قوله تعالى { واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين } .
اعلم أنه سبحانه لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات ، وفي الجواب عن الشبه والسؤالات ، شرع بعد ذلك في بيان قصص الأنبياء عليهم السلام لوجوه : أحدها : أن الكلام إذا أطال في تقرير نوع من أنواع العلوم ، فربما حصل نوع من أنواع الملالة فإذا انتقل الإنسان من ذلك الفن من العلم إلى فن آخر ، انشرح صدره وطاب قلبه ووجد في نفسه رغبة جديدة وقوة حادثة وميلا قويا . وثانيها : ليكون للرسول عليه الصلاة والسلام ولأصحابه أسوة بمن سلف من الأنبياء ، فإن الرسول إذا سمع أن معاملة هؤلاء الكفار مع كل الرسل ما كانت إلا على هذا الوجه خف ذلك على قلبه ، كما يقال : المصيبة إذا عمت خفت . وثالثها : أن الكفار إذا سمعوا هذه القصص ، وعلموا أن الجهال ، وإن بالغوا في إيذاء الأنبياء المتقدمين إلا أن الله تعالى أعانهم بالآخرة ونصرهم وأيدهم وقهر أعداءهم ، كان سماع هؤلاء الكفار لأمثال هذه القصص سببا لانكسار قلوبهم ، ووقوع الخوف والوجل في صدورهم ، وحينئذ يقللون من أنواع الإيذاء والسفاهة . ورابعها : أنا قد دللنا على أن محمدا عليه الصلاة والسلام لما لم يتعلم علما ، ولم يطالع كتابا ثم ذكر هذه الأقاصيص من غير تفاوت ، ومن غير زيادة ومن غير نقصان ، دل ذلك على أنه صلى الله عليه وسلم إنما عرفها بالوحي والتنزيل .
واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة من قصص الأنبياء عليهم السلام ثلاثة .
فالقصة الأولى : قصة نوح عليه السلام ، وهي المذكورة في هذه الآية ، وفيها وجهان من الفائدة : الأول : أن قوم نوح عليه السلام لما أصروا على الكفر والجحد عجل الله هلاكهم بالغرق . فذكر الله تعالى قصتهم لتصير تلك القصة عبرة لهؤلاء الكفار ، وداعية إلى مفارقة الجحد بالتوحيد والنبوة . والثاني : أن كفار مكة كانوا يستعجلون العذاب الذي يذكره الرسول عليه السلام لهم وكانوا يقولون له كذبت ، فإنه ما جاءنا هذا العذاب ، فالله تعالى ذكر لهم قصة نوح عليه السلام لأنه عليه السلام كان يخوفهم بهذا العذاب وكانوا يكذبونه فيه ، ثم بالآخرة وقع كما أخبر فكذا ههنا .
المسألة الثانية : أن نوحا عليه السلام قال لقومه : { إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت } وهذا جملة من الشرط والجزاء ، أما الشرط فهو مركب من قيدين :
القيد الأول : قوله : { إن كان كبر عليكم مقامي } قال الواحدي في البسيط يقال : كبر يكبر كبرا في السن ، وكبر الأمر والشيء إذا عظم يكبر كبرا وكبارة . قال ابن عباس : ثقل عليكم وشق عليكم وعظم أمره عندكم والمقام بفتح الميم مصدر كالإقامة . يقال : أقام بين أظهرهم مقاما وإقامة ، والمقام بضم الميم الموضع الذي يقام فيه ، وأراد بالمقام ههنا مكثه ولبثه فيهم وبالجملة فقوله : { كبر عليكم مقامي } جار مجرى قولهم : فلان ثقيل الظل .
واعلم أن سبب هذا الثقل أمران : أحدهما : أنه عليه السلام مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما . والثاني : أن أولئك الكفار كانوا قد ألفوا تلك المذاهب الفاسدة والطرائق الباطلة . والغالب أن من ألف طريقة في الدين فإنه يثقل عليه أن يدعى إلى خلافها ، ويذكر له ركاكتها ، فإن اقترن بذلك طول مدة الدعاء كان أثقل وأشد كراهية ، فإن اقترن به إيراد الدلائل القاهرة على فساد تلك المذهب كانت النفرة أشد فهذا هو السبب في حصول ذلك الثقل .
والقيد الثاني : هو قوله : { وتذكيري بآيات الله } .
واعلم أن الطباع المشغوفة بالدنيا الحريصة على طلب اللذات العاجلة تكون شديدة النفرة عن الأمر بالطاعات والنهي عن المعاصي والمنكرات ، قوية الكراهة لسماع ذكر الموت وتقبيح صورة الدنيا ومن كان كذلك فإنه يستثقل الإنسان الذي يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر وفي الآية وجه آخر وهو أن يكون قوله : { إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله } معناه أنهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم ليكون مكانهم ظاهرا وكلامهم مسموعا ، كما يحكى عن عيسى عليه السلام أنه كان يعظ الحواريين قائما وهم قعود .
واعلم أن هذا هو الشرط المذكور في هذه الآية ، أما الجزاء ففيه قولان :
القول الأول : أن الجزاء هو قوله : { فعلى الله توكلت } يعني أن شدة بغضكم لي تحملكم على الإقدام على إيذائي وأنا لا أقابل ذلك الشر إلا بالتوكل على الله .
واعلم أنه عليه السلام كان أبدا متوكلا على الله تعالى ، وهذا اللفظ يوهم أنه توكل على الله في هذه الساعة ، لكن المعنى أنه إنما توكل على الله في دفع هذا الشر في هذه الساعة .
والقول الثاني : وهو قول الأكثرين إن جواب الشرط هو قوله : { فأجمعوا أمركم وشركاءكم } وقوله : { فعلى الله توكلت } كلام اعترض به بين الشرط وجوابه كما تقول في الكلام إن كنت أنكرت علي شيئا فالله حسبي فاعمل ما تريد ، واعلم أن جواب هذا الشرط مشتمل على قيود خمسة على الترتيب .
القيد الأول : قوله : { فأجمعوا أمركم } وفيه بحثان :
البحث الأول : قال الفراء : الإجماع الإعداد والعزيمة على الأمر وأنشد :
يا ليت شعري والمنى لا تنفع*** هل اغدون يوما وأمري مجمع
فإذا أردت جمع التفرق قلت : جمعت القوم فهم مجموعون ، وقال أبو الهيثم : أجمع أمره ، أي جعله جميعا بعد ما كان متفرقا ، قال : وتفرقه ، أي جعل يتدبره فيقول : مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه ، أي جعله جميعا فهذا هو الأصل في الإجماع ، ومنه قوله تعالى : { وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم } ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بعلى فقيل : أجمعت على الأمر ، أي عزمت عليه ، والأصل أجمعت الأمر .
البحث الثاني : روى الأصمعي عن نافع { فاجمعوا أمركم } بوصل الألف من الجمع وفيه وجهان : الأول : قال أبو علي الفارسي : فاجمعوا ذوي الأمر منكم فحذف المضاف ، وجرى على المضاف إليه ما كان يجري على المضاف لو ثبت . الثاني : قال ابن الأنباري : المراد من الأمر ههنا وجوه كيدهم ومكرهم ، فالتقدير : ولا تدعوا من أمركم شيئا إلا أحضرتموه .
والقيد الثاني : قوله : { وشركاءكم } وفيه أبحاث :
البحث الأول : الواو ههنا بمعنى مع ، والمعنى : فأجمعوا أمركم مع شركائكم ، ونظيره قولهم لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها ، ولو خليت نفسك والأسد لأكلك .
البحث الثاني : يحتمل أن يكون المراد من الشركاء الأوثان التي سموها بالآلهة ، ويحتمل أن يكون المراد منها من كان على مثل قولهم ودينهم ، فإن كان المراد هو الأول فإنما حث الكفار على الاستعانة بالأوثان بناء على مذهبهم من أنها تضر وتنفع ، وإن كان المراد هو الثاني فوجه الاستعانة بها ظاهر .
البحث الثالث : قرأ الحسن وجماعة من القراء { وشركاؤكم } بالرفع عطفا على الضمير المرفوع ، والتقدير : فأجمعوا أنتم وشركاؤكم . قال الواحدي : وجاز ذلك من غير تأكيد الضمير كقوله { اسكن أنت وزوجك الجنة } لأن قوله : { أمركم } فصل بين الضمير وبين المنسوق ، فكان كالعوض من التوكيد وكان الفراء يستقبح هذه القراءة ، لأنها توجب أن يكتب وشركاؤكم بالواو وهذا الحرف غير موجود في المصاحف .
القيد الثالث : قوله : { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة } قال أبو الهيثم : أي مبهما من قولهم غم علينا الهلال فهو مغموم إذا التبس قال طرفة :
لعمري ما أمري علي بغمة*** نهاري ولا ليلي علي بسرمد
وقال الليث : إنه لفي غمة من أمره إذا لم يهتد له . قال الزجاج : أي ليكن أمركم ظاهرا منكشفا .
القيد الرابع : قوله : { ثم اقضوا إلي } وفيه بحثان :
البحث الأول : قال ابن الأنباري معناه ثم امضوا إلي بمكروهكم وما توعدونني به ، تقول العرب : قضى فلان ، يريدون مات ومضى ، وقال بعضهم : قضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه وبه يسمى القاضي ، لأنه إذا حكم فقد فرغ فقوله : { ثم اقضوا إلى } أي افرغوا من أمركم وامضوا ما في أنفسكم واقطعوا ما بيني وبينكم ، ومنه قوله تعالى : { وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب } أي أعلمناهم إعلاما قاطعا ، قال تعالى : { وقضينآ إليه ذلك الأمر } قال القفال رحمه الله تعالى ومجاز دخول كلمة { إلي } في هذا الموضع من قولهم برئت إليك وخرجت إليك من العهد ، وفيه معنى الإخبار فكأنه تعالى قال : ثم اقضوا ما يستقر رأيكم عليه محكما مفروغا منه .
البحث الثاني : قرئ { ثم أفضوا إلي } بالفاء بمعنى ثم انتهوا إلي بشركم ، وقيل : هو من أفضى الرجل إذا خرج إلى الفضاء ، أي أصحروا به إلي وأبرزوه إلي .
القيد الخامس : قوله : { ولا تنظرون } معناه لا تمهلون بعد إعلامكم إياي ما اتفقتم عليه فهذا هو تفسير هذه الألفاظ ، وقد نظم القاضي هذا الكلام على أحسن الوجوه فقال إنه عليه السلام قال : « في أول الأمر فعلى الله توكلت فإني واثق بوعد الله جازم بأنه لا يخلف الميعاد ولا تظنوا أن تهديدكم إياي بالقتل والإيذاء يمنعني من الدعاء إلى الله تعالى » ثم إنه عليه السلام أورد ما يدل على صحة دعوته فقال : « فأجمعوا أمركم » فكأنه يقول لهم أجمعوا كل ما تقدرون عليه من الأسباب التي توجب حصول مطلوبكم ثم لم يقتصر على ذلك بل أمرهم أن يضموا إلى أنفسهم شركاءهم الذين كانوا يزعمون أن حالهم يقوى بمكانتهم وبالتقرب إليهم ، ثم لم يقتصر على هذين بل ضم إليهما ثالثا وهو قوله : { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة } وأراد أن يبلغوا فيه كل غاية في المكاشفة والمجاهرة ، ثم لم يقتصر على ذلك حتى ضم إليها رابعا فقال : { ثم اقضوا إلي } والمراد أن وجهوا كل تلك الشرور إلى ، ثم ضم إلى ذلك خامسا . وهو قوله : { ولا تنظرون } أي عجلوا ذلك بأشد ما تقدرون عليه من غير إنظار فهذا آخر هذا الكلام ومعلوم أن مثل هذا الكلام يدل على أنه عليه السلام كان قد بلغ الغاية في التوكل على الله تعالى وأنه كان قاطعا بأن كيدهم لا يصل إليه ومكرهم لا ينفذ فيه .
{ واتل عَلَيْهِمْ } أي على المشركين من أهل مكة وغيرهم لتحقيق ما سبق من عدم إفلاح المفترين وكون ما يتمتعون به على جناح الفوات وأنهم مشرفون على الشقاء المؤبد والعذاب الشديد { نَبَأَ نُوحٍ } أي خبره الذي له شأن وخطر مع قومه الذين هم أضراب قومك في الكفر والعناد ليتدبروا ما فيه مما فيه مزدجر فلعلهم ينزجرون عما هم عليه أو تنكسر شدة شكيمتهم ولعل بعض من يسمع ذلك منك ممن أنكر صحة نبوتك أن يعترف بصحتها فيؤمن بك بأن يكون قد ثبت عنده ما يوافق ما تضمنه المتلو من غير مخالفة له أصلاً فيستحضر أنك لم تسمع ذلك من أحد ولم تستفده من كتاب فلا طريق لعلمك به إلا من جهة الوحي وهو مدار النبوة .
وفي ذلك من تقرير ما سبق من كون الكل لله سبحانه ، واختصاص العزة به تعالى ، وانتفاء الخوف على أوليائه وحزنهم ، وتشجيع النبي صلى الله عليه وسلم وحمله على عدم المبالاة بهم وبأقوالهم وأفعالهم ما لا يخفى ، والاقتصار على بعض ذلك قصور ؛ وقد تقدم الكلام في نوح عليه السلام { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } اللام للتبليغ أو التعليل و { إِذْ } بدل من { نَبَأَ } بدل اشتمال أو معمولة له لا لاتل لفساد المعنى ، وجوز أبو البقاء تعلقه بمحذوف وقع حالاً من { نَبَأَ } وأياً ما كان فالمراد بعض نبئه عليه الصلاة والسلام لا كل ما جرى بينه وبين قومه وكانوا على ما قال الأجهوري من بني قابيل { لِقَوْمِهِ ياقوم إِن كَانَ كَبُرَ } أي عظم وشق { عَلَيْكُمْ مَّقَامِى } أي نفسي على أنه في الأصل اسم مكان وأريد منه النفس بطريق الكناية الإيمائية كما يقال المجلس السامي ، ويجوز أن يكون مصدراً ميمياً بمعنى الإقامة يقال : قمت بالمكان وأقمت بمعنى أي إقامتي بين ظهرانيكم مدة مديدة ، وكونها ما ذكر الله تعالى ألف سنة إلا خمسين عاماً يقتضي أن يكون القول في آخر عمره ومنتهى أمره ويحتاج ذلك إلى نقل ، أو المراد قيامه بدعوتهم وقريب منه قيامه لتذكيرهم ووعظهم لأن الواعظ كان يقوم بين من يعظهم لأنه أظهر وأعون على الاستماع كما يحكى عن عيسى عليه السلام أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود ، وكثيراً ما كان نبينا صلى الله عليه وسلم يقوم على المنبر فيعظ الجماعة وهم قعود فيجعل القيام كناية أو مجازاً عن ذلك أو هو عبارة عن ثبات ذلك وتقرره { وَتَذْكِيرِى } إياكم { لَّهُ مَقَالِيدُ } الدالة على وحدانيته المبطلة لما أنتم عليه من الشرك { فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ } لا على غيره ، والجملة جواب الشرط وهو عبارة عن عدم مبالاته والتفاته إلى استثقالهم ، ويجوز أن تكون قائمة مقامه ، وقيل : الجواب محذوف وهذا عطف عليه أي فافعلوا ما شئتم ، وقيل : المراد الاستمرار على تخصيص التوكل به تعالى ، ويجوز أن يكون المراد إحداث مرتبة مخصوصة من مراتب التوكل وإلا فهو عليه السلام متوكل عليه سبحانه لا على غيره دائماً ، وقوله سبحانه : { فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ } عطف على الجواب المذكور عند الجمهور والفاء لترتيب الأمر بالإجماع على التوكل لا لترتيب نفس الإجماع عليه ، وقيل : إنه الجواب وما سبق اعتراض وهو يكون بالفاء
. فاعلم فعلم المرء ينفعه . . . ولعله أقل غائلة مما تقدم لما سمعته مع ما فيه من ارتكاب عطف الإنشاء على الخبر وفيه كلام . و { أَجْمَعُواْ } بقطع الهمزة وهو كما قال أبو البقاء من أجمعت على الأمر إذا عزمت عليه إلا أنه حذف حرف الجر فوصل الفعل ، وقيل : إن أجمع متعد بنفسه واستشهد له بقول الحرث بن حلزة
: أجمعوا أمرهم بليل فلما . . . أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
ونص السدوسي على أن عدم الإتيان بعلى كأجمعت الأمر أفصح من الإتيان بها كأجمعت على الأمر ، وقال أبو الهيثم : معنى أجمع أمره جعله مجموعاً بعد ما كان متفرقاً وتفرقته أن يقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا فإذا عزم فقد جمع ما تفرق من عزمه ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بعلى وأصله التعدية بنفسه ، ولا فرق بين أجمع وجمع عند بعض ، وفرق آخرون بينهما بأن الأول يستعمل في المعاني والثاني في الأعيان فيقال : أجمعت أمري وجمعت الجيش ولعله أكثري لا دائمي ، والمراد بالأمر هنا نحو المكر والكيد { وَشُرَكَاءكُمْ } أي التي زعمتم أنها شركاء لله سبحانه وتعالى ، وهو نصب على أنه مفعول معه من الفاعل لأن الشركاء عازمون لا معزوم عليهم ، ويؤيد ذلك قراءة الحسن . وابن أبي إسحاق . وأبي عبد الرحمن السلمي . وعيسى الثقفي بالرفع فإن الظاهر أنه حينئذٍ معطوف على الضمير المرفوع المتصل ووجود الفاصل قائم مقام التأكيد بالضمير المنفصل .
وقيل : إنه مبتدأ محذوف الخبر أي وشركاؤكم يجمعون ونحوه . وقيل : إن النصب بالعطف على { أَمَرَكُمُ } بحذف المضاف أي وأمر شركائكم بناءً على أن أجمع تتعلق بالمعاني والكلام خارج مخرج التهكم بناءً على أن المراد بالشركاء الأصنام ، وقيل : إنه على ظاهره والمراد بهم من على دينهم . وجوز أن لا يكون هناك حذف والكلام من الإسناد إلى المفعول المجازي على حد ما قيل في { واسئل القرية } [ يوسف : 82 ] ، وقيل : إن ذاك على المفعولية به لمقدر كما قيل في قوله
علفتها تبناً وماءً بارداً . . . أي وادعوا شركاءكم كما قرأ به أبي رضي الله تعالى عنه ، وقرأ نافع { فَأَجْمِعُواْ } بوصل الهمزة وفتح الميم من جمع ، وعطف الشركاء على الأمر في هذه القراءة ظاهر بناءً على أنه يقال : جمعت شركائي كما يقال : جمعت أمري ، وزعم بعضهم أن المعنى ذوي أمركم وهو كما ترى ، والمعنى أمرهم بالعزم والإجماع على قصده والسعي في إهلاكه على أي وجه يمكنهم من المكر ونحوه ثقة بالله تعالى وقلة مبالاة بهم ، وليس المراد حقيقة الأمر { ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ } ذلك { عَلَيْكُمْ غُمَّةً } أي مستوراً من غمه إذا ستره ، ومنه حديث وائل ابن حجر «لا غمة في فرائض الله تعالى » أي لا تستر ولا تخفى وإنما تظهر وتعلن ، والجار والمجرور متعلق بغمة ، والمراد نهيهم عن تعاطي ما يجعل ذلك غمة عليهم فإن الأمر لا ينهى ويستلزم ذلك الأمر بالإظهار ، فالمعنى أظهروا ذلك وجاهروني به فإن الستر إنما يصار إليه لسد باب تدارك الخلاص بالهرب أو نحوه فحيث استحال ذلك في حقي لم يكن للستر وجه ، وكلمة { ثُمَّ } للتراخي في الرتبة ، وإظهار الأمر في مقام الإضمار لزيادة التقرير ، وقيل : أظهر لأن المراد به ما يعتريهم من جهته عليه السلام من الحال الشديدة عليهم المكروهة لديهم لا الأمر الأول ، والمراد بالغمة الغم كالكربة والكرب ، والجار والمجرور متعلق بمقدر وقع حالاً منها ، وثم للتراخي في الزمان ، والمعنى ثم لا يكن حالكم غماً كائناً عليكم وتخلصوا بهلاكي من ثقل مقامي وتذكيري بآيات الله تعالى ، واعترض عليه بأنه لا يساعده قوله تعالى شأنه : { ثُمَّ اقضوا إِلَىَّ وَلاَ تُنظِرُونَ } أي أدوا إلى ذلك الأمر الذي تريدون ولا تمهلوني على أن القضاء من قضى دينه إذا أداه ، ومفعوله محذوف كما أشرنا إليه وفيه استعارة مكنية والقضاء تخييل وقد يفسر القضاء بالحكم أي احكموا بما تؤدوه إلى ففيه تضمين واستعارة مكنية أيضاً لأن توسيط ما يحصل بعد الإهلاك بين الأمر بالعزم على مباديه وبين الأمر بقضائه من قبيل الفصل بين الشجر ولحائه ، والوجه الأول سالم عن ذلك وهو ظاهر ، وقييل : المراد بالغمة المعنى الأول وبالأمر ما تقدم وبالنهي الأمر بالمشاورة أي أجمعوا أمركم ثم تشاوروا فيه وفيه بعد لعدم ظهور كلا الترتيبين الدالة عليهما ثم سواء اعتبرت قراءة الجماعة أو قراءة نافع في { أَجْمَعُواْ } وقرىء { *أفضوا } بالفاء أي انتهوا إلى بشركم أو ابرزوا إلى من أفضى إذا خرج إلى الفضاء كأبرز إذا خرج إلى البراز وهو المكان الواسع .
( ومن باب الإشارة ) : وقوله سبحانه : { واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ } [ يونس : 71 ] الخ أمر له صلى الله عليه وسلم أن يتلو عليهم نبأ نوح عليه السلام في صحة توكله على الله تعالى ونظره إلى قومه وشركائهم بعين الغنى وعدم المبالاة بهم وبمكايدهم ليعتبروا به حاله عليه الصلاة والسلام فإن الأنبياء عليهم السلام في ملة التوحيد والقيام بالله تعالى وعدم الالتفات إلى الخلق سواء ، أو أمر له صلى الله عليه وسلم بأن يتلو نبأ نوح مع قومه ليتعظ قومه وينزجروا عما هم عليه مما يفضي إلى إهلاكهم