{ أفمن أسس بنيانه } أي بناءه الذي بناه { على تقوى من الله } مخافة الله ورجاء ثوابه وطلب مرضاته { خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار } على حرف مهواة { فانهار به } أوقع بنيانه { في نار جهنم } وهذا مثل والمعنى إن بناء هذا المسجد كبناء على حرف جهنم يتهور بأهله فيها لأنه معصية وفعل لما كرهه الله من الضرار
الأولى - قوله تعالى : " أفمن أسس " أي أصل ، وهو استفهام معناه التقرير . و " من " بمعنى الذي ، وهي في موضع رفع بالابتداء ، وخبره " خير " . وقرأ نافع وابن عامر وجماعة " أسس بنيانه " على بناء أسس للمفعول ورفع بنيان فيهما . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وجماعة{[8300]} " أسس بنيانه " على بناء الفعل للفاعل ونصب بنيانه فيهما . وهي اختيار أبي عبيد لكثرة من قرأ به ، وأن الفاعل سمي فيه . وقرأ نصر بن عاصم بن علي " أفمن أسس " بالرفع " بنيانه " بالخفض . وعنه أيضا " أساس بنيانه " وعنه أيضا " أس بنيانه " بالخفض . والمراد أصول البناء كما تقدم . وحكى أبو حاتم قراءة سادسة وهي " أفمن أساس بنيانه " قال النحاس : وهذا جمع أس ، كما يقال : خف وأخفاف ، والكثير " إساس " مثل خفاف . قال الشاعر :
أصبح الملك ثابت الأساس*** في البهاليل من بني العباس{[8301]}
الثانية - قوله تعالى : " على تقوى من الله " قراءة عيسى بن عمر - فيما حكى سيبويه - بالتنوين ، والألف ألف إلحاق كألف تترى فيما نون ، وقال الشاعر{[8302]} :
يَسْتَنُّ فِي عَلْقًى وفِي مُكُورِ{[8303]}
وأنكر سيبويه التنوين ، وقال : لا أدري ما وجهه . " على شفا " الشفا : الحرف والحد ، وقد مضى في ( آل عمران{[8304]} ) مستوفى . و " جرف " قرئ برفع الراء ، وأبو بكر وحمزة بإسكانها ، مثل الشغل والشغل ، والرسل والرسل ، يعني جرفا ليس له أصل . والجرف : ما يتجرف بالسيول من الأودية ، وهو جوانبه التي تنحفر بالماء ، وأصله من الجرف والاجتراف ، وهو اقتلاع الشيء من أصله . " هار " ساقط ، يقال . تهور البناء إذا سقط ، وأصله هائر ، فهو من المقلوب يقلب وتؤخر ياؤها ، فيقال : هار وهائر ، قاله الزجاج . ومثله لاث الشيء به إذا دار ، فهو لاث أي لائث . وكما قالوا : شاكي السلاح وشائك السلاح{[8305]} . قال العجاج :
الأشاء النخل ، والعبري السدر الذي على شاطئ الأنهار . ومعنى لاث به مطيف به . وزعم أبو حاتم أن الأصل فيه هاور ، ثم يقال هائر مثل صائم ، ثم يقلب فيقال هار . وزعم الكسائي أنه من ذوات الواو ومن ذوات الياء ، وأنه يقال : تهور وتهير . قلت : ولهذا يمال ويفتح .
الثالثة - قوله تعالى : " فانهار به في نار جهنم " فاعل انهار الجرف ، كأنه قال : فانهار الجرف بالبنيان في النار ؛ لأن الجرف مذكر . ويجوز أن يكون الضمير في به يعود على " من " وهو الباني ، والتقدير : فانهار من أسس بنيانه على غير تقوى . وهذه الآية ضرب مثل لهم ، أي من أسس بنيانه على الإسلام خير أم من أسس بنيانه على الشرك والنفاق . وبين أن بناء الكافر كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها . والشفا : الشفير . وأشفى على كذا أي دنا منه .
الرابعة - في هذه الآية دليل على أن كل شيء ابتدئ بنية تقوى الله تعالى والقصد لوجهه الكريم فهو الذي يبقى ويسعد به صاحبه ويصعد إلى الله ويرفع إليه ، ويخبر عنه بقوله : " ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام{[8306]} " [ الرحمن : 27 ] على أحد الوجهين . ويخبر عنه أيضا بقوله : " والباقيات الصالحات{[8307]} " [ الكهف : 46 ] على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .
الخامسة - واختلف العلماء في قوله تعالى : " فانهار به في نار جهنم " هل ذلك حقيقة أو مجاز على قولين : [ الأول ] أن ذلك حقيقة وأن النبي صلى الله عليه وسلم إذ أَرسل إليه فهُدم رئي الدخان يخرج منه ، من رواية سعيد بن جبير . وقال بعضهم : كان الرجل يدخل فيه سعفة من سعف النخل فيخرجها سوداء محترقة . وذكر أهل التفسير أنه كان يحفر ذلك الموضع الذي انهار فيخرج منه دخان . وروى عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن ابن مسعود أنه قال : جهنم في الأرض ، ثم تلا " فانهار به في نار جهنم " . وقال جابر بن عبدالله : أنا رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . [ والثاني ] أن ذلك مجاز ، والمعنى : صار البناء في نار جهنم ، فكأنه انهار إليه وهوى فيه ، وهذا كقوله تعالى : " فأمه هاوية{[8308]} " [ القارعة : 9 ] . والظاهر الأول ، إذ لا إحالة في ذلك . والله أعلم .
قوله تعالى : { أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين 109 لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم } .
الهمز للاستفهام الإنكاري . والفاء للعطف . وأسس ؛ أي وضع الأساس ، وهو أصل البناء وقاعدته التي يقوم عليها . أو هو أصل كل شيء{[1902]} . والبنيان ، مصدر كالغفران ، فالله عز وعلا يبين في هذه الآية التفريق بين المسجدين وانتفاء المساواة بينهما . وعلى هذا لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى من الله { ورضوان } أي طاعته سبحانه ، ومن بنى مسجدا ضرارا يريد به أن يفرق بين المسلمين فيثير فيهم الفتنة والفرقة والفوضى . إن هذين لا يستويان ، فأولهما سبيله الهداية والحق ، وكلاهما يفضي إلى الجنة . وأما الآخر : فسبيله الضلال والباطل ، وكلاهما يفضي إلى جهنم والعياذ بالله ، فأي الفريقين خير ؟ هل هو المؤمن التقي الطائع لربه ، أم هذا المنافق المتربص الخبيث ؟ هذا الذي أسس بنيانه وهو مسجد الضرار { على شفا جرف هار } . أما قوله : { خير } فلا يفيد الشركة بين لاالمسجدين ولا بين مؤسس هذا وذاك في خير إلا على معتقد باني مسجد الضرار . فيحسب ذلك المعتقد صح التفضيل{[1903]} .
قوله : { على شفا جرف هار } الشفا ، الطرف . والجرف بضمتين ، معناه البئر ، أو الهوة وما يجرفه السيل من الأدوية لجرف الماء له{[1904]} . وهار ، أي متصدع مشرف على السقوط . وأصله هاير وهارر{[1905]} .
فالحق او التقوى والإخلاص قد أسس على قاعدة قوية محكمة بالغة الثبات والتماسك . وفي مقابلة ذلك ، الباطل والنفاق فقد أسس على أوهى القواعد وأضعفها وأقلها ثابتا وتماسكا لأن الباطل مثله مثل الجرف الواهن المتداعي الآيل للسقوط والانهيار . وهو على أية حال صائر لا محالة إلى الانهيار بصاحبه المنافق في نار جهنم . وهذا هو مصير أهل الباطل والنفاق الذين يسعون في الأرض فسادا ، والذين يتربصون بالإسلام والمسلمين الدوائر ، يبتغون لهم الشرور والمصائب ويمكرون بهم مع الماكرين . لا جرم أن مردهم إلى سوء العذاب ؛ إذ ينهار بهم بنيانهم المضطرب ليلج بهم في جهنم بنارها المستعرة وعذابها المفظع البئيس .
{ والله لا يهدي القوم الظالمين } وهم المشركون الذين يفخرون بالحرم ، ويستكبرون فيه لأنهم أهله وعماره ؛ فهم بشركهم وضلالهم لا ينفعهم قيامهم على سقاية الحاج ولا عمارتهم للمسجد الحرام ، إنهم تجديهم أفعال الخير ماداموا سادين في غيهم وإشراكهم بالله .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.