ثم قال تعالى : { ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا }
فإن قيل : ما الفائدة في تكرير قوله { ولله ما في السموات وما في الأرض }
قلنا : إنه تعالى ذكر هذه الكلمات في هذه الآية ثلاث مرات لتقرير ثلاثة أمور : فأولها : أنه تعالى قال : { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته } والمراد منه كونه تعالى جوادا متفضلا ، فذكر عقيبه قوله { ولله ما في السموات وما في الأرض } والغرض تقرير كونه واسع الجود والكرم ، وثانيها : قال { وإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض } والمراد منه أنه تعالى منزه عن طاعات المطيعين وعن ذنوب المذنبين ، فلا يزداد جلاله بالطاعات ، ولا ينقص بالمعاصي والسيئات ، فذكر عقيبه قوله { فإن لله ما في السموات وما في الأرض } والغرض منه تقرير كونه غنيا لذاته عن الكل ، وثالثها : قال : { ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا } والمراد منه أنه تعالى قادر على الإفناء والإيجاد ، فإن عصيتموه فهو قادر على إعدامكم وإفنائكم بالكلية ، وعلى أن يوجد قوما آخرين يشتغلون بعبوديته وتعظيمه ، فالغرض هاهنا تقدير كونه سبحانه وتعالى قادرا على جميع المقدورات ، وإذا كان الدليل الواحد دليلا على مدلولات كثيرة فإنه يحسن ذكر ذلك الدليل ليستدل به على أحد تلك المدلولات ، ثم يذكره مرة أخرى ليستدل به على الثاني ، ثم يذكره ثالثا ليستدل به على المدلول الثالث ، وهذه الإعادة أحسن وأولى من الاكتفاء بذكر الدليل مرة واحدة ، لأن عند إعادة ذكر الدليل يخطر في الذهن ما يوجب العلم بالمدلول ، فكان العلم الحاصل بذلك المدلول أقوى وأجلى ، فظهر أن هذا التكرير في غاية الحسن والكمال . وأيضا فإذا أعدته ثلاث مرات وفرعت عليه في كل مرة إثبات صفة أخرى من صفات جلال الله تنبه الذهن حينئذ لكون تخليق السماوات والأرض دالا على أسرار شريفة ومطالب جليلة ، فعند ذلك يجتهد الإنسان في التفكر فيها والاستدلال بأحوالها وصفاتها على صفات الخالق سبحانه وتعالى ، ولما كان الغرض الكلي من هذا الكتاب الكريم صرف العقول والأفهام عن الاشتغال بغير الله إلى الاستغراق في معرفة الله ، وكان هذا التكرير مما يفيد حصول هذا المطلوب ويؤكده ، لا جرم كان في غاية الحسن والكمال . وقوله { وكان الله على ذلك قديرا } معناه أنه تعالى لم يزل ولا يزال موصوفا بالقدرة على جميع المقدورات ، فإن قدرته على الأشياء لو كانت حادثة لافتقر حدوث تلك القدرة إلى قدرة أخرى ولزم التسلسل .
{ إِن يَشَأْ } إن يرد إذهابكم وإيجاد آخرين { يُذْهِبْكُمْ } يفنكم ويهلككم . { أَيُّهَا الناس وَيَأْتِ بِاخَرِينَ } أي يوجد مكانكم دفعة قوماً آخرين من البشر ، فالخطاب لنوع من الناس ، وقد أخرج سعيد بن منصور وابن جرير من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه " أنه لما نزل قوله تعالى : { وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ } [ محمد : 38 ] ضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده على ظهر سلمان الفارسي رضي الله عنه ، وقال : إنهم قوم هذا " وفيه نوع تأييد لما ذكر في هذه الآية ، وما نقل عن العراقي أن الضرب كان عند نزولها وحينئذ يتعين ما ذكر سهو على ما نص عليه الجلال السيوطي ، وجوز الزمخشري وابن عطية ومقلدوهما أن يكون المراد خلقاً آخرين أي جنساً غير جنس الناس ، وتعقبه أبو حيان بأنه خطأ وكونه من قبيل المجاز كما قيل لا يتم به المراد لمخالفته لاستعمال العرب فإن غيراً تقع على المغاير في جنس أو وصف ، وآخر لا يقع إلا على المغايرة بين أبعاض جنس واحد .
وفي «درّة الغواص في أوهام الخواص » أنهم يقولون : ابتعت عبداً وجارية أخرى فيوهمون فيه لأن العرب لم تصف بلفظي آخر وأخرى وجمعهما إلا ما يجانس المذكور قبله كما قال تعالى : { أَفَرَءيْتُمُ اللات والعزى * ومناة الثالثة الاخرى } [ النجم : 19 ، 20 ] وقوله سبحانه : { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } [ البقرة : 185 ] فوصف جل اسمه مناة بالأخرى لما جانست العزى اللات ووصف الأيام بالأخر لكونها من جنس الشهر ، والأمة ليست من جنس العبد لكونها مؤنثة وهو مذكر فلم يجز لذلك أن يتصف بلفظ أخرى كما لا يقال : جاءت هند ورجل آخر ، والأصل في ذلك أن آخر من قبيل أفعل الذي يصحبه من ، ويجانس المذكور بعده كما يدل على ذلك أنك إذا قلت : قال : الفند الزماني ، وقال آخر : كان تقدير الكلام ، وقال آخر : من الشعراء وإنما حذفت لفظة من لدلالة الكلام عليها ، وكثرة استعمال آخر في النطق ، وفي «الدر المصون » إن هذا غير متفق عليه ، وإنما ذهب إليه كثير من النحاة وأهل اللغة ؛ وارتضاه نجم الأئمة الرضي إلا أنه يردّ على الزمخشري ومن معه أن آخرين صفة موصوف محذوف ، والصفة لا تقوم مقام موصوفها إلا إذا كانت خاصة نحو مررت بكاتب ، أو إذا دل الدليل على تعيين الموصوف وهنا ليست بخاصة فلا بد أن يكون من جنس الأول لتدل على المحذوف ؛ وقال ابن يسعون والصقلي وجماعة : إن العرب لا تقول : مررت برجلين وآخر لأنه إنما يقابل آخر ما كان من جنسه تثنية وجمعاً وإفراداً ، وقال ابن هشام هذا غير صحيح لقول ربيعة بن يكدم :
ولقد ( شفعتهما بآخر ثالث ) *** وأبى الفرار إلى الغداة تكرمى
وكنت أمشي على ثنتين معتدلا *** فصرت أمشيء على ( أخرى ) من الشجر
وإنما يعنون بكونه من جنس ما قبله أن يكون اسم الموصوف بآخر في اللفظ ، أو التقدير يصح وقوعه على المتقدم الذي قوبل بآخر على جهة التواطؤ ولذلك لو قلت : جاءني زيد وآخر كان سائغاً لأن التقدير ورجل آخر ، وكذا جاءني زيد وأخرى تريد نسمة أخرى ؛ وكذا اشتريت فرساً ومركوباً آخر سائغ ، وإن كان المركوب الآخر جملاً لوقوع المركوب عليهما بالتواطؤ فإن كان وقوع الاسم عليهما على جهة الإشتراك المحض فإن كانت حقيقتهما واحدة جازت المسألة نحو قام أحد الزيدين وقعد الآخر ، وإن لم تكن حقيقتهما واحدة لم تجز لأنه لم يقابل به ما هو من جنسه نحو رأيت المشتري والمشتري الآخر تريد بأحدهما الكوكب ، وبالآخر مقابل البائع ، وهل يشترط مع التواطؤ اتفاقهما في التذكير ؟ فيه خلاف ، فذهب المبرد إلى عدم اشتراطه فيجوز جاءتني جاريتك وإنسان آخر ، واشتراطه ابن جني ، والصحيح ما ذهب إليه المبرد بدليل قول عنترة :
والخيل تقتحم الغبار عوابسا *** من بين منظمة ( وآخر ينظم )
/ وما ذكر من أن آخر يقابل به ما تقدمه من جنسه هو المختار ، وإلا فقد يستعملونه من غير أن يتقدمه شيء من جنسه ، وزعم أبو الحسن أن ذلك لا يجوز إلا في الشعر ، فلو قلت : جاءني آخر من غير أن تتكلم قبله بشيء من صنفه لم يجز ، ولو قلت : أكلت رغيفاً ، وهذا قميص آخر لم يحسن ، وأما قول الشاعر :
صلى على عزة الرحمن وابنتها *** ليلى وصلى على جاراتها ( الأخر )
فمحمول على أنه جعل ابنتها جارة لها لتكون الأخرى من جنسها ، ولولا هذا التقدير لما جاز أن يعقب ذكر البنت بالجارات ، بل كان يقول : وصلى على بناتها الأخر ، وقد قوبل في البيت أيضاً أخر وهو جمع بابنتها وهو مفرد ، وزعم السهيلي أن أخرى في قوله تعالى : { ومناة الثالثة الاخرى } [ النجم : 20 ] استعملت من غير أن يتقدمها شيء من صنفها لأنه غير مناة الطاغية التي كانوا يهلون إليها بقديد ؛ فجعلها ثالثة اللاة والعزى ، وأخرى لمناة التي كان يعبدها عمرو بن الجموح وغيره من قومه مع أنه لم يتقدم لها ذكر ، والصواب أنه جعلها أخرى بالنظر إلى اللات والعزى ، وساغ ذلك لأن الموصوف بالأخرى ، وهو الثالثة يصح وقوعه على اللات والعزى ، ألا ترى أن كل واحدة منهنّ ثالثة بالنظر إلى صاحبتها ؟ وإنما اتجه ذلك لما ذكره أبو الحسن من أن استعمال آخر وأخرى من غير أن يتقدمهما صنفهما لا يجوز إلا في الشعر انتهى .
وهو تحقيق نفيس إلا أنه سيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق الكلام في الآية الآتي ذكرها ، وفي «المسائل الصغرى » للأخفش في باب عقده لتحقيق هذه المسألة أن العرب لا تستعمل آخر إلا فيما هو من صنف ما قبله ، فلو قلت : أتاني صديق لك وعدو لك آخر لم يحسن لأنه لغو من الكلام ، وهو يشبه سائر وبقية وبعض في أنه لا يستعمل إلا في جنسه ، فلو قلت : ضربت رجلاً وتركت سائر النساء لم يكن كلاماً ، وقد يجوز ما امتنع بتأويل كرأيت فرساً وحماراً آخر نظراً إلى أنه دابة قال امرؤ القيس :
إذا قلت : هذا صاحبي ورضيته *** وقرت به العينان بدلت ( آخرا )
وفي الحديث : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد خفة في مرضه فقال : أنظروا من أتكيء عليه فجاءت بريرة ورجل آخر فاتكأ عليهما " وحاصل هذا أنه لا يوصف بآخر إلا ما كان من جنس ما قبله لتتبين مغايرته في محل يتوهم فيه اتحاده ولو تأويلاً ، وحينئذ لا يكون ما ذكره الزمخشري نصاً في الخطأ ومخالفة استعمال العرب المعول عليه عند الجمهور { وَكَانَ الله على ذلك } أي إفنائكم بالمرة وإيجاد آخرين { قَدِيراً } بليغ القدرة لكنه سبحانه لم يفعل وأبقاكم على ما أنتم عليه من العصيان لعدم تعلق مشيئته لحكمة اقتضت ذلك لا لعجزه سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.