قوله تعالى : { ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا } .
اعلم أن قوله تعالى : { ويوم يحشرهم } راجع إلى قوله : { واتخذوا من دونه آلهة } ثم ههنا مسائل :
المسألة الأولى : { يحشرهم } فنقول كلاهما بالنون والياء وقرئ { نحشرهم } بكسر الشين .
المسألة الثانية : ظاهر قوله : { وما يعبدون } أنها الأصنام ، وظاهر قوله : { فيقول أأنتم أضللتم عبادي } أنه من عبد من الأحياء كالملائكة والمسيح وغيرهما ، لأن الإضلال وخلافه منهم يصح فلأجل هذا اختلفوا ، فمن الناس من حمله على الأوثان ، فإن قيل لهم الوثن جماد فكيف خاطبه الله تعالى ، وكيف قدر على الجواب ؟ فعند ذلك ذكروا وجهين : أحدهما : أن الله تعالى يخلق فيهم الحياة ، فعند ذلك يخاطبهم فيردون الجواب . وثانيها : أن يكون ذلك الكلام لا بالقول اللساني بل على سبيل لسان الحال كما ذكر بعضهم في تسبيح الموات وكلام الأيدي والأرجل ، وكما قيل : سل الأرض من شق أنهارك ، وغرس أشجارك ؟ فإن لم تجبك حوارا ، أجابتك اعتبارا ! وأما الأكثرون فزعموا أن المراد هو الملائكة وعيسى وعزير عليهم السلام ، قالوا ويتأكد هذا القول بقوله تعالى : { ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون } وإذا قيل لهم : لفظة ( ما ) لا تستعمل في العقلاء أجابوا عنه من وجهين : الأول : لا نسلم أن كلمة ( ما ) لما لا يعقل بدليل أنهم قالوا ( من ) لما لا يعقل . والثاني : أريد به الوصف كأنه قيل ( ومعبودهم ) ، وقوله تعالى : { والسماء وما بناها } { ولا أنتم عابدون ما أعبد } لا يستقيم إلا على أحد هذين الوجهين ، وكيف كان فالسؤال ساقط .
المسألة الثالثة : حاصل الكلام أن الله تعالى يحشر المعبودين ، ثم يقول لهم أأنتم أوقعتم عبادي في الضلال عن طريق الحق ، أم هم ضلوا عنه بأنفسهم ؟ قالت المعتزلة : وفيه كسر بين لقول من يقول إن الله يضل عباده في الحقيقة لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الجواب الصحيح أن يقولوا إلهنا ههنا قسم ثالث غيرهما هو الحق وهو أنك أنت أضللتهم ، فلما لم يقولوا ذلك بل نسبوا إضلالهم إلى أنفسهم ، علمنا أن الله تعالى لا يضل أحدا من عباده . فإن قيل لا نسلم أن المعبودين ما تعرضوا لهذا القسم بل ذكروه ،
فإنهم قالوا : { ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر } وهذا تصريح بأن ضلالهم إنما حصل لأجل ما فعل الله بهم وهو أنه سبحانه وتعالى متعهم وآباءهم بنعيم الدنيا . قلنا : لو كان الأمر كذلك لكان يلزمهم أن يصير الله محجوبا في يد أولئك المعبودين ، ومعلوم أنه ليس الغرض ذلك بل الغرض أن يصير الكافر محجوجا مفحما ملزما هذا تمام تقرير المعتزلة في الآية ، أجاب أصحابنا بأن القدرة على الضلال إن لم تصلح للاهتداء فالإضلال من الله تعالى ، وإن صلحت له لم تترجح مصدريتها للإضلال على مصدريتها للاهتداء إلا لمرجح من الله تعالى ، وعند ذلك يعود السؤال ، وأما ظاهر هذه الآية فهو وإن كان لهم لكنه معارض بسائر الظواهر المطابقة لقولنا .
المسألة الرابعة : ظاهر الآية يدل على أن هذا السؤال -من الله تعالى ، وإن احتمل أن يكون ذلك من الملائكة- بأمر الله تعالى . بقي على الآية سؤالات .
الأول : ما فائدة أنتم وهم ؟ وهلا قيل أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل ؟ الجواب : ليس السؤال عن الفعل ووجوده ، لأنه لولا وجوده لما توجه هذا العتاب ، وإنما هو عن فاعله فلابد من ذكره وإيلائه حرف الاستفهام حتى يعلم أنه المسئول عنه .
السؤال الثاني : أنه سبحانه كان عالما في الأزل بحال المسئول عنه فما فائدة هذا السؤال ؟ الجواب : هذا استفهام على سبيل التقريع للمشركين كما قال لعيسى : { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } ولأن أولئك المعبودين لما برؤوا أنفسهم ، وأحالوا ذلك الضلال عليهم صار تبرؤ المعبودين عنهم أشد في حسرتهم وحيرتهم .
السؤال الثالث : قال تعالى : { أم هم ضلوا السبيل } والقياس أن يقال ضل عن السبيل ، الجواب : الأصل ذلك ، إلا أن الإنسان إذا كان متناهيا في التفريط وقلة الاحتياط ، يقال ضل السبيل .
{ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ } نصب على أنه مفعول لمضمر مقدم معطوف على قوله تعالى : { قُلْ أذلك } [ الفرقان : 15 ] الخ أي قل لهم ذلك واذكر لهم بعد التقريع والتحسير يوم يحشرهم الله عز وجل ، والمراد تذكيرهم بما فيه من الحوادث الهائلة على ما سمعت في نظائره أو على أنه ظرف لمضمر مؤخر قد حذف للتنبيه على كمال هو له وفظاعة ما فيه والإيذان بأن العبارة لا تحيط ببيانه أي ويوم يحشرهم يكون من الأحوال والأهوال ما لا يفي ببيانه المقال .
/ وقرأ الحسن . وطلحة . وابن عامر . وكثير من السبعة { نَحْشُرُهُمْ } بنون العظمة بطريق الالتفات من الغيبة إلى التكلم . وقرأ الأعرج { يَحْشُرُهُمْ } بكسر الشين ، قال صاحب اللوامح : في كل القرآن وهو القياس في الأفعال المتعدية الثلاثية لأن يفعل بضم العين قد يكون من اللازم الذي هو فعل بضمها في الماضي ، وقال ابن عطية : وهي قليلة في الاستعمال قوية في القياس لأن يفعل بكسر العين في المتعدي أقيس من يفعل بضم العين ، وفيه كلام ذكره أبو حيان في «البحر » { وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } عطف على مفعول { يَحْشُرُهُمْ } وليست الواو للمعية وجوز ذلك أبو البقاء ، والمراد بالموصول عند الضحاك . وعكرمة . والكلبي الأصنام بناءً أن السياق فيها وينطقها الله تعالى الذي لا يعجزه شيء ، وقيل : تتكلم بلسان الحال وليس بذاك .
وأخرج جماعة عن مجاهد أن المراد به الملائكة . وعيسى . وعزير . وأضرابهم من العقلاء الذين عبدوا من دون الله سبحانه وتعالى وهو قول الجمهور على ما في «البحر » لأن السؤال والجواب يقتضيانه لاختصاصهما بالعقلاء عادة وإن كان الجماد ينطق يومئذٍ ، وجاء فيما يشبه الاستفهام الآتي النص عليهم نحو قوله تعالى : { ثُمَّ يَقُولُ للملائكة أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ } [ سبأ : 40 ] وقوله سبحانه : { قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله قَالَ } [ المائدة : 116 ] والظاهر أن المراد بما على هذا القول العقلاء المعبودون الذين ليس منهم إضلال كالملائكة والأنبياء عليهم السلام لا ما يشملهم والشياطين مثلاً فإن الجواب يأبى ذلك بظاهره كما لا يخفى ، وأطلقت { مَا } على العقلاء إما على أنها تطلق عليهم حقيقة أو مجازاً أو باعتبار الوصف كأنه قيل : أو معبوديهم ، وقال بعض الأجلة : المراد ما يعم العقلاء وغيرهم إما لأن كلمة ما موضوعة للكل كما ينبىء عنه أنك إذا رأيت شبحاً من بعيد تقول : ما هو ؟ أو لأنه أريد بها الوصف فلا تختص حينئذٍ بغير العقلاء كما إذا أريد بها الذات أو لتغليب الأصنام على غيرها تنبيهاً على بعدهم عن استحقاق العبادة وتنزيلهم في ذلك منزلة من لا علم له ولا قدرة أو اعتباراً لغلبة عبدتها وكثرتهم { فَيَقُولُ } أي الله عز وجل للمعبودين من دونه أثر حشر الكل تقريعاً للعبدة وتبكيتاً لهم .
وقرأ الحسن . وطلحة . وابن عامر { فنقول } بنون العظمة أيضاً ، ومن قرأ ممن عداهم هناك بالنون وهنا بالياء كان على قراءته هنا التفاتاً من التكلم إلى الغيبة ، وفي نون العظمة هناك إشارة إلى أن الحشر أمر عظيم .
{ ءأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلاَء } بأن دعوتموهم إلى عبادتكم وإضافة { عِبَادِى } قيل للترحم أو لتعظيم جرمهم لعبادة غير خالقهم أو لتعظيم أمر إضلالهم بدعوتهم إلى عبادتهم مع كونهم عباداً لله عز وجل و { هَؤُلاء } بدل منه ، وجوز أن يكون نعتاً له { أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل } أي عن السبيل بأنفسهم لا خلالهم بالنظر الصحيح وإعراضهم عن المرشد من كتاب أو رسول فحذف الجار وأوصل الفعل إلى المفعول كقوله تعالى : { وَهُوَ يَهْدِى السبيل } [ الأحزاب : 4 ] والأصل إلى السبيل أو للسبيل .
وذكر بعض الأجلة أنه لم يقل عن السبيل للمبالغة فإن ضله بمعنى فقده وضل عنه بمعنى خرج عنه . والأول أبلغ لأنه يوهم أنه لا وجود له رأساً ، وتقديم الضميرين على الفعلين لما أن المراد بالسؤال التقريعي هو المتصدي للفعل لا نفسه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.