وقال مالك : ينفي من البلد الذي احدث فيه الحرابة إلى غيره ،

ويحبس فيه كالزاني .

وقال الكوفيون : نفيهم : سجنهم . . . فينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها .

حكي مكحول عن عمر قال : أحبسه حتى أعلم منه التوبة . ولا أنفيه من بلد إلى بلد فيؤذيهم .

قال القرطبي : والظاهر أن الأرض في الآية هي أرض النازلة- أي : مكان الجريمة- ثم قال : ينبغي للإمام- إذا كان هذا المحارب مخوف الجانب ؛ يظن أن يعود إلى حرابة ، أو إفساد- أن يسجنه في البلد الذي يغرب إليه . وإن كان غير مخوف الجانب ؛ سرح .

قال ابن عطية : وهذا صريح مذهب مالك ، أن يغرب ويسجن حيث يغرب . وهذا على الأغلب في انه مخوف . ورجحه الطبري ؛ لأن نفيه من أرض النازلة هو نص الآية ، وسجنه بعد ، بحسب الخوف منه .

فإن تاب وفهمت توبته ؛ سرح .

5- لا يراعي في المال الذي يأخذه المحارب نصاب ، كما يراعى في السارق . وقيل : يراعي أن يكون ربع دينار . وهو نصاب القطع .

قال ابن العربي : قال الشافعي ، وأصحاب الرأي : لا يقطع من قطاع الطريق ، إلا من اخذ قدر ما تقطع فيه يد السارق .

قال مالك : يحكم عليه بحكم المحارب . وهو الصحيح ؛ لأن الله تعالى- وقت على لسان نبيه القطع في السرقة ، في ربع دينار . ولم يوقت في الحرابة شيئا ، بل ذكر جزاء المحارب ، فاقتضى ذلك توفية الجزاء- على المحاربة- عن حقه .

ثم إن هذا قياس أصل على أصل . وهو مختلف فيه . وقياس أدنى على أعلى . وذلك عكس القياس وكيف يقاس المحارب على السارق . وهو يطلب خطف المال ، فإن شعر به فر ، حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال ، فإن منع منه ، أو صيح عليه وحارب عليه ، فهو محارب ؛ يحكم عليه بحكم المحارب .

قال القاضي ابن العربي : كنت في أيام حكمي بين الناس : إذا جاءني أحد بسارق- وقد دخل الدار بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار وهو نائم ، وأصحابه يأخذون مال الرجل- حكمت فيهم بحكم المحاربين . . فافهموا هذا من أصل الدين ، وارتفعوا إلى يفاع العلم عن حضيض الجاهلين . 1ه .

نقول : وهذا ما يمسيه علماء القانون : " سرقة بالإكراه " .

وفي المسألة أحكام عظيمة ، وتفاصيل نفسية ينبغي لأهل القضاء أن يعرفوها ؛ ليطبقوها على الذين يعيثون في الليل والنهار فسادا .

فليتعرفها هؤلاء القضاة من مظانها في كتب التفسير المطولة . المعنية بأحكام القرآن ، وفي كتب الفقه .

ولينفذوها في أولئك المحاربين لله ورسوله ؛ قطعا لدابرهم .

ثم ختم الله الآية بقوله :

ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ . أي : ذلك الذي مر من جزاء المحاربين ، خزي وذل وفضيحة لهم في الدنيا . . ولهم في الآخرة عذاب عظيم .

وإنما بولغ في جزاء قطاع الطريق ؛ لأنهم يسدون سبيل الكسب والتجارة على الناس ، ويلزمونهم البيوت ، ويقطعون الأرزاق عن عباد الله ، ويروعونهم في مآمنهم ، فلذا شرع لهم أشد العقاب ، قطعا لدابرهم .


[214]:مادة التفعيل لما فيه من الزيادة على القصاص، من انه لا يسقط بالعفو لكونه حق الشرع، والمراد من التصليب: التصليب مع القتل.
[215]:الحسم: الكي لمنع سيلان الدم.
[216]:نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة: رواه البخاري في المظالم (2474) وفي الذبائح (5516) وأحمد في مسنده (18265) من حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النهبي والمثلة. ورواه النسائي في تحريم الدم (4047) من حديث أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث في خطبته على الصدقة و ينهى عن المثلة. ورواه أبو داود في الجهاد (2667) من حديث الهياج بن عمران أن عمران أبق له غلام فجعل الله عليه لئن قدرعليه ليقطعن يده فأرسلني لأسأل له فأتيت سمرة بن جندب فسألته فقال كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة فأتيت عمران بن حصين فسألته فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة. ورواه أحمد في مسنده (17686) من حديث المغيرة بن شعبة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة.
 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِنَّمَا جَزَـٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (33)

{ 33 ، 34 } { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }

المحاربون لله ولرسوله ، هم الذين بارزوه بالعداوة ، وأفسدوا في الأرض بالكفر والقتل ، وأخذ الأموال ، وإخافة السبل .

والمشهور أن هذه الآية الكريمة في أحكام قطاع الطريق ، الذين يعرضون للناس في القرى والبوادي ، فيغصبونهم أموالهم ، ويقتلونهم ، ويخيفونهم ، فيمتنع الناس من سلوك الطريق التي هم بها ، فتنقطع بذلك .

فأخبر الله أن جزاءهم ونكالهم -عند إقامة الحد عليهم- أن يفعل بهم واحد من هذه الأمور .

واختلف المفسرون : هل ذلك على التخيير ، وأن كل قاطع طريق يفعل به الإمام أو نائبه ما رآه المصلحة من هذه الأمور المذكورة ؟ وهذا ظاهر اللفظ ، أو أن عقوبتهم تكون بحسب جرائمهم ، فكل جريمة لها قسط يقابلها ، كما تدل عليه الآية بحكمتها وموافقتها لحكمة الله تعالى . وأنهم إن قتلوا وأخذوا مالًا تحتم قتلُهم وصلبهم ، حتى يشتهروا ويختزوا ويرتدع غيرهم .

وإن قتلوا ولم يأخذوا مالا تحتم قتلهم فقط . وإن أخذوا مالا ولم يقتلوا تحتم أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، اليد اليمنى والرجل اليسرى . وإن أخافوا الناس ولم يقتلوا ، ولا أخذوا مالا ، نفوا من الأرض ، فلا يتركون يأوون في بلد حتى تظهر توبتهم . وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه وكثير من الأئمة ، على اختلاف في بعض التفاصيل .

{ ذَلِكَ } النكال { لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا } أي : فضيحة وعار { وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } فدل هذا أن قطع الطريق من أعظم الذنوب ، موجب لفضيحة الدنيا وعذاب الآخرة ، وأن فاعله محارب لله ولرسوله .

وإذا كان هذا شأن عظم هذه الجريمة ، علم أن تطهير الأرض من المفسدين ، وتأمين السبل والطرق ، عن القتل ، وأخذ الأموال ، وإخافة الناس ، من أعظم الحسنات وأجل الطاعات ، وأنه إصلاح في الأرض ، كما أن ضده إفساد في الأرض .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{إِنَّمَا جَزَـٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (33)

وبعد أن ذكر سبحانه - تغليظ الإثم في قتل النفس بغير حق ، وتعظيم الأجر لمن عمل على إحيائها ، أتبع ذلك ببيان الفساد المبيح للقتل ، فقال - تعالى - :

{ إِنَّمَا جَزَآءُ الذين يُحَارِبُونَ . . . }

قال ابن جرير : اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية ؟ فقال بعضهم : نزلت في قوم من أهل الكتاب كانوا أهل موادعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنقضوا العهد ، وأفسدوا في الأرض ، فعرف الله نبيه الحكم فيهم . . .

وقال آخرون : نزلت في قوم من المشركين .

وقال آخرون : بل نزلت في قوم من عرينة وعكل - بضم العين وسكون الكاف - ارتدوا عن الإِسلام ، وحاربوا الله ورسوله ، فعن أنس أن رهطا من عكل وعربنة أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله إنا أهل ضرع ، ولم نكن أهل ريف ، وإنا استوخمنا المدينة - أي : وجدناها رديئة المناخ - فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بذود وراع - أي : بعدد من الإِبل ومعهم راع - ، وأمرهم أن يخرجوا بها ، فيشربوا من ألبانها وأبوالها ، فقتلوا الراعي ، واستقاوا الذود ، وكفروا بعد إسلامهم ، فأتى بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقطع أيديهم وأرجلهم ، وسمل أعينهم ، وتركهم في الحرة حتى ماتوا ، فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم .

ثم قال ابن جرير : وأولى الأقوال في ذلك عندي أن يقال : أنزل الله هذه الآية على نبيه صلى الله عليه وسلم : لمعرفة حكمه على من حارب الله ورسوله ، وسعى في الأرض فسادا ، بعد الذي كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرنيين .

والذي يراه ابن جرير أولى هو الذي تطمئن إليه النفس ، فإن الآية الكريمة تبين عقاب قطاع الطرق الذين يحاربون النظام القائم للأمة ، ويرتكبون جرائم القتل والنهب والسلب والسرقة سواء أكانوا من المشركين أم من غيرهم ؟ إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

وقوله : سبحانه { يُحَارِبُونَ } من المحاربة . والمحاربة : مفاعلة من الحرب وهي ضد السلم ، والأصل في معنىكلمة الحرب : الأخذ والسلب . يقال : حربه ، إذا سلبه ماله ، والمراد بالمحاربة هنا : قطع الطريق على الآمنين بالاعتداء عليهم بالقتل أو السلب أو ما يشبه ذلك في الجرائم التي حرمها الله - تعالى - :

ومحاربة الناس لله - تعالى - على وجه الحقيقة غير ممكنة ، لتنزهه - سبحانه - عن أن يكون من الجواهر والأجسام التي تُقَاتلَ ؛ ولأن ، المحاربة تستلزم أن يكون كل من المتحاربين في وجهة ومكان والله منزه عن ذلك ، فيكون التعبير مجازاً عن المخالفة لشرع الله ، وارتكاب ما يغضبه أو المعنى : يحاربون وأولياء رسوله وهم المسلمون ؛ فيكون الكلام على تقدير حذف مضاف .

وصدر - سبحانه - الآية بلفظ ( إنما ) المفيد للمقصر ، لتأكيد العقاب ، ولبيان أنه عقاب لا هوادة فيه ، لأنه حد من حدود الله - تعالى - على تلك الجريمة النكراء التي تقوض بنيان الجماعة ، وتهدم أمنها ، وتزلزل كيانها ، وتبعث الرعب والخوف في نفوس أفرادها .

وعبر - سبحانه - عمن يحارب أولياءه وشرعه بأنهم محاربون له ولرسوله لزيادة التشنيع عليهم ، ولبيان أن كل من يهدد أمن المسلمين ويعتدي عليهم يكون محارباً لله ولرسوله ومستحقاً لغضبه - سبحانه - وعقوبته .

وقوله : { وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً } معطوف على قوله { يُحَارِبُونَ } .

وقوله : { وَيَسْعَوْنَ } من السعي وهو الحركة السريعة المستمرة .

والفساد : ضد الصلاح . فكل ما خرج عن وضعه الذي يكون به صالحاً نافعاً ، يقال إنه قد فسد . والسعي في الأرض بالفساد المراد به هنا : قطع الطريق على الناس ، وتهديد أمنهم ، والتعرض لهم بالأذى في أنفسهم أو أموالهم أو أعراضهم .

وقوله : ( فسادا ) مفعول لأجله أي : يحاربون ويسعون لأجل الفساد . أو هو حال من فاعل ( يسعود ) بتأويله بمفسدين ، أو ذوي فساد .

وقوله : { أَن يقتلوا أَوْ يصلبوا } ألخ . خبر عن المبتدأ هو ( جزاء ) .

والمعنى : { إِنَّمَا جَزَآءُ } أي : عقاب { الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ } أي : يخالفونهما ويعصون أمرهما ، ويعتدون على أوليائهما { وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً } أي : يعملون بسرعة ونشاط في الأرض لا من أجل الإِصلاح وإنما من أجل الإِفساد فيها عن طريق تهديد أمن الناس ، والاعتداء على أموالهم وأنفسهم . جزاء هؤلاء { أَن يقتلوا } والتقتيل هو القتل ، إلا أنه ذكر بصيغة التضعيف لإفادة الشدة في القتل وعدم التهاون في إيقاعه عليهم لكونه حق الشرع وللإِشارة إلى الاستمرار في قتلهم ما داموا مستمرين في الجريمة فكلما كان منهم قتل قتلوا .

{ أَوْ يصلبوا } والتصليب : وضع الجاني الذي يراد قتله مشدودا على مكان مرتفع بحيث يرى بعد القتل ليكون عبرة لغيره ، وردعاً له عن ارتكاب المعاصي والجرائم . قالوا : ويكون الصلب لمدة ثلاثة أيام وقيل : لمدة يوم واحد . وجيء هنا أيضاً بصيغة التضعيف لإِفادة التشديد في تنفيذ هذه العقوبة وإثبات أنه لا هوادة فيها .

{ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ } أي : تقطع مختلفة ، فقوله { مِّنْ ٍخِلافٍ } حال في أيديهم وأرجلهم أي : لا تكون اليد والرجل المقطوعتان من جانب واحد بل تكونان من جانبين مختلفين .

{ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض } أي ، يطردوا من الأرض التي اتفقوا فيها على الإِجرام إلى أرض أخرى ليتشتت شملهم ، ويتفرق جمعهم ، مع مراقبتهم والتضييق عليهم . وفسر بعضهم النفي بالحبس في السجون ، لأن فيه إبعادا لهم وتفريقا لجمعهم .

واسم الإِشارة في قوله - تعالى - { ذلك لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدنيا } يعود إلى العقاب المذكور في الآية من القتل والصلب . . إلخ .

والخزي : الذي والفضيحة أي ذلك العقاب المذكور { ذلك لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدنيا } أي : ذل وفضيحة وعار عليهم ، لأنه كشف أمرهم ، وهتك سترهم ، وجعلهم عبرة لغيرهم .

هذا هو عقاب الدنيا أما عقاب الآخرة قد بينه - سبحانه - بقوله : { وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ } أي : ولهم في الآخرة عذاب عظيم في شدته وآلامه جزاء ما اقترفوا من ج . رائم