تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ ٱلۡبَنَٰتِ سُبۡحَٰنَهُۥ وَلَهُم مَّا يَشۡتَهُونَ} (57)

{ ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون } .

تشير هذه الآية إلى ما كان شائعا في بعض القبائل العربية في الجاهلية ، من أنهم كانوا يزعمون : أن الملائكة بنات الله ، إذ قالت قبيلة خزاعة وقبيلة كنانة : إن الملائكة بنات الله ، ثم عبدوا الملائكة مع الله تعالى ، فأخطئوا بذلك خطأ كبيرا ، وضلوا ضلالا بعيدا ؛ إذ نسبوا إليه الأولاد ، وهو منزه عن الصاحبة والولد ، وأعطوه أخس الأولاد في زعمهم ، واختصوا أنفسهم بالذكور ، قال تعالى : { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمان إناثا } . ( الزخرف : 19 ) .

وقال سبحانه : { ألكم الذكر وله الأنثى*تلك إذا قسمة ضيزى } . ( النجم : 21 ، 22 ) .

وقال عز شأنه : { ألا إنهم من إفكهم ليقولون* ولد الله وإنهم لكاذبون* أصطفى البنات على البنين*مالكم كيف تحكمون } . ( الصافات : 151 154 ) .

وكانوا يّدعون : أن الله تعالى تزوج من الجن فولدت له الملائكة ، قال سبحانه : { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون } . ( الصافات : 158 ) .

والمراد من قوله سبحانه : { ولهم ما يشتهون } . إنهم يختارون لأنفسهم الذكور ، ويأنفون من البنات ، التي نسبوها إلى الله ، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا .

قال ابن عباس : المعنى : تجعلون لي البنات ، وترتضوهنّ لي ، ولا ترتضوهن لأنفسكم ،

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ ٱلۡبَنَٰتِ سُبۡحَٰنَهُۥ وَلَهُم مَّا يَشۡتَهُونَ} (57)

وقوله - سبحانه - : { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات سُبْحَانَهُ } ، بيان لرذيلة أخرى من رذائلهم الكثيرة ، وهو معطوف على ماقبله .

وسؤالهم يوم القيامة عما اجترحوه - مع أنه سؤال تقريع وتأنيب - إلا أنه يدل على عدل الله - تعالى - مع هؤلاء الظالمين ؛ لأنه لم يعاقبهم إلا بعد أن سألهم ، وبعد أن ثبت إجرامهم ، وفي ذلك ما فيه من تعليم العباد أن يكونوا منصفين فى أحكامهم .

وهذه الآية الكريمة تحكي ما كان شائعا فى بعض قبائل العرب ، من أنهم كانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله . قالوا : وكانت قبيلة خزاعة وقبيلة كنانة تقولان بذلك في الجاهلية .

أي : أن هؤلاء المشركين لم يكتفوا بجعل نصيب مما رزقناهم لآلهتهم ، بل أضافوا إلى ذلك رذيلة أخرى ، وهي أنهم زعموا أن الملائكة بنات الله - تعالى - ، وأشركوها معه فى العبادة .

قوله { سبحانه } مصدر نائب عن الفعل ، وهو منصوب على المفعولية المطلقة ، وهو في محل جملة معترضة ، وقعت جوابا عن مقالتهم السيئة ، التى حكاها الله - تعالى - عنهم ، وهي { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات } ، أي : تنزه وتقدس الله - عز وجل - عن أن يكون له بنات أو بنين ، فهو الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد .

والمراد بما يشتهونه في قوله - عز وجل - : { وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ } : الذكور من الأولاد . أي : أن هؤلاء المشركين يجعلون لأصنامهم نصيبا مما رزقناهم ، ويجعلون لله - تعالى - البنات ، أما هم فيجعلون لأنفسهم الذكور ، ويختارونهم ليكونوا خلفاء لهم .

وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى - : { وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرحمن مَا عَبَدْنَاهُمْ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ }