{ واذكروا } يعني المهاجرين { إذ أنتم قليل } يعني حين كانوا بمكة في عنفوان الإسلام قبل أن يكملوا أربعين { مستضعفون في الأرض } يعني أرض مكة { تخافون أن يتخطفكم الناس } المشركون من العرب لو خرجتم منها { فآواكم } جعل لكم مأوى ترجعون إليه وضمكم إلى الأنصار { وأيدكم بنصره } يوم بدر بالملائكة { ورزقكم من الطيبات } يعني الغنانم أحلها لكم { لعلكم تشكرون } كي تطيعوا
ولما كان من أشد العقاب الإذلال ، حذرهموه{[34836]} بالتذكير بما كانوا فيه من الذل ، لأنه أبعث على الشكر وأزجر عن الكفر فقال : { واذكروا } وذكر المفعول به فقال : { إذ أنتم } أي في{[34837]} أوائل الإسلام { قليل } أي عددكم .
ولما كان وجود مطلق الاستضعاف{[34838]} دالاً على غاية الضعف{[34839]} بنى للمفعول قوله{[34840]} : { مستضعفون } أي لا منفذ عندكم { في الأرض } أطلقها والمراد مكة ، لأنها لعظمها كأنها هي الأرض كلها ، ولأن حالهم كان في بقية البلاد كحالهم فيها أو قريباً من ذلك ، ولذلك عبر بالناس في قوله : { تخافون } أي في{[34841]} حال اجتماعكم فكيف عند الانفراد { أن يتخطفكم } أي على سبيل التدريج { الناس } أي كما تتخطف{[34842]} الجوارح الصيود ، فحذرهم سبحانه - بالتنبيه على أنه قادر على أن يعيدهم إلى ما كانوا عليه - من هذه الأحوال بالمخالفة بين كلمتهم وترك التسبب إلى اجتماعها بالأمر بالمعروف و{[34843]}النهي عن المنكر ، وفي ذلك أيضاً إشارة إلى أنهم لما كانوا في تلك الحالة التي هي في غاية الضعف ، وكانت كلمتهم مجتمعة على أمر الله الذي هو توحيده وطاعة رسوله ، أعقبهم الإيواء في دار منيعة ، قد أيدهم بالنصر وأحسن رزقهم ، وذلك معنى قوله تعالى مسبباً عما قبله : { فآواكم } أي في دار الهجرة رحمة لكم { وأيدكم بنصره } أي بأهلها مع الملائكة { ورزقكم من الطيبات } أي الغنائم الكاملة الطيبة بالإحلال وعدم المنازع التي لم تحل لأحد قبلكم وغيرها { لعلكم تشكرون* } أي ليكون{[34844]} حالكم حال من يرجى شكره ، فيكون بعيداً عن المنازعه في الأنفال ، وذلك إشارة إلى أنهم مهما استمروا على تلك الحالة ، كان - بإقبالهم على مثل ما أتاهم به وزادهم من فضله - أن جعلهم سادة في الدارين بما يهب لهم من الفرقان الآتي في الآية بعدها والتوفيق عند إتيانه{[34845]} ، فالآية منصبة إلى الصحابة بالقصد الأول وهي صالحة للعرب كافة فتنصرف{[34846]} إليهم بالقصد الثاني ؛ قال قتادة : كان هذا الحي من العرب أذل الناس وأشقاهم عيشاً وأجوعهم بطناً وأعراهم جلداً وأبينهم ضلالاً ، من عاش شقياً ومن مات منهم تردى في النار معكوفين على رأس الحجرين الشديدين : فارس والروم ، يؤكلون ولا يأكلون ، وما في بلادهم شيء عليه{[34847]} يحسدون حتى جاء الله بالإسلام ، فمكن لهم من البلاد ووسع لهم في الرزق والغنائم وجعلهم ملوكاً على رقارب{[34848]} الناس ، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم فاشكروا الله على نعمه ، فإن ربكم يحب شكره والشاكر{[34849]} في مزيد من الله تعالى{[34850]} .
قوله تعالى : { واذكروا إذ أنتم مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطبيات لعلكم تشكرون } ذلك خطاب للمؤمنين المهاجرين . فالله يذكرهم ؛ إذ كانوا قلة مستضعفين في مكة ف ابتداء الإسلام ، وكانوا مقهورين أذلة ، والدنيا من حولهم تموج بالظلم والكفر { تخافون أن يتخطفكم الناس } التخطف ، معناه الانتزاع والأخذ بسرعة . وذلك تصوير كاشف أبلج لحال المسلمين في مكة ، إذ كانوا في غاية القلة والذلة والخوف ، والمشركون من حولهم يتربصون بهم تربصا ، ويوشك أن يميلوا عليهم ميلة واحدة فيبددوهم أو يستأصلوهم . لكن الله سلم فصان المسلمين ورعاهم ، ورد عنهم سطوة الكافرين الظالمين وكيدهم . وهو قوله : { فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات } فقد جعل الله لكم مأوى آمنا حريزا تثوبون إليه وتسكنون فيه هي المدينة { وأيدكم بنصره } أي قواكم بالنصر الذي كتبه لكم في بدر . وأحل كم الغمائم المستفادة من الكافرين الظالمين الذين لا يستحقون المال . بل يجب تجريدهم من المال إلا ما يسد خلتهم ( حاجتهم ) . وما فوق حاجتهم من أموال طائلة كاثرة إنما يستعملونه في الإفساد والكيد والخيانة والدسائس وإشاعة الشرور والرذائل والفوضى في الأرض .
إن هؤلاء الضالين الذين يعيثون في الدنيا الخراب والفساد والفتن أحرى أن لا يملكوا المال فيتمكنوا به من الإيذاء والتخريب وافتعال المكائد والمؤامرات بين الشعوب والأمم . إن من دواعي المنطق أن تصان هذه الأموال بأيدي المؤمنين السائرين على منهج الله الحق ، ومنهج الإسلام ؛ فهم المؤتمنون على البشرية في صونها ورعايتها وتكريمها وإشاعة الرحمة والحق فيها . لا جرم أن الإسلام والمسلمين أحرص من في الدنيا طرا على الرحمة بالخليقة ، وعلى دفع الأذى والشر عنها لتعيش آمنة سالمة مطمئنة .
فلا ينبغي في ضوء هذا التصور السليم أن تضل الأموال بأيدي الأشرار من البشر ، أولئك الضالعون في الظلم والرجس والتخريب . بل ينبغي أن تنتزع منهم هذه الأموال انتزاعا لتصان في أيدي المؤمنين الحقيقين المؤتمنين على البشرية في أموالها وكراماتها وأوطانها وأديانها .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.