تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا} (8)

المفردات :

صعيدا : ترابا .

جرزا : لا نبات فيه .

التفسير :

8- { وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا } .

يحشر الناس يوم القيامة على أرض مستوية ، صماء لا نبات فيها ولا ماء . والأرض الآن تتزين بالزراعة ، والنبات والأشجار ، والأنهار ، والنبات الأخضر ، وسائر فنون الزينة ، وعند نهاية الحياة تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ويفنى الإنسان والحيوان والنبات وتنتهي الدنيا بكل ما فيها ، ثم يكون البعث والحشر والجزاء ، والثواب والعقاب ، والجنة والنار .

قال تعالى : { كل من عليها فان . ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } . ( الرحمان : 27 ، 26 ) .

وقال تعالى : { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربّي نسفا . فيذرها قاعا صفصفا . لا ترى فيها عوجا ولا أمتا } ( طه : 107 ، 105 ) .

وقد وردت الآية السابعة والثامنة ؛ تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ، وكأنه قيل : لا تحزن فهناك في الآخرة جزاء عادل للأخيار والأشرار .

قال القرطبي :

الآية وردت ؛ لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى : لا تهتم يا محمد للدنيا وأهلها ، فإنا إنما جعلنا ذلك امتحانا واختبارا لأهلها ، فمنهم من يتدبر ويؤمن ، ومنهم من يكفر ، ثم إن يوم القيامة بين أيديهم ، فلا يعظمن عليك كفرهم ؛ فإنا سنجازيهم .

قصة أصحاب الكهف

تفيد كتب التفسير : أن ملكا جبارا يسمى : دقيانوس ؛ ظهر على بلدة من بلاد الروم تدعى : ( طرطوس ) ، بعد زمن عيسى عليه السلام .

وكان يدعو الناس إلى عبادة الأصنام ، ويقتل كل مؤمن لا يستجيب لدعوته الضالة ، حتى عظمت الفتنة على أهل الإيمان ، فلما رأى الفتية ذلك ؛ حزنوا حزنا شديدا وبلغ خبرهم الملك ، فبعث في طلبهم ، وهددهم بالقتل ؛ إن لم يعبدوا الأصنام ، ويذبحوا للطواغيت ، فوقفوا في وجهه وأظهروا إيمانهم وقالوا : { ربّنا ربّ السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها } . ( الكهف : 14 ) .

فأمهلهم الملك يوما ؛ ليراجعوا أنفسهم ، ويثوبوا إلى رشدهم ، فهربوا ليلا ، ومروا براع معه كلب فتبعهم ، فلما كان الصباح أووا إلى الكهف وتبعهم الملك وجنده ، فلما وصلوا إلى الكهف هاب الرجال وفزعوا من الدخول عليهم ، فقال الملك : سدوا عليهم باب الغار ؛ حتى يموتوا فيه جوعا وعطشا ، وألقى الله على أهل الكهف النوم فبقوا نائمين- وهم لا يدرون- ثلاثمائة وتسع سنين ، ثم أيقضهم الله ، وظنوا أنهم قاموا يوما أو بعض يوم ، فشعروا بالجوع فأرسلوا واحدا منهم يسمى : ( تمليخا ) ؛ ليشتري لهم الطعام ونصحوه بالتخفي والحذر ، واشترى تمليخا الطعام ، ولما دفع النقود للبائع أخذ يقلب فيها ويقول : من أين حصلت على هذه النقود ؟ ! واجتمع الناس وأخذوا ينظرون لتلك النقود ويتعجبون ، ثم قالوا : من أنت يا فتى لعلك وجدت كنزا ؟ فقال : لا والله ما وجدت كنزا إنها دراهم قومي ، قالوا : إنها من عهد بعيد ، ومن زمن الملك دقيانوس ، قال : وما فعل دقيانوس ؟ قالوا : مات من قرون عديدة ، قال : والله ما يصدقني أحد بما أقوله : لقد كنا فتية وأكرهنا الملك على عبادة الأوثان ؛ فهربنا منه عشية أمس فأوينا إلى الكهف ، فأرسلني أصحابي اليوم ؛ لأشتري لهم طعاما ، فانطلقوا معي إلى الكهف أريكم أصحابي ، فتعجبوا من كلامه ، ورفعوا أمره إلى الملك ، وكان مؤمنا صالحا ، خرج الملك في جنوده إلى الكهف ، وشاهد الفتية يصلون ، ولما انتهوا من صلاتهم ؛ عانقهم الملك ، وأخبرهم أنه رجل مؤمن ، وأن دقيانوس قد هلك من زمن بعيد ، وسمع كلامهم وقصتهم ، وعرف أن الله بعثهم ؛ ليكون أمرهم آية للناس11 .

ثم ألقى الله عليهم النوم وقبض أرواحهم ، فقال الناس : { لنتّخذنّ عليهم مسجدا } . ( الكهف : 21 ) .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا} (8)

وستعود الأرض صعيدا جرزا قد ذهبت لذاتها ، وانقطعت أنهارها ، واندرست أثارها ، وزال نعيمها ، هذه حقيقة الدنيا ، قد جلاها الله لنا كأنها رأي عين ، وحذرنا من الاغترار بها ، ورغبنا في دار يدوم نعيمها ، ويسعد مقيمها ، كل ذلك رحمة بنا ، فاغتر بزخرف الدنيا وزينتها ، من نظر إلى ظاهر الدنيا ، دون باطنها ، فصحبوا الدنيا صحبة البهائم ، وتمتعوا بها تمتع السوائم ، لا ينظرون في حق ربهم ، ولا يهتمون لمعرفته ، بل همهم تناول الشهوات ، من أي وجه حصلت ، وعلى أي حالة اتفقت ، فهؤلاء إذا حضر أحدهم الموت ، قلق لخراب ذاته ، وفوات لذاته ، لا لما قدمت يداه من التفريط والسيئات .

وأما من نظر إلى باطن الدنيا ، وعلم المقصود منها ومنه ، فإنه يتناول منها ، ما يستعين به على ما خلق له ، وانتهز الفرصة في عمره الشريف ، فجعل الدنيا منزل عبور ، لا محل حبور ، وشقة سفر ، لا منزل إقامة ، فبذل جهده في معرفة ربه ، وتنفيذ أوامره ، وإحسان العمل ، فهذا بأحسن المنازل عند الله ، وهو حقيق منه بكل كرامة ونعيم ، وسرور وتكريم ، فنظر إلى باطن الدنيا ، حين نظر المغتر إلى ظاهرها ، وعمل لآخرته ، حين عمل البطال لدنياه ، فشتان ما بين الفريقين ، وما أبعد الفرق بين الطائفتين "