مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖۚ وَلَا تُمۡسِكُوهُنَّ ضِرَارٗا لِّتَعۡتَدُواْۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗاۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡحِكۡمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ} (231)

قوله تعالى { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا ان الله لكل شيء عليم } .

اعلم أن في الآية مسائل :

المسألة الأولى : أول ما يجب تقديمه في هذه الآية أن لقائل أن يقول : لا فرق بين هذه الآية وبين قوله : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } فتكون إعادة هذه الآية بعد ذكر تلك الآية تكريرا لكلام واحد في موضع واحد من غير فائدة وأنه لا يجوز .

والجواب : أما أصحاب أبي حنيفة فهم الذين حملوا قوله : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } على أن الجمع بين الطلقات غير مشروع ، وإنما المشروع هو التفريق ، فهذا السؤال ساقط عنهم ، لأن تلك الآية في بيان كيفية الجمع والتفريق ، وهذه الآية في بيان كيفية الرجعة ، وأما أصحاب الشافعي رحمهم الله وهم الذين حملوا تلك الآية على كيفية الرجعة فهذا السؤال وارد عليهم ، ولهم أن يقولوا : إن من ذكر حكما يتناول صورا كثيرة ، وكان إثبات ذلك الحكم في بعض تلك الصور أهم لم يبعد أن يعيد بعد ذلك الحكم العام تلك الصورة الخاصة مرة أخرى ، ليدل ذلك التكرير على أن في تلك الصورة من الاهتمام ما ليس في غيرها وههنا كذلك وذلك لأن قوله : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } فيه بيان أنه لا بد في مدة العدة من أحد هذين الأمرين ، وأما في هذه الآية ففيه بيان أن عند مشارفة العدة على الزوال لا بد من رعاية أحد هذين الأمرين ومن المعلوم أن رعاية أحد هذين الأمرين عند مشارفة زوال العدة أولى بالوجوب من سائر الأوقات التي قبل هذا الوقت ، وذلك لأن أعظم أنواع الإيذاء أن يطلقها ، ثم يراجعها مرتين عند آخر الأجل حتى تبقى في العدة تسعة أشهر ، فلما كان هذا أعظم أنواع المضارة لم يقبح أن يعيد الله حكم هذه الصورة تنبيها على أن هذه الصورة أعظم الصور اشتمالا على المضارة وأولاها بأن يحترز المكلف عنها .

المسألة الثانية : قوله : { فأمسكوهن بمعروف } إشارة إلى المراجعة واختلف العلماء في كيفية المراجعة ، فقال الشافعي رضي الله عنه : لما لم يكن نكاح ولا طلاق إلا بكلام ، لم تكن الرجعة إلا بكلام ، وقال أبو حنيفة والثوري رضي الله عنهما : تصح الرجعة بالوطء ، وقال مالك رضي الله عنه : إن نوى الرجعة بالوطء كانت رجعة وإلا فلا .

حجة الشافعي رضي الله عنه ما روي أن ابن عمر رضي الله عنه لما طلق زوجته وهي حائض فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال عليه الصلاة والسلام " مره فليراجعها ثم ليمسكها " حتى تطهر أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالمراجعة مطلقا ، وقيل : درجات الأمر الجواز فنقول : إنه كان مأذونا بالمراجعة في زمان الحيض ، وما كان مأذونا بالوطء في زمان الحيض فيلزم أن لا يكون الوطء رجعة وحجة أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه تعالى قال : { فأمسكوهن بمعروف } أمر بمجرد الإمساك ، وإذا وطئها فقد أمسكها ، فوجب أن يكون كافيا ، أما الشافعي رضي الله تعالى عنه فإنه لما قال : إنه لا بد من الكلام ، فظاهر مذهبه أن الإشهاد على الرجعة مستحب ولا يجب وبه قال مالك وأبو حنيفة رضي الله عنهما ، وقال في «الإملاء » : هو واجب ، وهو اختيار محمد بن جرير الطبري ، والحجة فيه قوله تعالى : { فأمسكوهن بمعروف } ولا يكون معروفا إلا إذا عرفه الغير ، وأجمعنا على أنه لا يجب عرفان غير الشاهد ، فوجب أن يكون عرفان الشاهد واجبا وأجاب الأولون بأن المراد بالمعروف هو المراعاة وإيصال الخير لا ما ذكرتم .

المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : إنه تعالى أثبت عند بلوغ الأجل حق المراجعة ، وبلوغ الأجل عبارة عن انقضاء العدة ، وعند انقضاء العدة لا يثبت حق المراجعة .

والجواب من وجهين : أحدهما : المراد ببلوغ الأجل مشارفة البلوغ لا نفس البلوغ ، وبالجملة فهذا من باب المجاز الذي يطلق فيه اسم الكل على الأكثر ، وهو كقول الرجل إذا قارب البلد : قد بلغنا الثاني : أن الأجل اسم للزمان فنحمله على الزمان الذي هو آخر زمان يمكن إيقاع الرجعة إليه ، بحيث إذا فات لا يبقى بعده مكنة الرجعة ، وعلى هذا التأويل فلا حاجة بنا إلى المجاز .

أما قوله تعالى : { ولا تمسكوهن ضرارا } ففيه مسألتان :

المسألة الأولى : لقائل أن يقول : فلا فرق بين أن يقول : { فأمسكوهن بمعروف } وبين قوله : { ولا تمسكوهن ضرارا } لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده فما الفائدة في التكرار ؟ .

والجواب : الأمر لا يفيد إلا مرة واحدة ، فلا يتناول كل الأوقات ، أما النهي فإنه يتناول كل الأوقات ، فلعله يمسكها بمعروف في الحال ، ولكن في قلبه أن يضارها في الزمان المستقبل ، فلما قال تعالى : { ولا تمسكوهن ضرارا } اندفعت الشبهات وزالت الاحتمالات .

المسألة الثانية : قال القفال : الضرار هو المضارة قال تعالى : { والذين اتخذوا مسجدا ضرارا } أي اتخذوا المسجد ضرارا ليضاروا المؤمنين ، ومعناه رجع إلى إثارة العداوة وإزالة الألفة وإيقاع الوحشة ، وموجبات النفرة ، وذكر المفسرون في تفسير هذا الضرار وجوها أحدها : ما روي أن الرجل كان يطلق المرأة ثم يدعها ، فإذا قارب انقضاء القرء الثالث راجعها ، وهكذا يفعل بها حتى تبقى في العدة تسعة أشهر أو أكثر والثاني : في تفسير الضرار سوء العشرة والثالث : تضييق النفقة ، واعلم أنهم كانوا يفعلون في الجاهلية أكثر هذه الأعمال رجاء أن تختلع المرأة منه بمالها .

أما قوله تعالى : { لتعتدوا } ففيه وجهان الأول : المراد لا تضاروهن فتكونوا معتدين ، يعني فتكون عاقبة أمركم ذلك وهو كقوله : { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } أي فكان لهم وهي لام العاقبة والثاني : أن يكون المعنى : لا تضاروهن على قصد الاعتداء عليهن ، فحينئذ تصيرون عصاة الله ، وتكونون متعمدين قاصدين لتلك المعصية ، ولا شك أن هذا أعظم أنواع المعاصي .

أما قوله تعالى : { ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه } ففيه وجوه أحدها : ظلم نفسه بتعريضها لعذاب الله وثانيها : ظلم نفسه بأن فوت عليها منافع الدنيا والدين ، أما منافع الدنيا فإنه إذا اشتهر فيما بين الناس بهذه المعاملة القبيحة لا يرغب في التزوج به ولا معاملته أحد ، وأما منافع الدين فالثواب الحاصل على حسن العشرة مع الأهل والثواب الحاصل على الانقياد لأحكام الله تعالى وتكاليفه .

أما قوله تعالى : { ولا تتخذوا آيات الله هزوا } ففيه وجوه الأول : أن من نسي فلم يفعله بعد أن نصب نفسه منصب من يطيع ذلك الأمر ، يقال فيه أنه استهزأ بهذا الأمر ويلعب به ، فعلى هذا كل من أمر بأنه تجب عليه طاعة الله وطاعة رسوله ، ثم وصلت إليه هذه التكاليف التي تقدم ذكرها في العدة والرجعة والخلع وترك المضارة فلا يتشمر لأدائها ، كان كالمستهزىء بها ، وهذا تهديد عظيم للعصاة من أهل الصلاة وثانيها : المراد : ولا تتسامحوا في تكاليف الله كما يتسامح فيما يكون من باب الهزل والعبث والثالث : قال أبو الدرداء : كان الرجل يطلق في الجاهلية ، ويقول : طلقت وأنا لاعب ، ويعتق وينكح ، ويقول مثل ذلك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : « من طلق ، أو حرر ، أو نكح ، فزعم أنه لاعب فهو جد » والرابع : قال عطاء : المعنى أن المستغفر من الذنب إذا كان مصرا عليه أو على مثله ، كان كالمستهزىء بآيات الله تعالى ، والأقرب هو الوجه الأول ، لأن قوله : { ولا تتخذوا آيات الله هزوا } تهديد ، والتهديد إذا ذكر بعد ذكر التكاليف كان ذلك التهديد تهديدا على تركها ، لا على شيء آخر غيرها ، واعلم أنه تعالى لما رغبهم في أداء التكاليف بما ذكر من التهديد ، رغبهم أيضا في أدائها بأن ذكرهم أنواع نعمه عليهم ، فبدأ أولا بذكرها على سبيل الإجمال فقال : { واذكروا نعمة الله عليكم } وهذا يتناول كل نعم الله على العبد في الدنيا وفي الدين ، ثم إنه تعالى ذكر بعد هذا نعم الدين ، وإنما خصها بالذكر لأنها أجل من نعم الدنيا ، فقال : { وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به } والمعنى أنه إنما أنزل الكتاب والحكمة ليعظكم به ، ثم قال : { واتقوا الله } أي في أوامره كلها ، ولا تخالفوه في نواهيه { واعلموا أن الله بكل شىء عليم } .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖۚ وَلَا تُمۡسِكُوهُنَّ ضِرَارٗا لِّتَعۡتَدُواْۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗاۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡحِكۡمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ} (231)

{ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي آخر عدتهن ، فهو مجاز من قبيل استعمال الكل في الجزء إن قلنا : إن الأجل حقيقة في جميع المدة كما يفهمه كلام الصحاح وهو الدائر في كلام الفقهاء ، ونقل الأزهري عن الليث يدل على أنه حقيقة في الجزء الأخير ، وكلا الاستعمالين ثابت في الكتاب الكريم ، فإن كان من باب الاشتراك فذاك وإلا فالتجوّز من الكل إلى الجزء ، الأخير أقوى من العكس ، والبلوغ في الأصل الوصول وقد يقال للدنوّ منه وهو المراد في الآية ، وهو إمّا من مجاز المشارفة أو الاستعارة تشبيهاً للمتقارب الوقوع بالواقع ليصح أن يرتب عليه .

{ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } إذ لا إمساك بعد انقضاء الأجل لأنها حينئذٍ غير زوجة له ولا في عدّته فلا سبيل له عليها والإمساك مجاز عن المراجعة لأنها سببه والتسريح بمعنى الإطلاق وهو مجاز عن الترك ، والمعنى فراجعوهن من غير ضرار أو خلوهن حتى تنقضي عدّتهنّ من غير تطويل ، وهذا إعادة للحكم في صورة بلوغهنّ أجلهنّ اعتناءاً لشأنه ومبالغة في إيجاب المحافظة عليه ، ومن الناس من حمل الإمساك بالمعروف على عقد النكاح وتجديده مع حسن المعاشرة والتسريح بالمعروف على ترك العضل عن التزوّج بآخر ، وحينئذٍ لا حاجة إلى القول بالمجاز في { بَلَغْنَ } ولا يخفى بعده عن سبب النزول ، فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي أنّ رجلاً من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلق زوجته حتى إذا انقضت/ عدّتها إلا يومين أو ثلاثة راجعها ثم طلقها ففعل ذلك بها حتى مضت لها تسعة أشهر يضارها فأنزل الله تعالى هذه الآية { وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا } تأكيد للأمر بالإمساك بالمعروف وتوضيح لمعناه وهو أدل منه على الدوام والثبات ؛ وأصرح في الزجر عما كانوا يتعاطونه ، و( ضراراً ) نصب على العلية أو الحالية أي لا ترجعوهن للمضارّة أو مضارين ، ومتعلق النهي القيد واللام في قوله تعالى : { لّتَعْتَدُواْ } متعلق ب { ضِرَارًا } أي لتظلموهن بالإلجاء إلى الافتداء ، واعترض بأن الضرار ظلم والاعتداء مثله فيؤول إلى : ولا تمسكوهن ظلما لتظلموا وهو كما ترى ، وأجيب بأنّ المراد بالضرار تطويل المدة وبالاعتداء الإلجاء ، فكأنه قيل : لا تمسكوهنّ بالتطويل لتلجئوهنّ إلى الاختلاع والظلم قد يقصد ليؤدّي إلى ظلم آخر ، والمشهور أن هذا الوجه متعين على الوجه الأوّل في { ضِرَارًا } ولا يجوز عليه أن يكون هذا علة لما كان هو له إذ المفعول له لا يتعدّد إلا بالعطف ، أو على البدل وهو غير ممكن لاختلاف الإعراب ويجوز أن يكون كذلك على الوجه الثاني ، وجوّز تعلقه بالفعل مطلقاً إذا جعلت اللام للعاقبة ، ولا ضرر في تعدّي الفعل إلى علة وعاقبة لاختلافهما وإن كانت اللام حقيقة فيهما على رأي .

{ وَمَن يَفْعَلْ ذلك } المذكور وما فيه من البعد للإيذان ببعد منزلته في الشر والفساد { فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } بتعريضها للعذاب ، أو بأن فوّت على نفسه منافع الدين من الثواب الحاصل على حسن المعاشرة ، ومنافع الدنيا من عدم رغبة النساء به بعد لاشتهاره بهذا الفعل القبيح { وَلاَ تَتَّخِذُواْ ءايات الله } المنطوية على الأحكام المذكورة في أمر النساء أو جميع آياته وهذه داخلة فيها { هُزُواً } مهزوءاً بها بأن تعرضوا عنها ، وتتهاونوا في المحافظة عليها لقلة اكتراثكم بالنساء وعدم مبالاتكم بهن ، وهذا نهي أريد به الأمر بضده ، أي جدّوا في الأخذ بها والعمل بما فيها وارعوها حق رعايتها . وأخرج ابن أبي عمرة وابن مردويه عن أبي الدرداء قال : كان الرجل يطلق ثم يقول : لعبت ويعتق ، ثم يقول : لعبت فنزلت ، وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ثلاث هزلهنّ جد : النكاح والطلاق والرجعة » وعن أبي الدرداء : «ثلاث اللاعب فيها كالجاد ، النكاح والطلاق والعتاق » وعن عمر رضي الله تعالى عنه : «أربع مقفلات النذر والطلاق والعتق والنكاح »

{ واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ } أي قابلوها بالشكر والقيام بحقوقها والنعمة إمّا عامة فعطف { وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم } عليها من عطف الخاص على العام ، وإمّا أن تخص بالإسلام ونبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وخصا بالذكر ليناسب ما سبقه ، وليدل على أن ما كانوا عليه من الإمساك إضراراً من سنن الجاهلية المخالفة ، كأنه لما قيل : جدّوا في العمل بالآيات على طريق الكناية أكد ذلك بأنه شكر النعمة فقوموا بحقه ، ويكون العطف تأكيداً على تأكيد لأن الإسلام ونبوّة محمد صلى الله عليه وسلم يشملان إنزال الكتاب والسنة وهو قريب من عطف التفسير ولا بأس أن يسمى عطف التقرير ، قيل : ولو عمم النعمة لم يحسن موقعه هذا الحسن ، ولا يخفى أنه في حيز المنع ، والظرف الأوّل متعلق بمحذوف وقع حالاً من نعمة أو صفة لها على رأي من يجوّز حذف الموصول مع بعض الصلة ، ويجوز أن يتعلق بنفسها إن أريد بها الإنعام ؛ لأنها اسم مصدر كنبات من أنبت ولا يقدح في عمله تاء التأنيث لأنه مبني عليها كما في قوله :

فلولا رجاء النصر منك وهيبة *** عقابك قد كانوا لنا كالموارد

والظرف الثاني متعلق بما عنده وأتى به تنبيهاً للمأمورين وتشريفاً لهم ، و{ مَا } موصولة حذف عائدها من الصلة ، و{ مِنْ } في قوله تعالى : { مّنَ الكتاب والحكمة } بيانية ، والمراد بهما القرآن الجامع للعنوانين ، أو القرآن والسنة ، والإفراد بالذكر بعد الاندراج في المذكور إظهاراً للفضل وإيماءاً إلى أن الشرف وصل إلى غاية لا يمكن معها الاندراج ، وذاك من قبيل :

فإن تفق الأنام وأنت منهم *** فإن المسك بعض دم الغزال

{ يَعِظُكُمْ بِهِ } أي : بما أنزل حال من فاعل { أَنَزلَ } أو من مفعوله ، أو منهما معاً ، وجوّز أن يكون { مَا } مبتدأ وهذه الجملة خبره و{ مّنَ الكتاب } حال من العائد المحذوف ، وقيل : الجملة معترضة للترغيب والتعليل .

{ واتقوا الله } في أوامره والقيام بحقوقه { واعلموا أَنَّ الله بِكُلّ شيء عَلِيمٌ } فلا يخفى عليه شيء مما تأتون وما تذرون فليحذر من جزائه وعقابه ، أو أنه عليم بكل شيء فلا يأمر إلا بما فيه الحكمة والمصلحة فلا تخالفوه ، وفي هذا العطف ما يؤكد الأوامر والأحكام السابقة ، وليس هذا من التأكيد المقتضي للفصل ، لأنه ليس إعادة لمفهوم المؤكد ولا متحداً معه .