مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{لِّلَّذِينَ يُؤۡلُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ تَرَبُّصُ أَرۡبَعَةِ أَشۡهُرٖۖ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (226)

الحكم العاشر : فيا يتعلق بالإيلاء والطلاق

قوله تعالى :{ للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم ، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم } .

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : آلى يؤالي إيلاء ، وتألى يتألى تأليا ، وائتلى يأتلي ائتلاء ، والإسم منه ألية وألوة ، كلاهما بالتشديد ، وحكى أبو عبيدة الوة وألوة والوة ثلاثة لغات ، وبالجملة فالألية والقسم واليمين ، والحلف ، كلها عبارات عن معنى واحد ، وفي الحديث حكاية عن الله تعالى : « آليت أفعل خلاف المقدرين » وقال كثير :

قليل الألايا حافظ ليمينه *** فإن سبقت منه الألية برت

هذا هو معنى اللفظ بحسب أصل اللغة ، أما في عرف الشرع فهو اليمين على ترك الوطء ، كما إذا قال : والله لا أجامعك ، ولا أباضعك ، ولا أقربك ، ومن المفسرين من قال : في الآية حذف تقديره : للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم ، إلا أنه حذف لدلالة الباقي عليه ، وأنا أقول : هذا الإضمار إنما يحتاج إليه إذا حملنا لفظ الإيلاء على المعهود اللغوي ، أما إذا حملناه على المتعارف في الشرع استغنينا عن هذا الإضمار .

المسألة الثانية : روي أن الإيلاء في الجاهلية كان طلاقا قال سعيد بن المسيب : كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره فيحلف أن لا يقربها ، فكان يتركها بذلك لا أيما ولا ذات بعل ، والغرض منه مضارة المرأة ، ثم إن أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك أيضا ، فأزال الله تعالى ذلك وأمهل للزوج مدة حتى يتروى ويتأمل ، فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها ، وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها .

المسألة الثالثة : قرأ عبد الله { آلوا من نسائهم } وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما { يقسمون من نسائهم } .

أما قوله : { من نسائهم } ففيه سؤال ، وهو أنه يقال : المتعارف أن يقال : حلف فلان على كذا أو آلى على كذا ، فلم أبدلت لفظة على ههنا بلفظة { من } ؟ .

والجواب من وجهين : الأول : أن يراد لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر ، كما يقال : لي منك كذا والثاني : أنه ضمن في هذا القسم معنى البعد ، فكأنه قيل : يبعدون من نسائهم مولين أو مقسمين .

أما قوله تعالى : { تربص أربعة أشهر } فاعلم أن التربص التلبث والانتظار يقال : تربصت الشيء تربصا ، ويقال : ما لي على هذا الأمر ربصة ، أي تلبث ، وإضافة التربص إلى أربعة أشهر إضافة المصدر إلى الظرف كقوله : بينهما مسيرة يوم ، أي مسيرة في يوم ومثله كثير .

أما قوله : { فإن فاءوا } فمعناه فإن رجعوا ، والفيء في اللغة هو رجوع الشيء إلى ما كان عليه من قبل ، ولهذا قيل لما تنسخه الشمس من الظل ثم يعود : فيء ، وفرق أهل العربية بين الفيء والظل ، فقالوا : الفيء ما كان بالعشي ، لأنه الذي نسخته الشمس والظل ما كان بالغداة لأنه لم تنسخه الشمس وفي الجنة ظل وليس فيها فيء ، لأنه لا شمس فيها ، قال الله تعالى :

{ وظل ممدود } وأنشدوا :

فلا الظل من برد الضحى يستطيعه *** ولا الفيء من برد العشي يذوق

وقيل : فلان سريع الفيء والفيئة حكاهما الفراء عن العرب ، أي سريع الرجوع عن الغضب إلى الحالة المتقدمة وقيل : لما رده الله على المسلمين من مال المشركين فيء كأنه كان لهم فرجع إليهم فقوله : { فإن فاءوا } معناه فإن فرجعوا عما حلفوا عليه من ترك جماعها { فإن الله غفور رحيم } للزوج إذا تاب من إضراره بامرأته كما أنه غفور رحيم لكل التائبين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لِّلَّذِينَ يُؤۡلُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ تَرَبُّصُ أَرۡبَعَةِ أَشۡهُرٖۖ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (226)

{ لّلَّذِينَ يؤولونَ مِن نّسَائِهِمْ } الإيلاء كما قال الراغب : الحلف الذي يقتضي النقيصة في الأمر الذي يحلف فيه من قوله تعالى : { لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } [ آل عمران : 8 11 ] أي باطلاً { وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ } [ النور : 22 ] وصار في الشرع عبارة عن الحلف المانع عن جماع المرأة ، ف { يؤولونَ } أي يحلفون ، و{ مِن نّسَائِهِمْ } على حذف المضاف ، أو من إقامة العين مقام الفعل المقصود منه للمبالغة ، وعدى القسم على المجامعة ب { مِنْ } لتضمنه معنى البعد ، فكأنه قيل : يبعدون من نسائهم مولين ، وقيل : إن هذا الفعل يتعدى ب ( من ) وعلى ، ونقل أبو البقاء عن بعضهم من أهل اللغة تعديته ب ( من ) وقيل : بها بمعنى على ، وقيل : بمعنى في ، وقيل : زائدة ، وجوّز جعل الجار ظرفاً مستقراً ، أي استقرّ لهم من نسائهم .

{ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } وقرأ { يؤولونَ مِن نّسَائِهِمْ } وفي مصحف أبيّ { لِلَّذِينَ يَقْسِمُونَ } وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والتربص الانتظار والتوقف وأضيف إلى الظرف على الاتساع وإجراء المفعول فيه مجرى المفعول به ، والمعنى على الظرفية وهو مبتدأ ما قبله خبره أو فاعل للظرف على ما ذهب إليه الأخفش من جواز عمله وإن لم يعتمد والجملة على التقديرين بمنزلة الاستثناء من قوله سبحانه . { ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } [ البقرة : 5 22 ] فإن الإيلاء لكون أحد الأمرين لازماً له الكفارة على تقدير الحنث من غير إثم ، والطلاق على تقدير البر مخالف لسائر الأيمان المكتوبة حيث يتعين فيها المؤاخذة بهما أو بأحدهما عند الشافعي والمؤاخذة الأخروية عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ، فكأنه قيل : إلا الإيلاء فإنّ حكمه غير ما ذكر ، ولذلك لم تعطف هذه الجملة على ما قبلها ، وبعد أن ذكر سبحانه وتعالى إنّ للمولين من نسائهم تربص أربعة أشهر بين حكمه بقوله تعالى جل شأنه : { فَإِن فَآءوا } أي رجعوا في المدّة { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لما حدث منهم من اليمين على الظلم وعقد القلب على ذلك الحنث ، أو بسبب الفيئة والكفارة ، ويؤيده قراءة ابن مسعود { فَإِن فَآءوا فِيهِنَّ } .