ولما أنجز الكلام إلى أمر عيسى عليه الصلاة والسلام على هذا المنهاج البديع بما ذكر في نصائح اليهود وقبائح أفعالهم ، وأنهم قصدوا{[23704]} قتله{[23705]} عليه الصلاة والسلام ، فخاب قصدهم ، و{[23706]}اصلد زندُهم{[23707]} ، وقال رأيهم{[23708]} ، ورد عليهم بغيهم ، وحصل له بذلك أعلى المناصب وأولى المراتب ؛ قال محققاً لما أثبته في الآية قبلها من القطع بكذبهم ، مثبتاً أنهم في مبالغتهم في عداوته سيكونون من أتباعه المصدقين بجميع أمره{[23709]} الذي منه التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ومؤكداً له أشد تأكيد لما عندهم من الإنكار له{[23710]} : { وإن } أي والحال أنه ما { من أهل الكتاب } أي أحد يدرك نزوله في آخر الزمان { إلا } وعزتي { ليؤمنن به } أي بعيسى عليه الصلاة والسلام { قبل موته } أي موت عيسى عليه الصلاة والسلام ، أي إنه لا يموت حتى ينزل في آخر الزمان ، يؤيد الله دين الإسلام ، حتى يدخل فيه جميع أهل الملل ، إشارة إلى أن موسى عليه الصلاة والسلام إن كان قد أيده الله تعالى بأنبياء كانوا يجددون{[23711]} دينه زماناً طويلاً ، فالنبي الذي نسخ شريعة{[23712]} موسى - وهو عيسى عليهما الصلاة والسلام - هو الذي يؤيد الله به هذا النبي{[23713]} العربي في تجديد شريعته وتمهيد أمره والذب{[23714]} عن دينه ، ويكون من أمته بعد أن كان صاحب شريعة مستقلة وأتباع مستكثرة ، أمر قضاء الله في الأزل فأمضاه ، فأطيلوا أيها اليهود أو{[23715]} أقصروا ! فمعنى الآية إذن - والله أعلم - أنه ما من أحد من أهل الكتاب المختلفين في عيسى عليه الصلاة والسلام على شك إلا وهو يوقن بعيسى عليه الصلاة والسلام قبل موته بعد نزوله من السماء أنه ما قتل وما صلب ، ويؤمن به عند زوال{[23716]} الشبهة - {[23717]}والله أعلم{[23718]} ؛ روى الشيخان وأحمد وأبو بكر بن مردويه وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " والذي نفسي بيده ! ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً وإماماً عادلاً ، فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ، حتى تكون السجدة الواحدة خيراً{[23719]} من الدنيا وما فيها " ؛ وفي رواية : وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين ؛ وفي رواية : حتى يهلك الله الملل كلها غير الإسلام ، فيهلك{[23720]} الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ، يقول أبو هريرة : اقرؤوا إن شئتم { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } الآية : موت عيسى عليه الصلاة والسلام - ثم{[23721]} يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات{[23722]} - ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد ، وليدعون{[23723]} إلى المال فلا يقبله أحد ؛ وفي رواية : ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ؛ ولمسلم{[23724]} عنه رضي الله عنه : كيف بكم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم ؛ وفي رواية : فأمكم منكم ، قال الوليد بن مسلم - أحد رواة الحديث : قال ابن أبي ذئب : تدري ما أمكم{[23725]} منكم ؟ قلت تخبرني ! قال : فأمكم بكتاب{[23726]} ربكم تبارك وتعالى وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ؛ ولمسلم{[23727]} أيضاً عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لا تزال{[23728]} طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة ، فينزل عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام فيقول أميرهم : تعال صل لنا ! فيقول : لا{[23729]} ! إن بعضكم على بعض أمراء {[23730]}تكرمة{[23731]} الله هذه الأمة ؛ وروى عن ابن عباس ومحمد بن علي المشهور بابن الحنفية رضي الله عنهم أن المعنى : ألا ليؤمنن بعيسى عليه الصلاة والسلام قبل موت ذلك الكتابي عند الغرغرة حين لا ينفعه الإيمان ، ليكون ذلك زيادة في حسرته{[23732]} ، قال الأصبهاني : وتدل{[23733]} على صحة هذا التأويل قراءة أبيّ : ليؤمنن قبل موتهم - بضم النون .
ولما أخبر تعالى عن حالهم معه في هذه الدار أتبعه فعله بهم في تلك فقال : { ويوم القيامة } أي الذي يقطع ذكره القلوب ، ويحمل التفكر فيه على كل خير ويقطع عن كل شر { يكون } وأذن بشقائهم بقوله : { عليهم شهيداً } أي بما عملوا ؛
قوله : ( وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ) إن أداة نفي بمعنى ما . وأهل الكتاب اليهود والنصارى . فكل واحد منهم سيؤمن به قبل موته .
وقد جاء في بيان المقصود من ذلك عدة أقوال نذكرها فيما يلي :
القول الأول : كل واحد من اليهود والنصارى سوف يؤمن بالمسيح بعد نزوله إلى الأرض ، ثم يدركه الموت بعد ذلك كغيره من العباد . وبذلك فإن الضمير في موته يعود على المسيح وكذلك الضمير في ( به ) أي أن كل كتابي حال حياة المسيح بعد أن ينزل من السماء إلى الأرض سوف يؤمن به إيمانا صحيحا بعيدا عن الشرك وهو أنه نبي الله وعبده ورسوله .
القول الثاني : كل واحد من أهل الكتاب سوف يؤمن بالمسيح قبل أن يموت ( الكتابي ) فالضمير في موته يعود على الكتابي ، فكل يهودي ونصراني عند معاينته الموت سيؤمن بالمسيح إيمانا صحيحا . أما الضمير في ( به ) فإنه يعود على المسيح .
القول الثالث : وهو عود الضمير في ( به ) على النبي محمد ( ص ) . وبذلك فكل كتابي من اليهود والنصارى إذا عاين الموت فإنه سينكشف له الحق فيعلم أن هذا النبي حق ، لكن هذا التصديق لا ينفعه ؛ لأنه حاصل بعد فوات الأوان الذي تستقيم فيه التوبة وتقبل . وينبغي القول كذلك أن الكتابي لا ينفعه إيمانه إن كان ذلك عند معاينة الموت سواء تعلق إيمانه بالمسيح أو محمد عليهما الصلاة والسلام . فإن التوبة عن الكفر تكون صحيحة إذا كانت قبل معاينة الموت . وفي ذلك يقول سبحانه في آية أخرى سابقة : ( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما ) .
ولدى النظر في هذه الأقوال يتبين أن القول الأول هو الصحيح . وذلك بالنظر للسياق الذي جاءت عليه الآيات في مطلعها وفي آخرها والمتعلقة بخبر المسيح عليه السلام ، فمطلع الآيات يتناول الحديث عن فرية القتل والصلب ، وأن ذلك ما كان إلا تشبيها أوقع المختلفين في الشك والاضطراب ، وأن المسيح قد تم رفعه إلى السماء فانتفى ما نسبه إليه المرتابون والخراصون . وذلك كله متعلق بالمسيح نفسه . وأما آخرها فإنه يحقق أن المقصود هو المسيح . يستبين ذلك من قوله تعالى : ( ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ) فالذي يشهد على أعمالهم وأقوالهم من التصديق له أو التكذيب هو المسيح ، وذلك الذي يدل عليه السياق ، وهو الذي يدور حوله الحديث خلال هذه الآيات .
وفي تعزيز هذا القول وفي عودة المسيح إلى الأرض يقول النبي ( ص ) فيما أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه : " والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد وحتى تكون السجدة خيرا له من الدنيا وما فيها " ثم يقول أبو هريرة : اقرأوا إن شئتم : " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ) وقد ورد مثل ذلك جملة أحاديث متضافرة تؤكد المقصود من الآية .
وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله ( ص ) : " لتقاتلن اليهود فلتقتلنهم حتى يقول الحجر : يا مسلم هذا يهودي فتعال فاقتله " لكن أمثال هذا الحديث من حيث التحقيق تظل تحتمل مدلولين . أحدهما أن يكون ذلك في الدنيا وهو أن تتحقق للمسلمين أسباب القوة والمنعة ، فتكون لهم الغلبة على اليهود بعد أن تضيق البشرية بهم ذرعا وتعاني من كيدهم البلاء والشقاء .
أما الثاني : فهو أن يكون ذلك أحد أشراط القيامة ؛ إذ لا ينطق الحجر إلا بحصول معجزة ولا يتيسر ذلك إلا أن تقوم الساعة حيث الأهوال والخوارق وحيث الانقلاب الكوني الهائل الذي يأتي على الحياة والخلائق جميعا{[854]} .