تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِذۡ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَـٰٓأَبَتِ إِنِّي رَأَيۡتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوۡكَبٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ رَأَيۡتُهُمۡ لِي سَٰجِدِينَ} (4)

{ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ 4 قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ 5 وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 6 } .

المفردات :

يا أبت : أصله : يا أبي ، فعوض عن ياء المتكلم بتاء التأنيث ؛ لتناسبهما في الزيادة .

التفسير :

4 { إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } .

سبب النزول :

روى ابن جرير : عن ابن عباس قال : قالوا : يا رسول الله ؛ لو قصصت علينا ؛ فنزلت : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ . . }

تمهيد :

تأتي هذه القصة ؛ جوابا لسؤال قوم عنها ؛ فأجاب القرآن رسول الله بهذه القصة التي لا يعلمها هو ولا قومه ، وإنما هي وحي من عالم الغيب .

والمعنى : اذكر يا محمد لقومك : قصة يوسف حين قال لأبيه يعقوب : إني رأيت أحد عشر كوكبا ، والشمس والقمر تسجد لي سجود احترام وانحناء ، لا سجود عبادة . والأحد عشر كوكبا هم : إخوته الأحد عشر نفرا ، والشمس والقمر : أبوه وأمه ، وقد استمرت القصة من أولها إلى آخرها ، وكأنها تنزع إلى تحقيق هذه الرؤيا .

فقد تسربت الرؤيا إلى إخوته ، ثم ألقوه في الجب ، والتقطه ركب مسافرين ، وباعوه إلى عزيز مصر ، وتعرض لإغراء زليخا ثم دخوله السجن ، وكان يفسر الأحلام ، ويدعو إلى توحيد الله في السجن . فلما رأى الملك رؤيا فسرها يوسف ، وامتنع عن الخروج من السجن ؛ حتى يحقق الملك في قصته ، ثم شهد الجميع بنزاهته وعفته ، وقالت امرأة العزيز ما يبرأ ساحته ، وقالت النسوة : { حاش لله ما علمنا عليه من سوء } ؛ فخرج من السجن مكرما ، وجعله الملك وزيرا ، وجاء إخوته ؛ ليحصلوا على الطعام ، ثم أرسل قميصه إلى أبيه ؛ فارتد بصيرا ، وجاء الإخوة مع أبيهم وأمهم ، وخروا ساجدين ليوسف ، وقال يوسف : { هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا } . ( يوسف : 100 ) .

والرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة كما ورد في البخاري ، وكما أورد أيضا قوله صلى الله عليه وسلم : ( لم يبق من النبوة إلا المبشرات ) . قالوا : وما المبشرات يا رسول الله ؟ قال : ( الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له ) . 2 ( أخرجه البخاري ) .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{إِذۡ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَـٰٓأَبَتِ إِنِّي رَأَيۡتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوۡكَبٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ رَأَيۡتُهُمۡ لِي سَٰجِدِينَ} (4)

ثم حكى - سبحانه - قصة يوسف - عليه السلام - كمثال لأحسن القصص فقال - تعالى - { إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ ياأبت إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } .

و { إذ } ظرف متعلق بمحذوف تقديره اذكر .

ويوسف : اسم أعجمى ، مشتق - كما يقول الآلوسى - من الأسف ، وسمى به لأسف أبيه عليه . وأبوه : هو يعقب بن إسحاق بن إبراهيم . وفى الحديث الصحيح عن ابن عمر - رضى الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم " .

وقوله : { ياأبت } أصله يا أبى ، فحذفت الياء وعوض عنها تاء التأنيث ، ونقلت إليها كسرة الباء ، ثم فتحت الباء لمناسبة تاء التأنيث .

والمعنى : اذكر - أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب - وقت أن قال يوسف لأبيه ، يا أبت إنى رأيت في منامى { أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً } تسجد لى : ورأيت كذلك { والشمس والقمر } لى { سَاجِدِينَ } .

ولم يدرج الشمس والقمر في الكواكب مع أنهما منها ، لإِظهار مزيتهما ورفعا لشأنهما ، وجملة { رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } مستأنفة لبيان الحالة التي رآهم عليها .

وأجريت هذه الكواكب مجرى العقلاء في الضمير المختص بها ، لوصفها بوصفهم حيث إن السجود من صفات العقلاء ، والعرب تجمع ما لا يعقلجمع من يعقل إذا أنزلوه منزلته .

قال ابن كثير : " وقد تكلم المفسرون على تبعير هذا المنام : أن الأحد عشر كوكبا عبارة عن إخوته ، وكانوا أحد عشر رجلا ، والشمس والقمر عبارة عن أبيه وأمه .

روى هذا عن ابن عباس ، والضحاك ، وقتادة وسفيان الثورى ، وعبد الرحمن بن زيد ، وقد وقع تفسيرها بعد أربعين سنة ، وقيل بعد ثمانين سنة ، وذلك حين رفع أبويه على العرش ، وهو سريره . وإخوته بين يديه . . وخروا له سجدوا وقال : يا أبت هذا تأويل رؤياى من قبل ، قد جعلها ربى حقا . . . " .