قوله تعالى : " وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما " عدد نعمه على بني إسرائيل ، وجعلهم أسباطا ليكون أمر كل سبط معروفا من جهة رئيسهم ، فيخف الأمر على موسى . وفي التنزيل : " وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا " وقد تقدم{[7426]} [ المائدة : 12 ] وقد تقدم . وقوله : " اثنتي عشرة " والسبط مذكر لأن بعده " أمما " فذهب التأنيث إلى الأمم . ولو قال : اثني عشر لتذكير السبط جاز . عن الفراء . وقيل : أراد بالأسباط القبائل والفرق ، فلذلك أنث العدد . قال الشاعر :
وإن قريشا كلها عشر أبطن *** وأنت بريء من قبائلها العشر
فذهب بالبطن إلى القبيلة والفصيلة ؛ فلذلك أنثها . والبطن مذكر ، كما أن الأسباط جمع مذكر . الزجاج : المعنى قطعناهم اثنتي عشرة فرقة . " أسباطا " بدل من اثنتي عشرة " أمما " نعت للأسباط . وروى المفضل عن عاصم " وقطعناهم " مخففا . " أسباطا " الأسباط في ولد إسحاق بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل عليهما السلام . والأسباط مأخوذ من السبط وهو شجر تعلفه الإبل . وقد مضى في ( البقرة{[7427]} ) مستوفى .
قوله : { وقطعنا اثنتي عشرة أسباطا أمما } قطعناهم بمعنى فرقناهم وميزنا بينهم . اثنتي عشرة ، مفعول ثان لقطعنا . وقد أنث اثنتي عشرة على تقدير أمة : وتقديره : اثنتا عشرة أمة . وأسباطا بدل من اثنتي عشرة . وأمما نعت لأسباطا أو بدل منه{[1542]} ، والأسباط جمع سبط بكسر السين وهو ولد الولد . والمراد بالأسباط القبائل{[1543]} . والمعنى : أن اله صير بني إسرائيل اثنتي عشرة أمة من اثني عشر ولدا ؛ لرجع كل سبط إلى رئيسه فيخفف أمرهم على موسى ؛ ولئلا يتحاسدوا ويختلفوا فيقع بينهم الاقتتال .
قوله : { وأوحينا إلى موسى إذ استقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا } لما أصاب بني إسرائيل العطاش في التيه سألوا موسى أن يستسقي لهم ربه ، فأوحي الله إليه أن يضرب الحجر فضربه { فانبجست منه اثنتا عشرة عينا } انبجست ، انفجرت ، وذلك من الانبجاس وهو الانفجار ، أو النبوع في عين الماء{[1544]} .
فإنه عقب ضرب الحجر بالعصا انفجرت منه اثنتا عشرة عينا . وذلك بعدد الأسباط وهم الاثنا عشر ؛ ليكون سبط عين مختصة بهم بشربهم منها ، وكل سبط منهم هم بنو أب واحد . ولذلك قال : { قد علم كل أناس مشربهم } .
قوله : { وظللنا عليهم الغمم وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم } لما كان بنو إسرائيل في التيه وغشيهم من سموم الصحراء ولظى الشمس الحرور ما غشيهم ؛ أظلهم الله بالغمام تضليلا . والغمام معناه السحاب{[1545]} ؛ فقد استظلوا بالسحاب الرخي الرطيب ، يسكن بسكونهم ، ويسر بسيرهم وكذلك أنزل عليهم المن ؛ وهو كل طل{[1546]} ينزل من السماء على شجر أو حجر ويحلو وينعقد عسلا ويجف جفاف الصمغ{[1547]} .
كذلك انزل عليهم ( السلوى ) وهو طائر ، واحدته سلوة . وقيل : هو السماني{[1548]} . وقد سبق بيان ذلك في تفسير سورة البقرة . وذلك كله من فضل الله على بني إسرائيل ؛ إذ تفضل عليهم بعطايا وخيرات ما سبقهم بها أمة من الأمم . فكانوا بذلك قد تميزوا بجزيل النعم من الله كنعمة الغمام والمن والسلوى وانبجاس الماء من الصخر . وغير ذلك من المنن الأخريات الكثيرة التي فضل الله بها بني إسرائيل على العالمين . إما في زمانهم دون غيره من الأزمنة ، أو في الزمان كله . وذلك لتكون له الحجة عليهم إذا لم يؤمنوا ويهتدوا ، فيعصوا وعتوا وأضلوا وأفسدوا في الأرض ؛ فإنه إذا من الله على أناسي من عباده بجزيل من فضله ونعمه ، فما شكروا ولا أذعنوا لله بالطاعة والامتثال بل طغوا وبغوا وتجبروا في الأرض وأفسدوا في البلاد وبين العباد ، لا جرم أن ينالهم عذاب الله في الدنيا بالخزي والإذلال وغير ذلك من أنواع البلاء ، وفي الآخرة لهم سواء الدار وبئس القرار .
قوله : { كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بعد أن رزق الله بن إسرائيل بالمن والسلوى وهما من خير الطعام المستلذ المفيد ، مضافا إليه الماء البارد الفارت في جوف الصحراء الحارقة الحرور ، وقد أظلهم السحاب الرخي العليل –بعد ذلك قال الله لهم : كلوا من هذه الأطايب المستلذة ؛ لكنهم لم يقدروا الله حق قدره ؛ إذ لم يشكروه على هذه النعم ؛ بل خالفوا عن أمره سبحانه وجحدوا نعمه الجليلة : فهم بعصيانهم وكفرانهم لم يظلموا الله شيئا ، فإن الله لا ينال منه ظلم الظالمين ، ولكن الظالمين إنما يظلمون أنفسهم بإيقاعها في الهلكة والتخسير{[1549]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.