الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (21)

{ إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق } قد مضى تفسيره في سورة البقرة وقوله { ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار في ذلك اليوم فهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية وهؤلاء الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يتولونهم فهم داخلون في جملتهم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (21)

ولما أشرك اليهود في هذا الخطاب وأفهم شرط{[15735]} التولي بأداة الشك وقوعه ، فتشوفت{[15736]} النفس إلى معرفة جزائهم{[15737]} أشار إليه واصفاً لهم ببعض ما اشتد فحشه من أفعالهم فقال{[15738]} : - وقال الحرالي : و{[15739]}لما كانت هذه السورة منزلة لتبيين ما اشتبه{[15740]} على{[15741]} أهل الإنجيل{[15742]} جرى ذكر أهل التوراة فيها مجملاً{[15743]} بجوامع من ذكرهم ، لأن{[15744]} تفاصيل أمرهم قد استقرأته{[15745]} سورة البقرة ، فكان أمر أهل التوراة في سورة البقرة بياناً وأهل الإنجيل إجمالاً ، وكان أمر أهل الإنجيل في سورة آل عمران بياناً وذكر أهل التوراة إجمالاً ، لما كان لبس{[15746]} أهل التوراة في الكتاب فوقع تفصيل ذكرهم في سورة { الم ذلك الكتاب }[ البقرة : 1 ، 2 ] ، ولما كان اشتباه أمر أهل الإنجيل في شأن الإلهية كان بيان ما تشابه عليهم في سورة{ الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم }[ آل عمران : 1 ، 2 ] فجاء هذا الذكر لأهل التوراة معادلة بينهم وبين أهل الإنجيل بما كفروا بالآيات من المعنى الذي اشتركوا فيه في أمر الإلهية في عزير{[15747]} واختصوا{[15748]} بقتل الأنبياء وقتل أهل الخير الآمرين{[15749]} بالقسط ؛ انتهى .

فقال تعالى : { إن الذين يكفرون } وهم الذين خذلهم الله { بآيات الله } في إبراز الاسم الأعظم إشارة إلى عظيم كفرهم بكونه مما أضيف إليه{[15750]} سبحانه وتعالى . قال الحرالي : وفي ذكره بصيغة الدوام{[15751]} ما يقع منهم من الكفر بآيات{[15752]} الله في ختم اليوم المحمدي{[15753]} مع الدجال{[15754]} فإنهم أتباعه { ويقتلون النبيين } في إشعاره ما تمادوا عليه من البغي على الأنيباء حتى كان{[15755]} لهم مدخل{[15756]} في شهادة النبي صلى الله عليه وسلم{[15757]} التي رزقه الله فيما كان{[15758]} يدعو به حيث كان يقول صلى الله عليه وسلم : " اللهم ارزقني شهادة في يسر منك وعافية " .

ولما كان قتلهم إياهم بدون شبهة أصلاً بل لمحض{[15759]} والكفر والعناد{[15760]} ، لأن الأنبياء مبرؤون{[15761]} من أن يكون لأحد قبلهم حق دنيوي أو أخروي قال : { بغير حق } أي لا صغير ولا كبير في نفس الأمر ولا في اعتقادهم ، فهو أبلغ مما{[15762]} في البقرة على عادة أفعال الحكماء في الابتداء بالأخف{[15763]} فالأخف . ولما خص{[15764]} ذكر أكمل الخلق عبر بما يعم أتباعهم فقال{[15765]} معيداً للفعل{[15766]} زيادة في لومهم وتقريعهم : { ويقتلون الذين يأمرون بالقسط } أي العدل ، ولما كان ذلك شاملاً لمن لا قدرة لهم على قتله{[15767]} من الملائكة قال{[15768]} : { من الناس } أي كلهم ، سواء كانوا أنبياء{[15769]} أو لا ، ويجوز أن يكون المراد{[15770]} بهذا القيد زيادة توبيخهم بأنهم يقتلون جنسهم الذي{[15771]} من حقهم أن يألفوه{[15772]} ويسعوا في بقائه ، وهذا تحقيق لأن قتلهم لمجرد العدوان قال الحرالي : فيه إعلام بتمادي تسلطهم على أهل الخير من الملوك والرؤساء ، فكان في طيه إلاحة لما استعملوا فيه من علم التطبب{[15773]} ومخالطتهم{[15774]} رؤساء الناس بالطب الذي توسل{[15775]} كثير منهم إلى قتلهم به عمداً وخطأ ، ليجري ذلك على أيديهم خفية في هذه الأمة نظير ما جرى على أيدي أسلافهم في قتل الأنبياء جهرة - انتهى .

ويجوز أن يكون الخبر عنهم محذوفاً و{[15776]}التقدير : أنهم مطبوع على قلوبهم ، أو : لا يؤمنون ، أو : لا يزالون يجادلونك وينازعونك{[15777]} و{[15778]}يبغون لك الغوائل{[15779]} { فبشرهم بعذاب أليم * }{[15780]} أي اجعل{[15781]} إخبارهم بأنه{[15782]} لهم موضع البشارة ، فهو من وادي : تحيتهم{[15783]} بينهم ضرب وجيع .


[15735]:ي ظ: بشرط.
[15736]:ن ظ و مد، وفي الأصل: فتشرفت.
[15737]:ي ظ: خرابهم.
[15738]:قطت الواو من ظ ومد.
[15739]:سقطت الواو من ظ ومد.
[15740]:ن ظ ومد، وفي الأصل: أشبه.
[15741]:ن ومد، وفي الأصل: الإنجيل أهل.
[15742]:ن ومد، وفي الأصل: الإنجيل أهل.
[15743]:ن مد، وفي الأصل: محلا، وفي ظ: محملا.
[15744]:ي ظ: وإن.
[15745]:ن ظ ومد، وفي الأصل: دون.
[15746]:ن ظ ومد، وفي الأصل: ليس.
[15747]:في ظ: عزيز.
[15748]:ن مد، وفي الأصل: واختلفوا، وفي ظ: واختصموا.
[15749]:ن ظ ومد، وفي الأصل: الأمر منه.
[15750]:ن ظ ومد، وفي الأصل: الله.
[15751]:ن ظ ومد، و موضعه في الأصل بياض.
[15752]:في ظ: لآيات.
[15753]:من ظ ومد، وفي الأصل: الحد.
[15754]:من ظ ومد، وفي الأصل: الرجال.
[15755]:ن مد، وفي الأصل: هم كل، وفي ظ : لهم مدخلا.
[15756]:ن مد، وفي الأصل: هم كل، وفي ظ : لهم مدخلا.
[15757]:لعبارة من هنا إلى "عليه وسلم" سقطت من ظ.
[15758]:ن مد، وفي الأصل وظ: كانوا.
[15759]:ي ظ: بمحض.
[15760]:ن ظ ومد، وفي الأصل: الفساد.
[15761]:ن ظ، وفي الأصل و مد: براون.
[15762]:ن ظ ومد، وفي الأصل: ما.
[15763]:من ظ ومد، وفي الأصل: والأخف.
[15764]:سقط من ظ.
[15765]:ي ظ: مقيدا للعامل، وفي مد: فيدا للعامل.
[15766]:ي ظ: مقيدا للعامل، وفي مد: فيدا للعامل.
[15767]:ن ظ ومد، وفي الأصل: قسمه ـ كذا.
[15768]:من ظ ومد، وفي الأصل: فقال.
[15769]:ي ظ: الأنبياء.
[15770]:في ظ ومد: أراد.
[15771]:ن ظ ومد، وفي الأصل: الذين.
[15772]:قع في جميع الأصول: بالقوه ـ كذا محرفا عما أثبتناه.
[15773]:ي ظ: الطب.
[15774]:ن ظ ومد، وفي الأصل: تخالصتهم.
[15775]:ي ظ: ترسل.
[15776]:ن ظ ومد، وفي الأصل: أو.
[15777]:ي ظ: ينازعون.
[15778]:ن ظ و مد، وفي الأصل: سعون لك العوايل.
[15779]:ن ظ و مد، وفي الأصل: سعون لك العوايل.
[15780]:لعبارة من هنا إلى "ضرب و جيع" سقطت من مد.
[15781]:ي ظ: أجنادهم بان.
[15782]:ي ظ: أجنادهم بان.
[15783]:ن ظ، وفي الأصل: تحية.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (21)

قوله تعالى : ( إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيئين بغير حق و يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين ) ذلك حكم الله في الطغاة من الكافرين سواء كانوا من اليهود أو النصارى أو المجوس أو الوثنيين ، أولئك العتاة الجاحدون الذين يكفرون بعقيدة الحق القائمة على التوحيد الخالص ، والذين يجترئون في صلف وعتو وفظاعة على قتل أنبياء الله بغير حق . وكذلك ( الذين يأمرون بالقسط من الناس ) أي الذين يأمرون بالعدل وهم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ، أولئك هم دعاة الحق والهداية . الدعاة إلى طريق الله المستقيم في كل عصر ونصر . ومنهم الدعاة إلى دين الله القيوم في هذا الزمان . . . دعاة الإسلام .

إن الذين يجترئون على قتل النبيين ودعاة الإسلام العاملين المخلصين . أولئك هم الأشقياء من شر البشر الذين تجترئ طبائعهم الممسوخة وقلوبهم الجاحدة المريضة على مقارفة العدوان والنكر في أبشع صورة . تلك فظاعة العدوان والنكر في أبشع صورة . تلك هي فظاعة العدوان الصارخ على جلال الله وسلطانه الأعظم بقتل أنبيائه الأطهار وأتباعهم من دعاة الحق . . دعاة الإسلام .

على أن الإسلام في حقيقة أبعاده وشموله يعني الاستسلام لسلطان الله ، والامتثال لأوامره والوقوف عند حدوده ، وأساس ذلك كله عقيدة التوحيد الخالص لله دون سواه من المخاليق . وذلك إنما ينسحب على عامة الأديان السماوية الحقيقية الناصعة من غير أن يعتريها تحريف أو خلط أو تشويه .

وفي ذلك العدوان النكير على النبيين ودعاة الحق روي عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله أي الناس أشد عذابا يوم القيامة ؟ قال : " رجل قتل نبيا أو من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر " ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيئين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم ) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة ، فقام مائة وسبعون رجلا من بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوهم جميعا من آخر النهار من ذلك اليوم فهم الذين ذكر الله عز وجل " {[431]} .

فإن قيل : ذلك في الذين خلوا من بني إسرائيل إذ كان ديدنهم التقتيل فما جريرة أحفادهم في الأزمان التالية فيما بعد ؟ !

والجواب أنهم رضوا عما ورثوه عن آبائهم من تقتيل للنبيين وأتباعهم من الدعاة إلى الله ، فضلا عن براعة يهود في صور التدسس من خلف المجتمعات وهم يتآمرون على البشرية بتدبير المؤامرات والمخططات وأساليب الكيد والإفساد لتدمير القيم والأديان ، وإشاعة الفوضى والرعب ، وكذلك إثارة الفتن والحروب وغير ذلك من وجوه الإبادة والتخريب .

هؤلاء الذين قتلوا أنبياء الله وكادوا للمؤمنين كيدا قد توعدهم الله بالعذاب الموجع البئيس سواء في الدنيا حيث الذلة والصغار ، أو في الآخرة حيث التحريق والاضطرام في السعير الحامية المتأججة ، وذلك في قوله تعالى : ( فبشرهم بعذاب أليم ) والبشرى إذا أطلقت استعملت في الخير ، وإنما تكون للشر إذا قيدت به كهذه الآية والمراد هنا إنذار هؤلاء القوم بالعذاب الأليم{[432]} .


[431]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 355.
[432]:- تفسير الرازي جـ 7 ص 232، 233 وتفسير الطبري جـ 3 ص 145 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 355 ومختار الصحاح ص 53.