مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ مَكَانَكُمۡ أَنتُمۡ وَشُرَكَآؤُكُمۡۚ فَزَيَّلۡنَا بَيۡنَهُمۡۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمۡ إِيَّانَا تَعۡبُدُونَ} (28)

قوله تعالى { ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم تعبدون فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين }

وفيه مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أن هذا نوع آخر من شرح فضائح أولئك الكفار ، فالضمير في قوله { ويوم نحشرهم } عائد إلى المذكور السابق ، وذلك هو قوله : { والذين كسبوا السيئات } فلما وصف الله هؤلاء الذين يحشرهم بالشرك والكفر ، دل على أن المراد من قوله : { والذين كسبوا السيئات } الكفار ، وحاصل الكلام : أنه تعالى يحشر العابد والمعبود ، ثم إن المعبود يتبرأ من العابد ، ويتبين له أنه ما فعل ذلك بعلمه وإرادته ، والمقصود منه أن القوم كانوا يقولون : { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } فبين الله تعالى أنهم لا يشفعون لهؤلاء الكفار ، بل يتبرؤن منهم ، وذلك يدل على نهاية الخزي والنكال في حق هؤلاء الكفار ، ونظيره آيات منها قوله تعالى : { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } ومنها قوله تعالى : { ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن }

واعلم أن هذا الكلام يشير على سبيل الرمز إلى دقيقة عقلية ، وهي أن ما سوى الواحد الأحد الحق ممكن لذاته ، والممكن لذاته محتاج بحسب ماهيته ، والشيء الواحد يمتنع أن يكون قابلا وفاعلا معا ، فما سوى الواحد الأحد الحق لا تأثير له في الإيجاد والتكوين ، فالممكن المحدث لا يليق به أن يكون معبودا لغيره ، بل المعبود الحق ليس إلا الموجد الحق ، وذلك ليس إلا الموجود الحق الذي هو واجب الوجود لذاته ، فبراءة المعبود من العابدين ، يحتمل أن يكون المراد منه ما ذكرناه . والله أعلم بمراده .

المسألة الثانية : ( الحشر ) الجمع من كل جانب إلى موقف واحد و { جميعا } نصب على الحال أي نحشر الكل حال اجتماعهم . و { مكانكم } منصوب بإضمار الزموا . والتقدير : الزموا مكانكم و { أنتم } تأكيد للضمير { وشركاؤكم } عطف عليه . واعلم أن قوله : { مكانكم } كلمة مختصة بالتهديد والوعيد والمراد أنه تعالى يقول للعابدين والمعبودين مكانكم أي الزموا مكانكم حتى تسألوا ، ونظيره قوله تعالى : { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسئولون }

أما قوله : { فزيلنا بينهم } ففيه بحثان :

البحث الأول : أن هذه الكلمة جاءت على لفظ المضي بعد قوله : { ثم نقول } وهو منتظر ، والسبب فيه أن الذي حكم الله فيه ، بأن سيكون صار كالكائن الراهن الآن ، ونظيره قوله تعالى : { ونادى أصحاب الجنة }

البحث الثاني : ( زيلنا ) فرقنا وميزنا . قال الفراء : قوله : { فزيلنا } ليس من أزلت ، إنما هو من زلت إذا فرقت . تقول العرب : زلت الضأن من المعز فلم تزل . أي ميزتها فلم تتميز ، ثم قال الواحدي : فالزيل والتزييل والمزايلة ، والتمييز والتفريق . قال الواحدي : وقرئ { فزايلنا بينهم } وهو مثل { فزيلنا } وحكى الواحدي عن ابن قتيبة أنه قال في هذه الآية : هو من زال يزول وأزلته أنا ، ثم حكى عن الأزهري أنه قال : هذا غلط ، لأنه لم يميز بين زال يزول ، وبين زال يزيل ، وبينهما بون بعيد ، والقول ما قاله الفراء ، ثم قال المفسرون : { فزيلنا } أي فرقنا بين المشركين وبين شركائهم من الآلهة والأصنام ، وانقطع ما كان بينهم من التواصل في الدنيا .

وأما قوله : { وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون } ففيه مباحث :

البحث الأول : إنما أضاف الشركاء إليهم لوجوه : الأول : أنهم جعلوا نصيبا من أموالهم لتلك الأصنام ، فصيروها شركاء لأنفسهم في تلك الأموال ، فلهذا قال تعالى : { وقال شركاؤهم } الثاني أنه يكفي في الإضافة أدنى تعلق ، فلما كان الكفار هم الذين أثبتوا هذه الشركة ، لا جرم حسنت إضافة الشركاء إليهم . الثالث : أنه تعالى لما خاطب العابدين والمعبودين بقوله : { مكانكم } صاروا شركاء في هذا الخطاب .

البحث الثاني : اختلفوا في المراد بهؤلاء الشركاء . فقال بعضهم : هم الملائكة ، واستشهدوا بقوله تعالى : { يوم نحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون } ومنهم من قال : بل هي الأصنام ، والدليل عليه : أن هذا الخطاب مشتمل على التهديد والوعيد ، وذلك لا يليق بالملائكة المقربين ، ثم اختلفوا في أن هذه الأصنام كيف ذكرت هذا الكلام . فقال بعضهم : إن الله تعالى يخلق الحياة والعقل والنطق فيها ، فلا جرم قدرت على ذكر هذا الكلام . وقال آخرون إنه تعالى يخلق فيها الكلام من غير أن يخلق فيها الحياة حتى يسمع منها ذلك الكلام ، وهو ضعيف ، لأن ظاهر قوله : { وقال شركاؤهم } يقتضي أن يكون فاعل ذلك القول هم الشركاء .

فإن قيل : إذا أحياهم الله تعالى فهل يبقيهم أو يفنيهم ؟

قلنا : الكل محتمل ولا اعتراض على الله في شيء من أفعاله ، وأحوال القيامة غير معلومة ، إلا القليل الذي أخبر الله تعالى عنه في القرآن .

والقول الثالث : إن المراد بهؤلاء الشركاء ، كل من عبد من دون الله تعالى ، من صنم وشمس وقمر وأنسي وجني وملك .

البحث الثالث : هذا الخطاب لا شك أنه تهديد في حق العابدين ، فهل يكون تهديدا في حق المعبودين ؟ أما المعتزلة : فإنهم قطعوا بأن ذلك لا يجوز . قالوا : لأنه لا ذنب للمعبود ، ومن لا ذنب له ، فإنه يقبح من الله تعالى أن يوجه التخويف والتهديد والوعيد إليه . وأما أصحابنا ، فإنهم قالوا إنه تعالى لا يسئل عما يفعل .

البحث الرابع : أن الشركاء قالوا : { ما كنتم إيانا تعبدون } وهم كانوا قد عبدوهم ، فكان هذا كذبا ، وقد ذكرنا في سورة الأنعام اختلاف الناس في أن أهل القيامة هل يكذبون أم لا ، وقد تقدمت هذه المسألة على الاستقصاء ، والذي نذكره ههنا ، أن منهم من قال : إن المراد من قولهم { ما كنتم إيانا تعبدون } هو أنكم ما عبدتمونا بأمرنا وإرادتنا ؟ قالوا : والدليل على أن المراد ما ذكرناه وجهان :

الأول : أنهم استشهدوا بالله في ذلك حيث قالوا : { فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم } والثاني : أنهم قالوا : { إن كنا عن عبادتكم لغافلين } فأثبتوا لهم عبادة ، إلا أنهم زعموا أنهم كانوا غافلين عن تلك العبادة ، وقد صدقوا في ذلك ، لأن من أعظم أسباب الغفلة كونها جمادات لا حس لها بشيء ولا شعور البتة . ومن الناس من أجرى الآية على ظاهرها . وقالوا : إن الشركاء أخبروا أن الكفار ما عبدوها ، ثم ذكروا فيه وجوها : الأول : أن ذلك الموقف موقف الدهشة والحيرة ، فذلك الكذب يكون جاريا مجرى كذب الصبيان ، ومجرى كذب المجانين والمدهوشين . والثاني : أنهم ما أقاموا لأعمال الكفار وزنا وجعلوها لبطلانها كالعدم ، ولهذا المعنى قالوا : إنهم ما عبدونا . والثالث : أنهم تخيلوا في الأصنام التي عبدوها صفات كثيرة ، فهم في الحقيقة إنما عبدوا ذوات موصوفة بتلك الصفات ، ولما كانت ذواتها خالية عن تلك الصفات ، فهم ما عبدوها وإنما عبدوا أمورا تخيلوها ولا وجود لها في الأعيان ، وتلك الصفات التي تخيلوها في أصنامهم أنها تضر وتنفع وتشفع عند الله بغير إذنه .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ مَكَانَكُمۡ أَنتُمۡ وَشُرَكَآؤُكُمۡۚ فَزَيَّلۡنَا بَيۡنَهُمۡۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمۡ إِيَّانَا تَعۡبُدُونَ} (28)

{ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } كلام مستأنف مسوق لبيان بعض آخر من أحوالهم الفظيعة ، وتأخيره في الذكر مع تقدمه في الوجود على بعض أحوالهم المحكية سابقاً كما قال بعض المحققين للإيذان باستقلال كل من السابق واللاحق بالاعتبار ولو روعي الترتيب الخارجي لعد الكل شيئاً واحداً ولذلك فصل عما قبله ، وزعم الطبرسي أنه تعالى لما قدم ذكر الجزاء بين بهذا وقت ذلك ، وعليه فالآية متصلة بما ذكر آنفاً لكن لا يخفى أن ذلك لم يخرج مخرج البيان ، وأولى منه أن يقال : وجه اتصاله بما قبله أن فيه تأكيداً لقوله سبحانه : { مَّا لَهُمْ مّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ } [ يونس : 27 ] من حيث دلالته على عدم نفع الشركاء لهم . و { يَوْمٍ } منصوب بفعل مقدر كذكرهم وخوفهم ، وضمير { نَحْشُرُهُمْ } لكلا الفريقين من الذين أحسنوا الحسنى والذين كسبوا السيآت لأنه المتبادر من قوله تعالى : { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } أي للمشركين من بينهم ولأن توبيخهم وتهديدهم على رؤوس الاشهاد أفظع ، والأخبار بحشر الكل في تهويل اليوم ادخل ، وإلى هذا ذهب القاضي البيضاوي وغيره ، وكون مراده بالفريقين فريقي الكفار والمشركين خلاف الظاهر جداً .

وقيل : الضمير للفريق الثاني خاصة فيكون الذين أشركوا من وضع الموصول موضع الضمير . والنكتة في تخصيص وصف إشراكهم في حيز الصلة من بين سائر ما اكتسبوه من السيئات ابتناء التوبيخ والتقريع عليه مع ما فيه من الإيذان بكونه معظم جناياتهم وعمدة سيئاتهم ، وهو السر في الاظهار في مقام الإضمار على القول الأخير { مَكَانَكُمْ } ظرف متعلق بفعل حذف فسد هو مسده وهو مضاف إلى الكاف ، والميم علامة الجمع أي الزموا مكانكم . والمراد انتظروا حتى تنظروا ما يفعل بكم . وعن أبي علي الفارسي أن مكان اسم فعل وحركته حركة بناء . وهل هو اسم فعل لالزم أو لاثبت ظاهر كلام بعضهم الأول والمنقول عن شرح التسهيل الثاني لأنه على الأول يلزم أن يكون متعدياً كالزم مع أنه لازم ، وأجيب بمنع اللزوم ، وقال السفاقسي : في كلام الجوهري ما يدل على أن الزم يكون لازماً ومتعدياً فلعل ما هو اسم له اللازم : وذكر الكوفيون أنه يكون متعدياً وسمعوا من العرب مكانك زيداً أي انتظره . واختار الدماميني في «شرح التسهيل » عدم كونه اسم فعل فقال : لا أدري ما الداعي إلى جعل هذا الظرف اسم فعل إما لازماً وإما متعدياً وهلا جعلوه ظرفاً على بابه ولم يخرجوه عن أصله أي أثبت مكانك أو انتظر مكانك . وإنما يحسن دعوى اسم الفعل حيث لا يمكن الجمع بين ذلك الاسم وذلك الفعل نحوصه وعليك وإليك ، وأما إذا أمكن فلا كوراءك وأمامك وفيه منع ظاهر .

وقوله تعالى : { أَنتُمْ } توكيد للضمير المنتقل إلى الظرف من عامله على القول الأول وللضمير المستتر في اسم الفعل على القول الثاني ، وقوله سبحانه : { وَشُرَكَاؤُكُمْ } عطف على ذلك ، وقيل : إن { أَنتُمْ } مبتدأ خبره محذوف أي مهانون أو مجزيون وهو خلاف الظاهر مع ما فيه من تفكيك النظم ، قيل : ولأنه يأباه قراءة وشركاءكم بالنصب إذ يصير حينئذ مثل كل رجل وضيعته ومثله لا يصح فيه ذلك لعدم ما يكون عاملاً فيه ، والعامل على التوجيه الأول ظاهر لمكان { مَكَانَكُمْ } { فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ } أي ففرقنا ، وهو من زلت الشيء عن مكانه أزيله أي أزلته ، والتضعيف للتكثير لا للتعدية ، وهو يائى ووزنه فعل بدليل زايل ، وقد قرىء به وهو بمعناه نحو كلمته وكالمته وصعر خده وصاعر خده .

وقال أبو البقاء : إنه واوى لأنه من زال يزول ، وإنما قلبت الواو ياءاً لأنه فيعل ، والأول أصح لما علمت ولأن مصدره التزييل لا الزيولة مع أن فعل أكثر من فيعل ، ونصب بين على الظرفية لا على أنه مفعول به كما توهم ، والمراد بالتفريق قطع الاقران والوصل التي كانت بينهم وبين الشركاء في الدنيا . وقيل : التفريق الجسماني وظاهر النظم الجليل لا يساعده ، والعطف على { نَّقُولُ } وإيثار صيغة الماضي للدلالة على التحقق لزيادة التوبيخ والتحسير ، والفاء الدلالة على وقوع التزييل ومبادية عقيب الخطاب من غير مهملة إيذاناً بكمال رخاوة ما بين الفريقين من العلاقة والوصلة ، وقوله سبحانه : { وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ } عطف على ما قبله ، وجوز أن يكون في موضع الحال بتقدير قد أو بدونها على الخلاف ، والإضافة باعتبار أن الكفار هم الذين اتخذوهم شركاء لله سبحانه وتعالى :

وقيل : لأنهم جعلوا لهم نصيباً من أموالهم فصيروهم شركاء لأنفسهم في ذلك ، والمراد بهؤلاء الشركاء قيل : الأصنام فإن أهل مكة إنما كانوا يعبدونها وهم المعنيون بأكثر هذه الآيات ، ونسبة القول لها غير بعيد من قدرته سبحانه فينطقها الله الذي أنطق كل شيء في ذلك الموقف فتقول لهم { مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } والمراد من ذلك تبريهم من عبادتهم وأنهم إنما عبدوا في الحقيقة أهواءهم الداعية لهم وما أعظم هذا مكان الشفاعة التي كانوا يتوقعونها منهم . وقيل : المراد بهم الملائكة والمسيح عليهم السلام لقوله تعالى : { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ * نَّقُولُ *للملائكة أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ } [ سبأ : 40 ] وقوله سبحانه : { قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن } [ المائدة : 116 ] الآية ، والمراد من ذلك القول ما أريد منه أولاً أيضاً لأن نفي العبادة لا يصح لثبوتها في الواقع والكذب لا يقع في القيامة ممن كان ، وقيل : إن قول الشركاء مجرى على حقيقته بناء على أن ذلك الموقف موقف الدهشة والحيرة فذلك الكذب يكون جارياً مجرى كذب الصبيان والمجانين المدهوشين ، ويمكن أن يقال أيضاً : أنهم ما أقاموا لأعمال الكفار وزناً وجعلوها لبطلانها كالعدم فلذا نفوا عبادتهم إياهم أو يقال : إن المشركين لما تخيلوا فيما عبدون أوصافاً كثيرة غير موجودة فيه في نفس الأمر كانوا في الحقيقة إنما عبدوا ذوات موصوفة بتلك الصفات ولما كانت ذوات الشركاء خالية عن تلك الصفات صدق أن يقال : إن المشركين ما عبدوا الشركاء وهذا أولى من الأولين بل لا يكاد يلتفت إليهما وكأن حاصل المعنى عليه انكم عبدتم من زعمتم أنه يقدر على الشفاعة لكم وتخليصكم من العذاب وانه موصوف بكيت وكيت فاطلبوه فأنا لسنا كذلك .

والمراد من ذلك قطع عرى أطماعهم وإيقاعهم في اليأس الكلي من حصول ما كانوا يرجونه ويعتقدونه فيهم ولعل اليأس كان حاصلاً لهم من حين الموت والابتلاء بالعذاب ولكن يحصل بما ذكر مرتبة فوق تلك المرتبة . وقيل : المراد بهم الشياطين وقطع الوصل عليه من الجانبين لا من جانب العبدة فقط كما يقتضيه ما قبل ، والمراد من قولهم ذلك على طرز ما تقدم . وأورد على القول بأن المراد الملائكة والمسيح عليهم السلام بأنه لا يناسب قوله سبحانه : { مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ } حيث أن المراد منه الوعيد والتهديد ، وظاهر العطف انصراف ذلك إلى الشركاء أيضاً ، وتهديد أولئك الكرام عليهم الصلاة والسلام مما لا يكاد يقدم على القول به .

واعترض بأن هذا مشترك الإلزام فإنه يرد على القول الأول أيضاً إذ لا معنى للوعيد والتهديد في حق الأصنام مع عدم صدور شيء منها يوجب ذلك ، ولا مخلص إلا بالتزام أن التهديد والوعيد للمخاطبين فقط أو للمجموع باعتبارهم .

وأجيب بجواز كون تهديد الأصنام نظير ادخالها النار مع عبدتها كما يدل عليه قوله تعالى : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء : 98 ] وكذا قوله سبحانه : { فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة } [ البقرة : 24 ] على ما عليه جمع من المفسرين ، ودعوى الفرق بين التهديد والإدخال في النار تحتاج إلى دليل .

ومن باب الإشارة : { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } في المجمع الأكبر { ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } منهم وهم المحجوبون الواقفون مع الغير بالمحبة والطاعة { مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ } قفوا جميعاً وانتظروا الحكم { فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ } أي قطعنا الأسباب التي كانت بينهم { وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } [ يونس : 28 ] بل كنتم تعبدون أشياء اخترعتموها في أوهامكم الفاسدة