ولما صدق الحق ، و{[31594]} انكسر جند الباطل واندق ببطلان جميع شبههم ، ونطقت الدلائل وأفحم المجادل ، فبان أنه لا شاهد لهم بحق لأنه لا حق لهم ، كان كأنه قيل : قل لهم : ها أنا قد شهد لي بما قلته مَن لا ترد شهادته وزكاتي الذي لا يقبل إلا تزكيته بهذا{[31595]} الكتاب الذي كان عجزكم عن الإتيان بشيء من مثله شاهداً بأنه قوله ، فهل لكم أنتم من شاهد يقبل ! ولما لم يكن لهم شاهد غير متخرصيهم{[31596]} ، فإن المبطل يظهر باطله عند المحاققة سنة من الله مستمرة ، فيظهر للمشهود لهم بما يلوح من بهتهم أنهم ليسوا على شيء{[31597]} ، أمره سبحانه أن يأمرهم بدعائهم ليظهر خزيهم و{[31598]} تشتهر فضيحتهم{[31599]} فقال : { قل هلم } أي احضروا ، وهي كلمة دعوة يستوي فيها المذكر والمؤنث والواحد والجمع عند{[31600]} الحجازيين { شهداءكم } .
ولما كان كأنه قيل : أيّ شهداء ؟ قال : { الذين يشهدون } أي يوقعون الشهادة على { أن الله } أي الذي لا حكم لغيره { حرم هذا } أي الذي ذكرتموه من قبل ، وإضافة الشهداء إليهم ووصفهم ب " الذين " دليل على{[31601]} أنهم معروفون{[31602]} موسومون بنصرة مذهبهم بالباطل ، ولو قال : شهداء - من غير إضافة لأفهم أن المطلوب من يشهد بالحق وليس كذلك ، لأنه أقيم الدليل العقلي على أنه لا حجة لهم وأن الحجة لله على خلاف ما ادعوه ، فبطل قطعاً أن يكون أحد يشهد على ذلك بحق .
ولما كان كأنه قيل : فإنهم إذا أحضروا{[31603]} لا يقدرون - إن كان لهم عقل أو فيهم حياء{[31604]} - على النطق إذا سمعوا هذا الحق ، بني عليه قوله : { فإن } اجترؤوا بوقاحة { شهدوا } أي كذباً وزوراً بذلك الذي أبطلناه بالأدلة القطعية { فلا تشهد معهم } أي فاتركهم ولا تسلم لهم{[31605]} ، فإنهم على ضلال وليست شهادتهم مستندة إلا{[31606]} إلى الهوى { ولا تتبع أهواء } وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف دلالة على أن القائد إلى التكذيب وكل ردى إنما هو الهوى{[31607]} ، وأن من خالف ظاهر الآيات إنما هو صاحب هوى ، فقال : { الذين كذبوا } أي أوقعوا التكذيب { بآياتنا } أي على ما لها من الظهور بما لها من العظمة بإضافتها إلينا .
ولما وصفهم بالتكذيب ، أتبعه الوصف بعدم الإيمان ، ودل بالنسق بالواو على العراقة في كل من الوصفين فقال : { والذين لا يؤمنون بالآخرة } أي التي هي{[31608]} دار الجزاء ، فإنهم لو جوزوها{[31609]} ما اجترؤوا على الفجور { وهم بربهم } أي الذين لا نعمة عليهم ولا خير عندهم إلا وهو منه وحده { يعدلون } أي يجعلون غيره عديلاً له ، وسيعلمون حين يقولون لشركائهم وهم في جهنم يختصمون
{ تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين{[31610]} }[ الشعراء : 97 ، 98 ] .
قوله : { قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا } هلم اسم فعل أمر بمعنى هات . وهو يستوي فيه المذكر والمؤنث ، والمفرد والمثنى والجمع والمعنى : هاتوا شهداء ليشهدوا أن الله حرم عليكم ما تزعون أنه حرم عليكم من الحروث والأنعام . فإن جاءوا بشهداء يشهدون على مقالتهم الكاذبة وافترائهم الفاضح فلا تصدقهم ، لأنهم كاذبون يشهدون الزور ويتقولون على الله الباطل ، ولذلك قال سبحانه : { فإن شهدوا فلا تشهد معهم } .
قوله : { ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بئايتنا } ذلك تحذير من الله لعباده المؤمنين من اتباع الفاسقين الطغاة الذين كذبوا بالوحي وبما أنزل الله للناس من كتاب . تحذير للمؤمنين قائم بقاء هذا الزمان ، من الركون للظالمين الغواة الذين لا يتبعون في هذه الحياة غير الهوى والشهوات ، ولا يسيرون في غير طريق الضلال والظلم . فليحذر المسلمون باستمرار من الاغترار بهم ، والانخداع بسلوكهم وأساليبهم ومناهجهم المضلة الكافرة .
قوله : { والذين لا يؤمنون بالأخرة } معطوف على { الذين كذبوا بئايتنا } أي لا تتبع أهواء الذين كذبوا بآيتنا وأهواء الذين لا يؤمنون بالآخرة فهم مكذبون جاحدون . وهم بعد ذلك غير مؤتمنين على عقيدة أو ملة أو خلق . وما ينبغي لمؤمن بعد جحودهم وكفرانهم أن يثق بسلوكهم ومناهجهم ، لأنهم إنما يتبعون الهوى ويسول لهم الشيطان أعمالهم .
قوله : { وهم بربهم يعدلون } من العدل ، وهو الذي يعادل غيره في الوزن والقدر . وكذا العديل . ومنه التعادل أي التساوي {[1311]} والمعنى أن هؤلاء المكذبين الجاحدين يجعلون لله عدلا مساويا . أو يتخذون معه شريكا في العبادة من الأوثان ونحوها . والجملة معطوفة على قوله : { لا يؤمنون } وقيل : في محل نصب على الحال{[1312]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.