قوله تعالى { وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين }
اعلم أنه لما شرح خوف المؤمنين من الكافرين وما ظهر منهم من التوكل على الله تعالى أتبعه بأن أمر موسى وهارون باتخاذ المساجد والإقبال على الصلوات يقال : تبوأ المكان ، أي اتخذه مبوأ كقوله توطنه إذا اتخذه موطنا ، والمعنى : اجعلا بمصر بيوتا لقومكما ومرجعا ترجعون إليه للعبادة والصلاة .
ثم قال : { واجعلوا بيوتكم قبلة } وفيه أبحاث :
البحث الأول : من الناس من قال : المراد من البيوت المساجد كما في قوله تعالى : { في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه } ومنهم من قال : المراد مطلق البيوت ، أما الأولون فقد فسروا القبلة بالجانب الذي يستقبل في الصلاة ، ثم قالوا : والمراد من قوله : { واجعلوا بيوتكم قبلة } أي اجعلوا بيوتكم مساجد تستقبلونها لأجل الصلاة ، وقال الفراء : واجعلوا بيوتكم قبلة ، أي إلى القبلة ، وقال ابن الأنباري : واجعلوا بيوتكم قبلة أي قبلا يعني مساجد فأطلق لفظ الوحدان ، والمراد الجمع ، واختلفوا في أن هذه القبلة أين كانت ؟ فظاهر أن لفظ القرآن لا يدل على تعيينه ، إلا أنه نقل عن ابن عباس أنه قال : كانت الكعبة قبلة موسى عليه السلام . وكان الحسن يقول : الكعبة قبلة كل الأنبياء ، وإنما وقع العدول عنها بأمر الله تعالى في أيام الرسول عليه السلام بعد الهجرة . وقال آخرون : كانت تلك القبلة جهة بيت المقدس . وأما القائلون بأن المراد من لفظ البيوت المذكورة في هذه الآية مطلق البيت ، فهؤلاء لهم في تفسير قوله : { قبلة } وجهان : الأول : المراد بجعل تلك البيوت قبلة أي متقابلة ، والمقصود منه حصول الجمعية واعتضاد البعض بالبعض . وقال آخرون : المراد واجعلوا دوركم قبلة ، أي صلوا في بيوتكم .
البحث الثاني : أنه تعالى خص موسى وهارون في أول هذه الآية بالخطاب فقال : { أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا } ثم عمم هذا الخطاب فقال : { واجعلوا بيوتكم قبلة } والسبب فيه أنه تعالى أمر موسى وهارون أن يتبوآ لقومهما بيوتا للعبادة وذلك مما يفوض إلى الأنبياء ، ثم جاء الخطاب بعد ذلك عاما لهما ولقومهما باتخاذ المساجد والصلاة فيها ، لأن ذلك واجب على الكل ، ثم خص موسى عليه السلام في آخر الكلام بالخطاب فقال : { وبشر المؤمنين } وذلك لأن الغرض الأصلي من جميع العبادات حصول هذه البشارة ، فخص الله تعالى موسى بها ، ليدل بذلك على أن الأصل في الرسالة هو موسى عليه السلام وأن هارون تبع له .
البحث الثالث : ذكر المفسرون في كيفية هذه الواقعة وجوها ثلاثة : الأول : أن موسى عليه السلام ومن معه كانوا في أول أمرهم مأمورين بأن يصلوا في بيوتهم خفية من الكفرة ، لئلا يظهروا عليهم فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم ، كما كان المؤمنون على هذه الحالة في أول الإسلام في مكة . الثاني : قيل : إنه تعالى لما أرسل موسى إليهم أمر فرعون بتخريب مساجد بني إسرائيل ومنعهم من الصلاة ، فأمرهم الله تعالى أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلوا فيها خوفا من فرعون . الثالث : أنه تعالى لما أرسل موسى إليهم وأظهر فرعون تلك العداوة الشديدة أمر الله تعالى موسى وهارون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم الأعداء وتكفل تعالى أنه يصونهم عن شر الأعداء .
{ وَأَوْحَيْنَا إلى موسى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءا } { أنٍ } مفسرة لأن في الوحي معنى القول ، ويحتمل أن تكون مصدرية ؛ والتبوؤ اتخاذ المباءة أي المنزل كالتوطن اتخاذ الوطن ، والجمهور على تحقيق الهمزة ومنهم من قرأ { *تبوياً } { لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا } فجعلها ياء وهي مبدلة من الهمزة تخفيفاً ، والفعل على ما قيل مما يتعدى لواحد فيقال : تبوأ زيد كذا لكن إذا أدخلت اللام على الفاعل فقيل : تبوأ لزيد كذا تعدى لما كان فاعلاً باللام فيتعدى لاثنين ، وخرجت الآية على ذلك فلقومكما أحد المفعولين ، وقيل : هو متعد لواحد و { لِقَوْمِكُمَا } متعلق بمحذوف وقع حالاً من البيوت ، واللام على الوجهين غير زائدة . وقال أبو علي : هو متعد بنفسه لاثنين واللام زائدة كما في { رَدِفَ لَكُم } [ النمل : 72 ] وفعل وتفعل قد يكونان بمعنى مثل علقتها وتعلقتها ، والتقدير بوئا قومكما بيوتاً يسكنون فيها أو يرجعون إليها للعبادة . و { مِصْرَ } غير منصرف لأنه مؤنث معرفة ولو صرفته لخفته كما صرفت هنداً لكان جائزاً ، والجار متعلق بتبوآ وجوز أن يكون حالاً من { بُيُوتًا } أو من قومكما أو من ضمير الفاعل في { *تبوآ } أي مصلى ، وقيل : مساجد متوجهة نحو القبلة يعني الكعبة فإن موسى عليه السلام كان يصلي إليها ، وعلى التفسيرين تكون القبلة مجازاً فيما فسرت به بعلاقة اللزوم أو الكلية والجزئية ، والاختلاف في المراد هنا ناظر للاختلاف في أن تلك البيوت المتخذة هل للسكنى أو للصلاة فإن كان الأول فالقبلة مجاز عن المصلى وإن كان الثاني فهي مجاز عن المساجد .
واعترض القول بحمل القبلة على المساجد المتوجهة إلى الكعبة بأن المنصوص عليه في الحديث الصحيح أن اليهود تستقبل الصخرة والنصارى مطلع الشمس ولم يشتهر أن موسى عليه السلام كان يستقبل الكعبة في صلاته فالقول به غريب ، وأغرب منه ما قاله العلائي : من أن الأنبياء عليهم السلام كانت قبلتهم كلهم الكعبة ، قيل : وجعل البيوت مصلى ينافيه ما في الحديث «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً » من أن الأمم السالفة كانوا لا يصلون إلا في كنائسهم ، وأجيب عن هذا بأن محله إذا لم يضطروا فإذا اضطروا جازت لهم الصلاة في بيوتهم كما رخص لنا صلاة الخوف ، فإن فرعون لعنه الله تعالى خرب مساجدهم ومنعهم من الصلاة فأوحى إليهم أن صلوا في بيوتكم كما روي عن ابن عباس . وابن جبير ، وقد يقال : إنه لا منافاة أصلاً بناءً على أن المراد تعيين البيوت للصلاة وعدم صلاحة الصلاة في غيرها فيكون حكمها إذ ذاك حكم الكنائس اليوم وما هو من الخصائص صحة الصلاة في أي مكان من الأرض وعدم تعين موضع منها لذلك فلا حاجة إلى ما يقال : من أن اعتبار جعل الأرض كلها مسجداً خصوصية بالنظر إلى ما استقرت عليه شريعة موسى عليه السلام من تعين الصلاة في الكنائس وعدم جوازها في أي مكان أراده المصلى من الأرض ، وما تقدم من استقبال من تعين الصلاة في الكنائس وعدم جوازها في أي مكان أراده المصلي من الأرض ، وما تقدم من استقبال اليهود الصخرة فالمشهور أنه كان في بيت المقدس وأما قبل بعد نزول التوراة فكانوا يستقبلون التابوت وكان يوضع في قبة موسى عليه السلام ، على أنه قد قيل : إن الاستقبال في بيت المقدس كان للتابوت أيضاً وكانوا يضعونه على الصخرة فيكون استقباله استقبالها ، وأما استقبالهم في مصر فيحتمل أنه كان للكعبة كما روي عن الحسن وما في الحديث محمول على آخر أحوالهم ، ويحتمل أنه كان للصخرة حسبما هو اليوم ويحتمل غير ذلك والله تعالى أعلم بحقيقة الحال ، وقيل : معنى { بِتَابِعٍ قِبْلَةَ } متقابلة ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أي اجعلوا بيويتكم يقابل بعضها بعضاً { وَإِذْ أَخَذْنَا } فيها ، قيل : أمروا بذلك في أول أمرهم لئلا يظهر عليهم الكفرة فيؤذونهم ويفتنونهم في دينهم ، وهو مبني على أن المراد بالبيوت المساكن أما لو أريد بها المساجد فلا يصح كما لا يخفى ، ولعل التوجيه على ذلك هو أنهم أمروا بالصلاة ليستعينوا ببركتها على مقصودهم فقد قال سبحانه :
{ واستعينوا بالصبر والصلاة } [ البقرة : 45 ] وهي في المساجد أفضل فتكون أرجى للنفع { وَبَشّرِ المؤمنين } بحصول مقصودهم ، وقيل : بالنصرة في الدنيا إجابة لدعوتهم والجنة في العقبى ، وإنما ثنى الضمير أولاً لأن التبوأ للقوم واتخاذ المعابد مما يتولاه رؤساء القوم بتشاور ، ثم جمع ثانياً لأن جعل البيوت مساجد والصلاة فيها مما يفعله كل أحد مع أن في إدخال موسى وهارون عليهما السلام مع القوم في الأمرين المذكورين ترغيباً لهم في الامتثال ، ثم وحد ثالثاً لأن بشارة الأمة وظيفة صاحب الشريعة وهي من الأعظم أسر وأوقع في النفس ، ووضع المؤمنين موضع ضمير القوم لمدحهم بالإيمان وللإشعار بأنه المدار في التبشير .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.