ولما ذكر تعالى تفاصيل سفههم ، وأشار إلى معانيها ، جمعها{[31395]} - وصرح بما أثمرته من الخيبة - في سبع خلال كل واحدة منها سبب تام في حصول الندم{[31396]} فقال{[31397]} : { قد خسر } وأظهر في موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال : { الذين قتلوا } قرأها ابن عامر وابن كثير بالتشديد لإرادة{[31398]} التكثير والباقون بالتخفيف { أولادهم سفهاً } أي خفة إلى الفعل المذموم وطيشاً{[31399]} ، تؤزهم الشياطين الذين يتكلمون على ألسنة الأصنام أو سدنتها إلى ذلك أزاً .
ولما كان السفه منافياً لرزانة{[31400]} العلم الذي لا يكون الفعل الناشئ عنه إلا عن تأن وتدبر وتفكر وتبصر ، قال مصرحاً بما أفهمه : { بغير علم } أي وأما من قتل{[31401]} ولده بعلم - كما إذا كان كافراً أو قاتلاً أو محصناً زانياً - فليس حكمه كذلك ؛ ولما ذكر عظيم ما أقدموا عليه ، ذكر جليل ما أحجموا عنه فقال : { وحرموا ما رزقهم الله } أي الذي لا ملك سواه رحمة لهم ، من تلك الأنعام والغلات ، بغير شرع ولا نفع بوجه { افتراء } أي تعمداً للكذب{[31402]} { على الله } أي الذي له جميع العظمة .
ولما كانوا قد خسروا ثلاث خسرات مع ادعائهم غاية البصر بالتجارات : النفس بقتل الأولاد ، والمال بتحريم ما رزقهم الله ، فأفادهم ذلك خسارة الدين ، كانت نتيجته قوله : { قد ضلوا } أي جاوزوا{[31403]} وحادوا عن الحق وجاروا ؛ ولما كان الضال{[31404]} {[31405]} قد تكون ضلالته{[31406]} فلتة عارضة له{[31407]} ، وتكون الهداية وصفاً أصيلاً فيه ، نبه على أن الضلال وصفهم الثابت بقوله : { وما كانوا } أي في شيء من هذا من{[31408]} خلق من الأخلاق { مهتدين * } أي لم يكن في كونهم وصف الهداية ، بل زادوا بذلك ضلالاً ؛ قال البخاري في المناقب من صحيحه : حدثنا أبو النعمان حدثنا{[31409]} أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إذا سرك أن تعلم جهل{[31410]} العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام { قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً } - إلى قوله : { وما كانوا مهتدين } . وله في وفد بني حنيفة من المغازي عن مهدي بن ميمون قال : سمعت أبا رجاء العطاردي يقول : كنا نعبد الحجر فإذا{[31411]} وجدنا حجراً{[31412]} أحسن منه ألقيناه فأخذنا الآخر ، وإذا لم نجد حجراً جمعنا جثوة{[31413]} من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به ، فإذا دخل شهر رجب قلنا : منصل الأسنة ، فلا ندع رمحاً فيه حديدة ولا سهماً فيه حديدة إلا نزعناه فألقيناه شهر رجب . {[31414]}
قوله تعالى : { قد خسر الذين قتلوا أولدهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين } نزلت هذه الآية في فريق من المشركين العرب ممن كان يقتل الأولاد خشية الإملاق ، ويئد البنات لأجل الحمية ومخافة العار . لا جرم أن ذلك صنيع فاضح ومشين يصم هؤلاء السفهاء الفجار بالخسران والعار .
وقد ذكر القرطبي رواية في هذا الصدد تؤز القلب والمشاعر أزا ، وتقض الوجدان والأعصاب قضا . وتستنفر في النفوس بالغ الأسى والاتياع والأشمئزاز رواية في ظلم المشركين الجاهلين تطير لها القلوب والعقول ، وتقشعر لفظاعتها ونكرها النواصي والأبدان ، إذ قال : روي أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يزال مغتما بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مالك تكون محزونا ؟ " فقال : يا رسول الله ، إني أذنبت ذنبا في الجاهلية فأخاف ألا يغفر الله لي وإن أسلمت ! فقال له : " أخبرني عن ذنبك " فقال : يا رسول الله ، إني كنت من الذين يقتلون بناتهم ، فولدت لي بنت فتشفعت إلي امرأتي أن أتركها فتركتها حتى كبرت وأدركت ، وصارت من أجمل الناس فخطبوها ، فدخلتني الحمية ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زواج . فقلت للمرأة : إني أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي ، فسرت بذلك وزينتها بالثياب والحلي ، وأخذت علي المواثيق بألا أخونها . فذهبت بها إلى رأس بئر فنظرت في البئر ففطنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر . فالتزمتني وجعلت تبكي وتقول : يا أبت ! أيش{[1289]} تريد أن تفعل بي ! فرحمتها . ثم نظرت في البئر فدخلت علي الحمية ثم التزمتني وجعلت تقول : يا أبت لا تضيع أمانة أمي . فجعلت مرة أنظر في البئر ومرة أنظر إليها فأرحمها حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة ، وهي تنادي في البئر يا أبت ، قتلتني . فمكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت . فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال : " لو أمرت أن أعاقب أحدا بما فعل في الجاهلية لعاقبتك{[1290]} " .
قوله : { سفها بغير علم } سفها منصوب على المصدرية لفعل محذوف . وقيل : على الحال . وقيل : على أنه مفعول لأجله . والمعنى أنهم فعلوه من وأد وغيره لجهالتهم وخفة أحلامهم .
قوله : { وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله } المقصود بما رزقهم الله مما حرموه على أنفسهم هي البحائر والسوائب والوصائل والحوامي . فقد حرموا ذلك على أنفسهم اجتراء على الله بالباطل والكذب .
قوله : { قد ضلوا وما كانوا مهتدين } أي ضاعوا عن صراط الله المستقيم . وهم في الأصل ليسوا من أهل الهداية بل من أهل الضلال{[1291]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.