مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ} (23)

الصفة الأولى : قوله تعالى : { الله نزل أحسن الحديث } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : القائلون بحدوث القرآن احتجوا بهذه الآية من وجوه : الأول : أنه تعالى وصفه بكونه حديثا في هذه الآيات وفي آيات أخرى منها قوله تعالى : { فليأتوا بحديث مثله } ومنها قوله تعالى : { أفبهذا الحديث أنتم مدهنون } والحديث لا بد وأن يكون حادثا ، قالوا بل الحديث أقوى في الدلالة على الحدوث من الحادث لأنه يصح أن يقال هذا حديث وليس بعتيق ، وهذا عتيق وليس بحادث ، فثبت أن الحديث هو الذي يكون قريب العهد بالحديث ، وسمي الحديث حديثا لأنه مؤلف من الحروف والكلمات ، وتلك الحروف والكلمات تحدث حالا فحالا وساعة فساعة ، فهذا تمام تقرير هذا الوجه .

أما الوجه الثاني : في بيان استدلال القوم أن قالوا : إنه تعالى وصفه بأنه نزله والمنزل يكون في محل تصرف الغير . وما يكون كذلك فهو محدث وحادث .

وأما الوجه الثالث : في بيان استدلال القوم أن قالوا : إن قوله أحسن الحديث يقتضي أن يكون هو من جنس سائر الأحاديث كما أن قوله زيد أفضل الإخوة يقتضي أن يكون زيد مشاركا لأولئك الأقوام في صفة الأخوة ويكون من جنسهم ، فثبت أن القرآن من جنس سائر الأحاديث ، ولما كان سائر الأحاديث حادثة وجب أيضا أن يكون القرآن حادثا .

أما الوجه الرابع : في الاستدلال أن قالوا : إنه تعالى وصفه بكونه كتابا والكتاب مشتق من الكتبة وهي الاجتماع ، وهذا يدل على أنه مجموع جامع ومحل تصرف متصرف . وذلك يدل على كونه محدثا والجواب : أن نقول نحمل هذا الدليل على الكلام المؤلف من الحروف والأصوات والألفاظ والعبارات ، وذلك الكلام عندنا محدث مخلوق ، والله أعلم .

المسألة الثانية : كون القرآن أحسن الحديث ، إما أن يكون أحسن الحديث بحسب لفظه أو بحسب معناه .

القسم الأول : أن يكون أحسن الحديث بحسب لفظه وذلك من وجهين : الأول : أن يكون ذلك الحسن لأجل الفصاحة والجزالة الثاني : أن يكون بحسب النظم في الأسلوب ، وذلك لأن القرآن ليس من جنس الشعر ، ولا من جنس الخطب . ولا من جنس الرسائل ، بل هو نوع يخالف الكل ، مع أن كل ذي طبع سليم يستطيبه ويستلذه .

القسم الثاني : أن يكون كونه أحسن الحديث لأجل المعنى ، وفيه وجوه : الأول : أنه كتاب منزه عن التناقض ، كما قال تعالى : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } ومثل هذا الكتاب إذا خلا عن التناقض كان ذلك من المعجزات الوجه الثاني : اشتماله على الغيوب الكثيرة في الماضي والمستقبل الوجه الثالث : أن العلوم الموجودة فيه كثيرة جدا .

وضبط هذه العلوم أن نقول : العلوم النافعة هي ما ذكره الله في كتابه في قوله : { والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير } [ البقرة : 285 ] فهذا أحسن ضبط يمكن ذكره للعلوم النافعة .

أما القسم الأول : وهو الإيمان بالله ، فاعلم أنه يشتمل على خمسة أقسام : معرفة الذات والصفات والأفعال والأحكام والأسماء . أما معرفة الذات فهي أن يعلم وجود الله وقدمه وبقاءه . وأما معرفة الصفات فهي نوعان :

أحدهما : ما يجب تنزيهه عنه ، وهو كونه جوهرا ومركبا من الأعضاء والأجزاء وكونه مختصا بحيز وجهة ، ويجب أن يعلم أن الألفاظ الدالة على التنزيه أربعة : ليس ولم وما ولا ، وهذه الأربعة المذكورة ، مذكورة في كتاب الله تعالى لبيان التنزيه .

أما كلمة ليس ، فقوله : { ليس كمثله شيء } وأما كلمة لم ، فقوله : { لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد } [ الإخلاص : 3 ، 4 ] وأما كلمة ما ، فقوله : { وما كان ربك نسيا } [ مريم : 64 ] ، { ما كان لله أن يتخذ من ولد } [ مريم : 35 ] وأما كلمة لا ، فقوله تعالى : { لا تأخذه سنة ولا نوم } [ البقرة : 255 ] ، { وهو يطعم ولا يطعم } [ الأنعام : 14 ] ، { وهو يجير ولا يجار عليه } [ المؤمنون : 88 ] ، وقوله في سبعة وثلاثين موضعا من القرآن { لا إله إلا الله } [ محمد : 19 ] .

وأما النوع الثاني : وهي الصفات التي يجب كونه موصوفا بها من القرآن فأولها العلم بالله ، والعلم بكونه محدثا خالقا ، قال تعالى : { الحمد لله الذي خلق * السموات والأرض } [ الأنعام : 1 ] وثانيها : العلم بكونه قادرا ، قال تعالى في أول سورة القيامة { بلى قادرين على أن نسوى بنانه } وقال في آخر هذه السورة { أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى } وثالثها : العلم بكونه تعالى عالما ، قال تعالى : { هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة } ورابعها : العلم بكونه عالما بكل المعلومات ، قال تعالى : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } وقوله تعالى : { الله يعلم ما تحمل كل أنثى } وخامسها : العلم بكونه حيا ، قال تعالى : { هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين } وسادسها : العلم بكونه مريدا ، قال الله تعالى : { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام } وسابعها : كونه سميعا بصيرا ، قال تعالى : { وهو السميع البصير } وقال تعالى : { إنني معكما أسمع وأرى } وثامنها : كونه متكلما ، قال تعالى : { ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله } وتاسعها : كونه أمرا ، قال تعالى : { لله الأمر من قبل ومن بعد } وعاشرها : كونه رحمانا رحيما مالكا ، قال تعالى : { الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين } فهذا ما يتعلق بمعرفة الصفات التي يجب اتصافه بها .

وأما القسم الثالث : وهو الأفعال ، فاعلم أن الأفعال إما أرواح وإما أجسام . أما الأرواح فلا سبيل للوقوف عليها إلا للقليل ، كما قال تعالى : { وما يعلم جنود ربك إلا هو } وأما الأجسام ، فهي إما العالم الأعلى وإما العالم الأسفل . أما العالم الأعلى فالبحث فيه من وجوه أحدها : البحث عن أحوال السموات ، و ثانيها : البحث عن أحوال الشمس والقمر كما قال تعالى : { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } وثالثها : البحث عن أحوال الأضواء ، قال الله تعالى : { الله نور السموات والأرض } وقال تعالى : { هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا } ورابعها : البحث عن أحوال الظلال ، قال الله تعالى : { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا } وخامسها : اختلاف الليل والنهار ، قال الله تعالى : { يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل } وسادسها : منافع الكواكب ، قال تعالى : { وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر } وسابعها : صفات الجنة ، قال تعالى : { وجنة عرضها كعرض السماء والأرض } وثامنها : صفات النار ، قال تعالى : { لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم } وتاسعها : صفة العرش ، قال تعالى : { الذين يحملون العرش ومن حوله } وعاشرها : صفة الكرسي ، قال تعالى : { وسع كرسيه السموات والأرض } وحادي عشرها : صفة اللوح والقلم . أما اللوح ، فقوله تعالى : { بل هو قرءان مجيد * في لوح محفوظ } وأما القلم ، فقوله تعالى : { ن والقلم وما يسطرون } .

وأما شرح أحوال العالم الأسفل فأولها : الأرض ، وقد وصفها بصفات كثيرة إحداها : كونه مهدا ، قال تعالى : { الذي جعل لكم الأرض مهدا } وثانيها : كونه مهادا ، قال تعالى : { ألم نجعل الأرض مهادا } وثالثها : كونه كفاتا ، قال تعالى : { كفاتا * أحياء وأمواتا } ورابعها : الذلول ، قال تعالى : { هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا } وخامسها : كونه بساطا ، قال تعالى : { والله جعل لكم الأرض بساطا * لتسلكوا منها سبلا فجاجا } والكلام فيه طويل وثانيها : البحر ، قال تعالى : { وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا } و ثالثها : الهواء والرياح . قال تعالى : { وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته } وقال تعالى : { وأرسلنا الرياح لواقح } ورابعها : الآثار العلوية كالرعد والبرق ، قال تعالى : { ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته } وقال تعالى : { فترى الودق يخرج من خلاله } ومن هذا الباب ذكر الصواعق والأمطار وتراكم السحاب وخامسها : أحوال الأشجار والثمار وأنواعها وأصنافها ، وسادسها : أحوال الحيوانات ، قال تعالى : { وبث فيها من كل دابة } وقال : { والأنعام خلقها لكم } وسابعها : عجائب تكوين الإنسان في أول الخلقة ، قال : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } وثامنها : العجائب في سمعه وبصره ولسانه وعقله وفهمه وتاسعها : تواريخ الأنبياء والملوك وأحوال الناس من أول خلق العالم إلى آخر قيام القيامة ، وعاشرها ذكر أحوال الناس عند الموت وبعد الموت ، وكيفية البعث والقيامة ، وشرح أحوال السعداء والأشقياء ، فقد أشرنا إلى عشرة أنواع من العلوم في عالم السموات ، وإلى عشرة أخرى في عالم العناصر ، والقرآن مشتمل على شرح هذه الأنواع من العلوم العالية الرفيعة .

وأما القسم الرابع : وهو شرح أحكام الله تعالى وتكاليفه ، فنقول هذه التكاليف إما أن تحصل في أعمال القلوب أو في أعمال الجوارح .

أما القسم الأول : فهو المسمى بعلم الأخلاق وبيان تمييز الأخلاق الفاضلة والأخلاق الفاسدة والقرآن يشتمل على كل ما لا بد منه في هذا الباب ، قال الله تعالى : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي } ، وقال : { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } .

وأما الثاني : فهو التكاليف الحاصلة في أعمال الجوارح وهو المسمى بعلم الفقه والقرآن مشتمل على جملة أصول هذا العلم على أكمل الوجوه .

وأما القسم الخامس : وهو معرفة أسماء الله تعالى فهو مذكور في قوله تعالى : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } فهذا كله يتعلق بمعرفة الله .

وأما القسم الثاني : من الأصول المعتبرة في الإيمان الإقرار بالملائكة كما قال تعالى : { والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته } والقرآن يشتمل على شرح صفاتهم تارة على سبيل الإجمال وأخرى على طريق التفصيل ، أما بالإجمال فقوله : { وملائكته } وأما بالتفصيل فمنها ما يدل على كونهم رسل الله قال تعالى : { جاعل الملائكة رسلا } ومنها أنها مدبرات لهذا العالم ، قال تعالى : { فالمقسمات أمرا } { فالمدبرات أمرا } وقال تعالى : { والصافات صفا } ومنها حملة العرش قال : { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } ومنها الحافون حول العرش قال : { وترى الملائكة حافين من حول العرش } ومنها خزنة النار قال تعالى : { عليها ملائكة غلاظ شداد } ومنها الكرام الكاتبون قال : { وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين } ومنها المعقبات قال تعالى : { له معقبات من بين يديه ومن خلفه } وقد يتصل بأحوال الملائكة أحوال الجن والشياطين .

وأما القسم الثالث : من الأصول المعتبرة في الإيمان معرفة الكتب والقرآن يشتمل على شرح أحوال كتاب آدم عليه السلام قال تعالى : { فتلقى ءادم من ربه كلمات } ومنها أحوال صحف إبراهيم عليه السلام قال تعالى : { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن } ومنها أحوال التوراة والإنجيل والزبور .

وأما القسم الرابع : من الأصول المعتبرة في الإيمان معرفة الرسل والله تعالى قد شرح أحوال البعض وأبهم أحوال الباقين قال : { منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك } .

القسم الخامس : ما يتعلق بأحوال المكلفين وهي على نوعين الأول : أن يقروا بوجوب هذه التكاليف عليهم وهو المراد من قوله : { وقالوا سمعنا وأطعنا } ، الثاني : أن يعترفوا بصدور التقصير عنهم في تلك الأعمال ثم طلبوا المغفرة وهو المراد من قوله : { غفرانك ربنا } ثم لما كانت مقادير رؤية التقصير في مواقف العبودية بحسب المكاشفات في مطالعة عزة الربوبية أكثر ، كانت المكاشفات في تقصير العبودية أكثر وكان قوله : { غفرانك ربنا } أكثر .

القسم السادس : معرفة المعاد والبعث والقيامة وهو المراد من قوله : { وإليك المصير } وهذا هو الإشارة إلى معرفة المطالب المهمة في طلب الدين ، والقرآن بحر لا نهاية له في تقرير هذه المطالب وتعريفها وشرحها ولا ترى في مشارق الأرض ومغاربها كتابا يشتمل على جملة هذه العلوم كما يشتمل القرآن عليها . ومن تأمل في هذا التفسير علم أنا لم نذكر من بحار فضائل القرآن إلا قطرة ، ولما كان الأمر على هذه الجملة ، لا جرم مدح الله عز وجل القرآن فقال تعالى : { الله نزل أحسن الحديث } ، والله أعلم .

الصفة الثانية : من صفات القرآن قوله تعالى : { كتابا متشابها } أما الكتاب فقد فسرناه في قوله تعالى : { ذلك الكتاب لا ريب فيه } وأما كونه متشابها فاعلم أن هذه الآية تدل على أن القرآن كله متشابه .

وقوله : { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات } يدل على كون البعض متشابها دون البعض . وأما كونه كله متشابها كما في هذه الآية ، فقال ابن عباس : معناه أنه يشبه بعضه بعضا ، وأقول هذا التشابه يحصل في أمور أحدها : أن الكاتب البليغ إذا كتب كتابا طويلا ، فإنه يكون بعض كلماته فصيحا ، ويكون البعض غير فصيح ، والقرآن يخالف ذلك فإنه فصيح كامل الفصاحة بجميع أجزائه وثانيها : أن الفصيح إذا كتب كتابا في واقعة بألفاظ فصيحة فلو كتب كتابا آخر في غير تلك الواقعة كان الغالب أن كلامه في الكتاب الثاني غير كلامه في الكتاب الأول ، والله تعالى حكى قصة موسى عليه السلام في مواضع كثيرة من القرآن وكلها متساوية متشابهة في الفصاحة وثالثها : أن كل ما فيه من الآيات والبيانات فإنه يقوي بعضها بعضا ويؤكد بعضها بعضا ورابعها : أن هذه الأنواع الكثيرة من العلوم التي عددناها متشابهة متشاركة في أن المقصود منها بأسرها الدعوة إلى الدين وتقرير عظمة الله ، ولذلك فإنك لا ترى قصة من القصص إلا ويكون محصلها المقصود الذي ذكرناه ، فهذا هو المراد من كونه متشابها ، والله الهادي .

الصفة الثالثة : من صفات القرآن كونه مثاني وقد بالغنا في تفسير هذه اللفظة عند قوله تعالى : { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } وبالجملة فأكثر الأشياء المذكورة وقعت زوجين زوجين مثل : الأمر والنهي ، والعام والخاص ، والمجمل والمفصل ، وأحوال السموات والأرض ، والجنة والنار ، والظلمة والضوء ، واللوح والقلم ، والملائكة والشياطين ، والعرش والكرسي ، والوعد والوعيد ، والرجاء والخوف ، والمقصود منه بيان أن كل ما سوى الحق زوج ويدل على أن كل شيء مبتلى بضده ونقيضه وأن الفرد الأحد الحق هو الله سبحانه .

الصفة الرابعة : من صفات القرآن قوله : { تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : معنى { تقشعر جلودهم } تأخذهم قشعريرة وهي تغير يحدث في جلد الإنسان عند الوجل والخوف ، قال المفسرون : والمعنى أنهم عند سماع آيات الرحمة والإحسان يحصل لهم الفرح فتلين قلوبهم إلى ذكر الله ، وأقول إن المحققين من العارفين قالوا : السائرون في مبدأ إجلال الله إن نظروا إلى عالم الجلال طاشوا ، وإن لاح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا ، ويجب علينا أن نذكر في هذا الباب مزيد شرح وتقرير ، فنقول الإنسان إذا تأمل في الدلائل الدالة على أنه يجب تنزيه الله عن التحيز والجهة . فهنا يقشعر جلده ، لأن إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارج ولا متصل بالعالم ولا منفصل عن العالم ، مما يصعب تصوره فههنا تقشعر الجلود ، أما إذا تأمل في الدلائل الدالة على أنه يجب أن يكون فردا أحدا ، وثبت أن كل متحيز فهو منقسم فههنا يلين جلده وقلبه إلى ذكر الله . وأيضا إذا أراد أن يحيط عقله بمعنى الأزل فيتقدم في ذهنه بمقدار ألف ألف سنة ثم يتقدم أيضا بحسب كل لحظة من لحظات تلك المدة ألف ألف سنة ، ولا يزال يحتال ويتقدم ويتخيل في الذهن ، فإذا بالغ وتوغل وظن أنه استحضر معنى الأزل قال العقل هذا ليس بشيء ، لأن كل ما استحضرته في فهو متناه والأزل هو الوجود المتقدم على هذه المدة المتناهية ، فههنا يتحير العقل ويقشعر الجلد ، وأما إذا ترك هذا الاعتبار وقال ههنا موجود والموجود إما واجب وإما ممكن ، فإن كان واجبا فهو دائما منزه عن الأول والآخر وإن كان ممكنا فهو محتاج إلى الواجب فيكون أزليا أبديا ، فإذا اعتبر العقل فهم معنى الأزلية فههنا يلين جلده وقلبه إلى ذكر الله ، فثبت أن المقامين المذكورين في الآية لا يجب قصرهما على سماع آية العذاب وآية الرحمة ، بل ذاك أول تلك المراتب وبعده مراتب لا حد لها ولا حصر في حصول تلك الحالتين المذكورتين .

المسألة الثانية : روى الواحدي في «البسيط » عن قتادة أنه قال : القرآن دل على أن أولياء الله موصوفون بأنهم عند المكاشفات والمشاهدات ، تارة تقشعر جلودهم وأخرى تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله . وليس فيه أن عقولهم تزول وأن أعضاءهم تضطرب ، فدل هذا على أن تلك الأحوال لو حصلت لكانت من الشيطان ، وأقول ههنا بحث آخر وهو أن الشيخ أبا حامد الغزالي أورد مسألة في كتاب إحياء علوم الدين ، وهي أنا نرى كثيرا من الناس يظهر عليه الوجد الشديد التام عند سماع الأبيات المشتملة على شرح الوصل والهجر ، وعند سماع الآيات لا يظهر عليه شيء من هذه الأحوال ، ثم إنه سلم هذا المعنى وذكر العذر فيه من وجوه كثيرة ، وأنا أقول : إني خلقت محروما عن هذا المعنى ، فإني كلما تأملت في أسرار القرآن اقشعر جلدي وقف على شعري وحصلت في قلبي دهشة وروعة ، وكلما سمعت تلك الأشعار غلب الهزل علي وما وجدت البتة في نفسي منها أثرا ، وأظن أن المنهج القويم والصراط المستقيم هو هذا ، وبيانه من وجوه الأول : أن تلك الأشعار كلمات مشتملة على وصل وهجر وبغض وحب تليق بالخلق ، وإثباته في حق الله تعالى كفر ، وأما الانتقال من تلك الأحوال إلى معان لائقة بجلال الله فلا يصل إليها إلا العلماء الراسخون في العلم ، وأما المعاني التي يشتمل عليها القرآن فهي أحوال لائقة بجلال الله ، فمن وقف عليها عظم الوله في قلبه ، فإن من كان عنده نور الإيمان وجب أن يعظم اضطرابه عند سماع قوله : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } إلى آخر الآية والثاني : وهو أني سمعت بعض المشايخ قال كما أن الكلام له أثر فكذلك صدور ذلك الكلام من القائل المعين له أثر ، لأن قوة نفس القائل تعين على نفاذ الكلام في الروح ، والقائل في القرآن هنا هو الله بواسطة جبريل بتبليغ الرسول المعصوم ، والقائل هناك شاعر كذاب مملوء من الشهوة وداعية الفجور والثالث : أن مدار القرآن على الدعوة إلى الحق قال تعالى :

{ وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض } وأما الشعر فمداره على الباطل قال تعالى : { والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون } فهذه الوجوه الثلاثة فروق ظاهرة ، وأما ما يتعلق بالوجدان من النفس فإن كل أحد إنما يخبر عما يجده من نفسه والذي وجدته من النفس والعقل ما ذكرته ، والله أعلم .

المسألة الثالثة : في بيان ما بقي من المشكلات في هذه الآية ونذكرها في معرض السؤال والجواب .

السؤال الأول : كيف تركيب لفظ القشعريرة الجواب : قال صاحب «الكشاف » تركيبه من حروف التقشع وهو الأديم اليابس مضموما إليها حرف رابع وهو الراء ليكون رباعيا ودالا على معنى زائد يقال : اقشعر جلده من الخوف وقف شعره ، وذلك مثل في شدة الخوف .

السؤال الثاني : كيف قال : { تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } وما الوجه في تعديه بحرف إلى ؟ والجواب : التقدير تلين جلودهم وقلوبهم حال وصولها إلى حضرة الله وهو لا يحس بالإدراك .

السؤال الثالث : لم قال { إلى ذكر الله } ولم يقل إلى ذكر رحمة الله ؟ والجواب : أن من أحب الله لأجل رحمته فهو ما أحب الله ، وإنما أحب شيئا غيره ، وأما من أحب الله لا لشيء سواه فهذا هو المحب المحق وهو الدرجة العالية ، فلهذا السبب لم يقل ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر رحمة الله بل قال إلى ذكر الله ، وقد بين الله تعالى هذا المعنى في قوله تعالى : { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام } وفي قوله : { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } وأيضا قال لأمة موسى : { يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } وقال أيضا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم : { فاذكروني أذكركم } .

السؤال الرابع : لم قال في جانب الخوف قشعريرة الجلود فقط ، وفي جانب الرجاء لين الجلود والقلوب معا ؟ والجواب : لأن المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف ، لأن الخير مطلوب بالذات والشر مطلوب بالعرض ومحل المكاشفات هو القلوب والأرواح ، والله أعلم .

ثم إنه تعالى لما وصف القرآن بهذه الصفات قال : { ذلك هدى الله يهدى به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد } فقوله : { ذلك } إشارة إلى الكتاب وهو هدى الله يهدي به من يشاء من عباده وهو الذي شرح صدره أولا لقبول هذه الهداية { ومن يضلل الله } أي من جعل قلبه قاسيا مظلما بليد الفهم منافيا لقبول هذه الهداية { فما له من هاد } واستدلال أصحابنا بهذه الآية وسؤالات المعتزلة وجوابات أصحابنا عين ما تقدم في قوله : { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام } .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ} (23)

{ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث } هو القرآن الكريم ، وكونه حديثاً بمعنى كونه كلاماً محدثاً به لا بمعنى كونه مقابلاً للقديم ، ومن قال بالتلازم من الأشاعرة القائلين بحدوث الكلام اللفظي جعل الأوصاف الدالة على الحدوث لذلك الكلام ، وجوز أن يكون إطلاق الحديث هنا على القرآن من باب المشاكلة . عن ابن عباس أن قوماً من الصحابة قالوا : يا رسول الله حدثنا بأحاديث حسان وبأخبار الدهر فنزلت ، وعن ابن مسعود أن الصحابة ملوا ملة فقالوا له عليه الصلاة والسلام حدثنا فنزلت أي إرشاداً لهم إلى ما يزيل مللهم وهو تلاوة القرآن واستماعه منه صلى الله عليه وسلم غضاً طرياً . وفي إيقاع اسم الله تعالى مبتدأ أو بناء { نَزَّلَ } عليه تفخيم لأحسن الحديث واستشهاد على أحسنيته وتأكيد لاستناده إلى الله عز وجل وأن مثله لا يمكن أن يتكلم به غيره سبحانه ، أما التفخيم فلأنه من باب الخليفة عند فلان ، وأما الاستشهاد على أحسنيته فلكونه ممن لا يتصور أكمل منه بل لا كمال لشيء ما في جنبه بوجه ، وأما توكيد الاستناد إليه تعالى فمن التقوى ، وأما إن مثله لا يمكن أن يتكلم به غيره سبحانه فلمكان التناسب لأن أكمل الحديث إنما يكون من أكمل متكلم ضرورة ، ومذهب الزمخشري أن مثل هذا التركيب يفيد الحصر وأنه لا تنافي بينه وبين التقوى جمعاً فافهم .

{ كتابا } بدل من { أَحْسَنَ الحديث } أو حال منه كما قال الزمخشري ، وليس مبنياً على القول بأن إضافة أفعل التفضيل تفيده تعريفاً كما ظن أبو حيان فإن مطلق الإضافة كافية في صحة الحالية كما لا يخفى على من له أدنى إلمام بالعربية ، ووقوعه حالاً مع كونه اسماً لا صفة إما لوصفه بقوله تعالى : { متشابها } أو لكونه في قوة مكتوباً .

والمراد بكونه متشابهاً هنا تشابه معانيه في الصحة والأحكام والابتناء على الحق والصدق واستتباع منافع الخلق في المعاد والمعاش وتناسب ألفاظه في الفصاحة وتجاوب نظمه في الإعجاز ، وما أشبه هذا بقول العرب في الوجه الكامل حسناً وجه متناصف كأن بعضه أنصف بعضاً في القسط من جمال ، وقوله تعالى : { مَّثَانِيَ } صفة أخرى لكتاباً أو حال أخرى منه ، وهو جمع مثنى بضم الميم وفتح النون المشددة على خلاف القياس إذ قياسه مثنيات بمعنى مردد ومكرر لما كرر وثنى من أحكامه ومواعظه وقصصه ، وقيل : لأنه يثني في التلاوة .

وجوز أن يكون جمع مثنى بالفتح مخففاً من التثنية بمعنى التكرير والإعادة كما كان قوله تعالى : { فارجع البصر كَرَّتَيْنِ } [ الملك : 4 ] بمعنى كرة بعد كرة وكذلك لبيك وسعديك ، والمراد أنه جمع لمعنى التكرير والإعادة كما ثنى ما ذكر لذلك لكن استعمال المثنى في هذا المعنى أكثر لأنه أول مراتب التكرار ، ويحتمل أن يراد أن مثنى بمعنى التكرير والإعادة كما أن صريح المثنى كذلك في نحو كرتين ثم جمع للمبالغة ، وقيل : جمع مثنية لاشتماله آياته على الثناء على الله تعالى أو لأنها تثني ببلاغتها وإعجازها على المتكلم بها ، ولا يخفى أن رعاية المناسبة مع { متشابها } تجعل ذلك مرجوحاً وأنه حسن إذا حمل على الثناء باعتبار الإعجاز ، وفي «الكشف » الاقيس بحسب اللفظ أن { مَّثَانِيَ } اشتقت من الثناء أو الثني جمع مثنى مفعل منهما إما بمعنى المصدر جمع لما صير صفة أو بمعنى المكان في الأصل نقل إلى الوصف مبالغة نحو أرض مأسدة لأن محل الثناء يقع على سبيل المجاز على الثاني والمثنى عليه وكذلك محل الثني انتهى ، ووقوعه صفة لكتاب باعتبار تفاصيله وتفاصيل الشيء هي جملته لا غير ألا تراك تقول : القرآن أسباع وأخماس وسور وآيات فكذلك تقول : هو أحكام ومواعظ وأقاصيص مثاني ونظيره قولك الإنسان عروق وعظام وأعصاب إلا أنك تركت الموصوف إلى الصفة والأصل كتاباً متشابهاً فصلاً مثاني ، ويجوز أن يكون تمييزاً محولاً عن الفاعل والأصل متشابهاً مثانيه فحول ونكر لأن الأكثر فيه التنكير وهذا كقولك : رأيت رجلاً حسناً شمائل ، وقرأ هشام .

وأبو بشر { مَّثَانِيَ } بسكون الياء فاحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف وإن يكون منصوباً وسكن الياء على لغة من يسكنها في كل الأحوال لانكسار ما قبلها استثقالاً للحركة عليها ، وقوله تعالى : { تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } قيل صفة لكتاباً أو حال منه لتخصصه بالصفة ، وقال بعض : الأظهر أنه استئناف مسوق لبيان آثاره الظاهرة في سامعيه بعد بيان أوصافه في نفسه ولتقرير كونه أحسن الحديث .

والاقشعرار التقبض يقال اقشعر الجلد إذا تقبض تقبضاً شديداً وتركيبه من القشع وهو الأديم اليابس قد ضم إليه الراء ليكون رباعياً ودالاً على معنى زائد يقال : اقشعر جلده وقف شعره إذا عرض له خوف شديد من أمر هائل دهمه بغتة ، والمراد تصوير خوفهم بذكر لوازمه المحسومة ويطلق عليه التمثيل وإن كان من باب الكناية .

وقيل : هو تصوير للخوف بذكر آثارها وتشبيه حالة بحالة فيكون تمثيلاً حقيقة ، والأول أحسن لأن تشبيه القصة بالقصة على سبيل الاستعارة ههنا لا يخلو عن تكلف ، واستظهر كون المراد بيان حصول تلك الحالة وعروضها لهم بطريق التحقيق ، والمعنى أنهم إذا سمعوا القرآن وقوارع آيات وعيده أصابتهم رهبة وخشية تقشعر منها جلودهم وإذا ذكروا رحمة لله تعالى عند سماع آيات وعده تعالى والطافه تبدلت خشيتهم رجاء ورهبتهم رغبة وذلك قوله تعالى : { ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله } أي ساكنة مطمئنة إلى ذكر رحمته تعالى ، وإنما لم يصرح بالرحمة إيذاناً بأنها أول ما يخطر بالبال عند ذكره تعالى لأصالتها كما يرشد إليه خبر سبقت رحمتى غضبي ، وذكر القلوب لتقدم الخشية التي هي من عوارضها ولعله إنما لم تذكر هناك على طرز ذكرها هنا لأنها لا توصف بالاقشعرار وتوصف باللين ، وليس في الآية أكثر من نعت أوليائه باقشعرار الجلود من القرآن ثم سكونهم إلى رحمته عز وجل ، وليس فيها نعتهم بالصعق والتواجد والصفق كما يفعله بعض الناس ، أخرج سعيد بن منصور ، وابن المنذر .

وابن مردويه . وابن أبي حاتم . وابن عساكر عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال : قلت لجدتي أسماء كيف كان يصنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اقرؤوا القرآن ؟ قالت : كانوا كما نعتهم الله تعالى تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم قلت : فإن ناساً ههنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم غشية قالت : أعوذ بالله تعالى من الشيطان ، وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عامر عن عبد الله بن الزبير قال : جئت أمي فقلت وجدت قوماً ما رأيت خيراً منهم قط يذكرون الله تعالى فيرعد أحدهم حتى يغشى عليه من خشية الله تعالى فقالت : لا تقعد معهم ثم قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن ورأيت أبا بكر . وعمر يتلوان القرآن ورأيت أبا بكر . وعمر يتلوان القرآن فلا يصيبهم هذا أفتراهم أخشى من أبي بكر وعمر ، وقال ابن عمر وقد رأى ساقطاً من سماع القرآن فقال إنا لنخشى الله تعالى وما نسقط : هؤلاء يدخل الشيطان في جوف أحدهم ، وأخرج عبد الرزاق . وعبد بن حميد . وابن المنذر عن قتادة أنه قال في الآية هذا نعت أولياء الله تعالى قال : تقشعر جلودهم وتبكي أعينهم وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله تعالى ولم ينعتهم الله سبحانه بذهاب عقولهم والغشيان عليهم إنما هذا في أهل البدع وإنما هو من الشيطان ، وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن جبير : قال الصعقة من الشيطان ، وقال ابن سيرين : بيننا وبين هؤلاء الذين يصرعون عند قراءة القرآن أن يجعل أحدهم على حائط باسطاً رجليه ثم يقرأ عليهم القرآن كله فإن رمي بنفسه فهو صادق ، فهذه أخبار ناعية على بعض المتصوفة صعقهم وتواجدهم وضرب رؤسهم الأرض عند سماع القرآن ويقول مشايخهم : إن ذلك لضعف القلوب عن تحمل الوارد وليس فاعلو ذلك في الكمال كالصحابة أهل الصدر الأول في قوة التحمل فما هو إلا دليل النقص بدليل إن السالك إذا كمل رسخ وقوي قلبه ولم يصدر منه شيء من ذلك ويقولون : ليس في الآية أكثر من إثبات الإقشعرار واللين وليس فيها نفي أن يعتريهم حال آخر بل في الآية إشعار بأن المذكور حال الراسخين الكاملين حيث قال سبحانه : { الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم } فعبر بالموصول ومقتضى معلومية الصلة أن لهم رسوخاً في الخشية حتى يعلموا بها فلا يلزم من كون حالهم ما ذكر ليس إلا على فرض دلالتها على الحصر كون حال غيرهم كذلك ثم إنه متى كان الأمر ضرورياً كالعطاس لا اعتراض على من يتصف به ، وفي كلام ابن سيرين ما يؤيد ذلك ، وهذا غاية ما يقال في هذا المجال ونحن نسأل الله تعالى أن يتفضل علينا بما تفضل به على أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم { ذلك هُدَى الله } الإشارة إلى الكتاب الذي شرح أحواله { يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء } أي من يشاء الله تعالى هدايته بأن يوفقه سبحانه للتأمل فيما في تضاعيفه من شواهد الحقية ودلائل كونه من عنده عز وجل ، وجوز أن يكون ضمير { يَشَاء } لمن والمعنى يهدي به الله تعالى من يشاء هداية الله تعالى وليس بذاك .

{ وَمَن يُضْلِلِ الله } أي يخلق سبحانه فهي الضلال لإعراضه عما يرشده إلى الحق بسوء استعداده { فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } يخلصه من ورطة الضلال ، وقيل : الإشارة بذلك إلى المذكور من الإقشعرار واللين والمعنى ذلك من ذكر من الخشية والرجاء أثر هداه تعالى يهدي بذلك الأثر من يشاء من عباده ومن يضلله أي ومن لم يؤثر فيه لقسوة قلبه وإصراره على فجوره فما له من هاد أي من مؤثر فيه بشيء قط وهو كما ترى .

ومن باب الإشارة : { الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كتابا متشابها مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } إذا قرعت صفات الجلال أبواب قلوبهم { ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله } [ الزمر : 23 ] بالشوق والطلب