ولما ذكر مكرهم{[34902]} بالرسول ، ذكر مكرهم بما أرسل به ، فقال عاطفاً على " إذ أنتم " : { وإذا تتلى } أي من أي تال فرض { عليهم آياتنا } أي التي هي الفرقان جلالة{[34903]} وعظماً لم يدعوها تؤثر في تلك الحالة ، بل { قالوا } إظهاراً لعنادهم لها وتشيعاً بما لم يعطوا وادعاء لما{[34904]} لم ينالوا { قد سمعنا } ولما لم يتأثر عن سماعهم الإذعان ، تشوف السامع إلى علة إعراضهم فقال معللاً أو مستأنفاً : { لو نشاء } أي في أيّ{[34905]} وقت أردنا { لقلنا مثل هذا } أي لأنه ليس قول الله كما يزعم محمد { إن } أي ما { هذا } الذي يتلى عليكم{[34906]} { إلا أساطير } جمع سطور وأسطار جمع سطر { الأولين* } أي من بني آدم ، سطروا فيها علومهم وأخبارهم فهو من جنس كلامنا وقائله من جنسنا ، وهذا غاية المكابرة لأنه قد تحداهم بقطعة من مثله إن كان له - كما يزعمون - مثل ، وبالغ في تقريعهم فما منعهم - من إبراز شيء مما يدعون وليس بينهم وبينه بزعمهم إلا أن يشاؤوا ، مع انتقالهم إلى أشد{[34907]} الأمور : السيف الماحق على تهالكهم على قهره صلى الله عليه وسلم وعلى ما لهم من فرط الأنفة من العار والبعد مما يقضي عليهم بالغلب أو أن يوصفوا بالكذب{[34908]} - إلا علمهم بأن ذلك فاضحهم ، ومخزيهم مدى الدهر وقائحهم ، والمعنى أني أثبت هذا النبي الكريم على صبره على ذلك ومثابرته{[34909]} على أداء الأمانة بالاجتهاد في النصيحة على ما يلقى إن نجيته منهم ومنعته من جميع ما كادوه به ، وكنت لا أزال أؤيده باتباع من أعلم فيه الخير إلى أن هيأت له داراً وخبأت له أنصاراً ، وجعلت داره بالأصحاب منيعة ، وبنيت لها أعمدة بصوارم الأحباب ثابتة رفيعة ، نقلته{[34910]} إلى ذلك مع اجتهاد أهل العناد وهم جميع أهل الأرض في المنع ، فلم يؤثر كيدهم ، ولا أفادهم مع أيدي أيدهم ، وجعلت نفس نقلته له فرقاناً يفرق بها بين الحق والباطل ، وصار إلى ما ترون من قبول الأمر وجلالة القدر ونفاذ الفصل{[34911]} بين الأمور وظهر دينه أيّ ظهور ، فلازموا التقوى ملازمته وداوموا على الطاعة مدوامته أهب لكم من سيادته وأحملكم بملابس إمامته{[34912]} .
قوله تعالى : { وإذ تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين 31 وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم 32 وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } نزلت في النضر بن الحارث ، كان قد ذهب إلى بلاد فارس وتعلم من أخبار ملوكهم رستم واسفنديار . ولما قدم وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه الله وهو يتلو على الناس القرآن ، فكان عليه الصلاة والسلام إذا قام من مجلس ، جلس فيه النظر فحدثهم من أخبار أولئك . ثم يقول : بالله أينا أحسن قصصا أنا أو محمد ؟ ! {[1655]} .
والأساطير ، جمع أسطر وسطور وأسطار . والأساطير جمع الجمع ؛ لأن مفرد الأسطر والسطور : سطر . وقيل : مفرد الأساطير ، الأسطورة . والمعنى الأحاديث لا نظام لها ، جمع إسطار وإسطير بكسرهما وأسطور{[1656]} وكذلك قال الكافرون الضالون . فقد { قالوا قد سمعنا } أي سمعنا ما تتلوه علينا يا محمد . قولون ذلك ، مستكبرين معاندين غير عابئين . وقالوا أيضا : { لو نشاء لقلنا مثل هذا } وذلك عند ظالم وتبجح لئيم وإفراط في التخريص والادعاء المغالي ؛ فهم موقنون من أنفسهم أنهم عاجزون عن محاكاة القرآن . وقالوا كذلك : { إن هذا إلا أساطير الأولين } أي أن هذا القرآن ما هو ما سطره الأولون وكتبوه من أخبار الأمم فهو بذلك من البشر وليس من طريق الوحي . ذلك هو زعم الأفاكين الخراصين من الناس . لا جرم أن ذلك عناد وباطل تجتره حناجر المكابرين الخراصين من أعداء الله ودينه . أولئك الذين أبوا إلا الاستكبار والجحود من غير تبصر ولا روية ولا منطق سليم إلا الرغبة الرعناء في امتطاء الحماقة والشطط لمحاكاة الكتاب الكريم المعجز . مع أنهم كابروا معاندين وهم يلهثون لمضاهاة القرآن واصطناع بعض عبارات من مثله فأنكصهم العجز والقصور وأجاءهم الفشل إلى هاوية الخزي والانتكاس لا يلوون على غير الهزيمة التامة والخور الفاضح .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.