مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ} (83)

الصفة الثالثة : مسومة ، وهذه الصفة صفة للأحجار ومعناها المعلمة ، وقد مضى الكلام فيه في تفسير قوله : { والخيل المسومة } واختلفوا في كيفية تلك العلامة على وجوه : الأول : قال الحسن والسدي : كان عليها أمثال الخواتيم . الثاني : قال ابن صالح : رأيت منها عند أم هانئ حجارة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع . الثالث : قال ابن جريج : كان عليها سيما لا تشارك حجارة الأرض ، وتدل على أنه تعالى إنما خلقها للعذاب . الرابع : قال الربيع : مكتوب على كل حجر اسم من رمى به .

ثم قال تعالى : { عند ربك } أي في خزائنه التي لا يتصرف فيها أحد إلا هو .

ثم قال : { وما هي من الظالمين ببعيد } يعني به كفار مكة ، والمقصود أنه تعالى يرميهم بها . عن أنس أنه قال : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عن هذا فقال : يعني عن ظالمي أمتك ، ما من ظالم منهم إلا وهو بمعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة . وقيل : الضمير في قوله : { وما هي } للقرى . أي وما تلك القرى التي وقعت فيها هذه الواقعة من كفار مكة ببعيد ، وذلك لأن القرى كانت في الشأم ، وهي قريب من مكة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ} (83)

{ مُّسَوَّمَةً } أي عليها سيما يعلم بها أنها ليست من حجارة الأرض قاله ابن جريح ، وقيل : معلمة ببياض وحمرة ، وروي ذلك عن ابن عباس . والحسن ، وجاء في رواية أخرى عن ابن عباس أنه كان بعضها أسود فيه نقطة بيضاء وبعضها أبيض فيه نقطة سوداء .

وعن الربيع أنها كانت معلمة باسم من يرمي بها ، وكان بعضها كما قيل : مثل رؤوس الإبل . وبعضها مثل مباركها . وبعضها مثل قبضة الرجل { عِندَ رَبّكَ } أي في خزائنه التي لا يملكها غيره سبحانه ولا يتصرف بها سواه عز وجل ، والظرف قيل : منصوب بمسومة أو متعلق بمحذوف وقع صفة له ، والمروى عن مقاتل أن المعنى أنها جاءت من عن ربك ، وعن أبي بكر الهذلي أنها معدة عنده سبحانه .

وقال ابن الأنباري : المراد ألزم هذا التسويم للحجارة عنده تعالى إيذاناً بقدرته وشدة عذابه فليفهم .

{ وَمَا هِىَ } أي الحجارة الموصوفة بما ذكر { مِنَ الظالمين } من كل ظالم { بِبَعِيدٍ } فانهم بسبب ظلمهم مستحقون لها ، وفيه وعيد لأهل الظلم كافة ، وروي هذا عن الربيع .

وأخرج ابن جيرير . وغيره عن قتادة أن المراد من الظالمين ظالمو هذه الأمة ، وجاء في خبر ذكره الثعلبي ، وقال فيه العراقي : لم أقف له على إسناد أنه صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عليه السلام عن ذلك فقال : يعني ظالمي أمتك ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة ، وقيل : المراد بالظالمين قوم لوط عليه السلام ، والمعنى لم تكن الحجارة لتخطئهم .

وعن ابن عباس أن المعنى وما عقوبتهم ممن يعمل عملهم ببعيد ، وظاهره أن الضمير للعقوبة المفهومة من الكلام ، و { الظالمين } من يشبههم من الناس ، ويمكن أن يقال : إن مراده بيان حاصل المعنى لا مرجع الضمير .

وذهب أبو حيان إلى أن الظاهر أن يكون ضمير { هِىَ } للقرى التي جعل { عاليها سَافِلَهَا } والمراد من { الظالمين } ظالمو مكة ، وقد كانت قريبة إليهم يمرون عليها في أسفارهم إلى الشام ، وتذكير البعيد يحتمل أن يكون على تأويل الحجارة بالحجر المراد به الجنس ، أو إجرائه على موصوف مذكر أي بشيء بعيد ، أو بمكان بعيد فإنها وإن كانت في السماء وهي في غاية البعد من الأرض ءلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقاً بهم فكأنها بمكان قريب منهم ، أو لأنه على زنة المصدر كالزفير . والصهيل والمصادر يستوي في الوصف بها المذكر والمؤنث .