ثم قال تعالى : { فإن عثر على أنهما استحقا إثما } قال الليث رحمه الله : عثر الرجل يعثر عثورا إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره . وأعثرت فلانا على أمري أي أطلعته عليه ، وعثر الرجل يعثر عثرة إذا وقع على شيء ، قال أهل اللغة : وأصل عثر بمعنى اطلع من العثرة التي هي الوقوع وذلك لأن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه ، فلما عثر به اطلع عليه ونظر ما هو ، فقيل لكل من اطلع على أمر كان خفيا عليه قد عثر عليه ، وأعثر غيره إذا أطلعه عليه ، ومنه قوله تعالى : { وكذلك أعثرنا عليهم } أي أطلعنا ، ومعنى الآية فإن حصل العثور والوقوف على أنهما أتيا بخيانة واستحقا الإثم بسبب اليمين الكاذبة .
ثم قال تعالى : { فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن معنى الآية فإن عثر بعدما حلف الوصيان على أنهما استحقا إثما أي حنثا في اليمين بكذب في قول أو خيانة في مال قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت فيحلفان بالله لقد ظهرنا على خيانة الذميين وكذبهما وتبديلهما وما اعتدينا في ذلك وما كذبنا . وروي أنه لما نزلت الآية الأولى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر ودعا بتميم وعدي فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنه لم يجد منا خيانة في هذا المال ولما حلفا خلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهما وكتما الإناء مدة ثم ظهروا واختلفوا فقيل : وجد بمكة .
وقيل : لما طالت المدة أظهرا الإناء فبلغ ذلك بني سهم فطالبوهما فقالا كنا قد اشتريناه منه فقالوا ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئا فقلتما لا ؟ فقالا لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نعثر فكتمنا فرفعوا القصة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : { فإن عثر } الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي رفاعة السهميان فحلفا بالله بعد العصر فدفع الرسول صلى الله عليه وسلم الإناء إليهما وإلى أولياء الميت . وكان تميم الداري يقول بعدما أسلم : صدق الله ورسوله أنا أخذت الإناء فأتوب إلى الله تعالى ، وعن ابن عباس أنه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري فلما أسلم أخبر بذلك وقال : حلفت كاذبا وأنا وصاحبي بعنا الإناء بألف وقسمنا الثمن . ثم دفع خمسمائة درهم من نفسه ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ودفع الألف إلى موالي الميت .
المسألة الثانية : قوله { فآخران يقومان مقامهما } أي مقام الشاهدين اللذين هما من غير ملتهما وقوله { من الذين استحق عليهم الأوليان } المراد به موالي الميت ، وقد أكثر الناس في أنه لما وصف موالي الميت بهذا الوصف ، والأصح عندي فيه وجه واحد ، وهو أنهم إنما وصفوا بذلك لأنه لما أخذ مالهم فقد استحق عليهم مالهم فإن من أخذ مال غيره فقد حاول أن يكون تعلقه بذلك المال مستعليا على تعلق مالكه به فصح أن يوصف المالك بأنه قد استحق عليه ذلك المال .
المسألة الثالثة : أما قوله { الأوليان } ففيه وجوه : الأول : أن يكون خبر المبتدأ محذوف والتقدير : هما الأوليان وذلك لأنه لما قال { فآخران يقومان مقامهما } فكأنه قيل : ومن هما فقيل الأوليان : والثاني : أن يكون بدلا من الضمير الذي في { يقومان } والتقدير فيقوم الأوليان ، والثالث : أجاز الأخفش أن يكون قوله { الأوليان } صفة لقوله { فآخران } وذلك لأن النكرة إذا تقدم ذكرها ثم أعيد عليها الذكر صارت معرفة ، كقوله تعالى { كمشكاة فيها مصباح } فمصباح نكرة قم قال { المصباح } ثم قال { في زجاجة } ثم قال { الزجاجة } ، وهذا مثل قولك رأيت رجلا ، ثم يقول إنسان من الرجل ، فصار بالعود إلى ذكره معرفة . الرابع : يجوز أن يكون قوله { الأوليان } بدلا من قوله آخران ، وإبدال المعرفة من النكرة كثير .
المسألة الرابعة : إنما وصفهما بأنهما أوليان لوجهين : الأول : معنى الأوليان الأقربان إلى الميت . الثاني : يجوز أن يكون المعنى الأوليان باليمين ، والسبب فيه أن الوصيين قد ادعيا أن الميت باع الإناء الفضة فانتقل اليمين إلى موالي الميت ، لأن الوصيين قد ادعيا أن مورثهما باع الإناء وهما أنكرا ذلك ، فكان اليمين حقا لهما ، وهذا كما أن إنسانا أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادعى الدين أولا لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه .
المسألة الخامسة : القراءة المشهورة للجمهور استحق بضم التاء وكسر الحاء ، والأوليان تثنية الأولى ، وقد ذكرنا وجهه وقراءة حمزة وعاصم في رواية أبي بكر الأولين بالجمع ، وهو نعت لجميع الورثة المذكورين في قوله { من الذين استحق عليهم } وتقديره من الأولين الذين استحق عليهم مالهم وإنما قيل لهم الأولين من حيث كانوا أولين في الذكر ، ألا ترى أنه قد تقدم { يأيها الذين ءامنوا شهادة بينكم } وكذلك { اثنان ذوا عدل } ذكرا في اللفظ قبل قوله { أو آخران من غيركم } وقرأ حفص وحده بفتح التاء والحاء الأوليان على التثنية ، ووجهه أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصاية ولما خانا في مال الورثة صح أن يقال إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان ، وقرأ الحسن الأولان ، ووجهه ظاهر مما تقدم .
ثم قال تعالى : { فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين } .
والمعنى ظاهر أي وما اعتدينا في طلب هذا المال ، وفي نسبتهم إلى الخيانة . وقوله { إنا إذا لمن الظالمين } أي إنا إذا حلفنا موقنين بالكذب معتقدين الزور والباطل .
{ فَإِنْ عُثِرَ } أي اطلع يقال عثر الرجل على الشيء عثوراً إذا اطلع عليه . وقال الغوري : تقول عثرت إذا اطلعت على ما كان خفياً وهو مجاز بحسب الأصل من قولهم : عثر إذا كبا وذلك أن العاثر ينظر إلى موضع عثاره فيعرفه ويطلع عليه ، وقال الليث : إن مصدر عثر بمعنى اطلع العثور وبمعنى كبا العثار وحينئذ يخفى القول بالمجاز لأن اختلاف المصدر ينافيه فلا تتأتى تلك الدعوى إلا على ما قاله الراغب من اتحاد المصدرين ، وفي «القاموس » «عثر كضرب ونصر وعِلم وكُرم عَثْراً وعَثِيراً وعِثاراً كبا . والعثور الإطلاع كالعثر » وظاهر هذا أن لا مجاز . ويفهم منه أيضاً الاتحاد في بعض المصادر فافهم ، والمراد فإن عثر بعد التحليف .
{ على أَنَّهُمَا } أي الشاهدين الحالفين { استحقا إِثْماً } أي فعلاً ما يوجبه من تحريف وكتم بأن ظهر بأيديهما شيء من التركة وادعيا استحقاقهما له بوجه من الوجوه ، وقال الجبائي : الكلام على حذف مضاف أي استحقا عقوبة إثم { فَآخَرَانِ } أي فرجلان آخران . وهو مبتدأ خبره قوله تعالى : { يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا } والفاء جزائية وهي إحدى مصوغات الابتداء بالنكرة . ولا محذور في الفصل بالخبر بين المبتدأ وصفته وهو قوله سبحانه : { مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ الاوليان } ، وقيل : هو خبر مبتدأ محذوف أي فالشاهدان آخران ، وجملة { يِقُومَانُ } صفته والجار والمجرور صفة أخرى ؛ وجوز أبو البقاء أن يكون حالاً من ضمير { يِقُومَانُ } ، وقيل : هو فاعل فعل محذوف أي فليشهد آخران وما بعده صفة له ، وقيل : مبتدأ خبره الجار والمجرور ، والجملة الفعلية صفته وضمير { مَقَامَهُمَا } في جميع هذه الأوجه مستحق للذين استحقا . وليس المراد بمقامهما مقام أداء الشهادة التي تولياها ولم يؤدياها كما هي بل هو مقام الحبس والتحليف ، و { استحق } بالبناء للفاعل قراءة عاصم في رواية حفص عنه وبها قرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وأبي رضي الله تعالى عنهم وفاعله { الاوليان } ، والمراد من الموصول أهل الميت ومن الأوليين الأقربان إليه الوارثان له الأحقان بالشهادة لقربهما واطلاعهما وهما في الحقيقة الآخران القائمان مقام اللذين استحقا إثماً إلا أنه أقيم المظهر مقام ضميرهما للتنبيه على وصفهما بهذا الوصف .
/ ومفعول { استحق } محذوف واختلفوا في تقديره فقدره الزمخشري أن يجردوهما للقيام بالشهادة ليظهروا بهما كذب الكاذبين ، وقدره أبو البقاء وصيتهما ، وقدره ابن عطية ما لهم وتركتهم . وقال الإمام : إن المراد بالأوليان الوصيان اللذان ظهرت خيانتهما . وسبب أولويتهما أن الميت عينهما للوصية فمعنى { استحق عَلَيْهِمُ الاوليان } خان في مالهم وجنى عليهم الوصيان اللذان عثر على خيانتهما . وعلى هذا لا ضرورة إلى القول بحذف المفعول ، وقرأ الجمهور { استحق عَلَيْهِمُ الاوليان } ببناء استحق للمفعول .
واختلفوا في مرجع ضميره والأكثرون أنه الإثم ، والمراد من الموصول الورثة لأن استحقاق الإثم عليهم كناية عن الجناية عليهم ولا شك أن الذين جنى عليهم وارتكب الذنب بالقياس إليهم هم الورثة ، وقيل : إنه الإيصاء ، وقيل : الوصية لتأويلها بما ذكر ، وقيل : المال ، وقيل : إن الفعل مسند إلى الجار والمجرور ، وكذا اختلفوا في توجيه رفع { الاوليان } فقيل : إنه مبتدأ خبره آخران أي الأوليان بأمر بالميت آخران ، وقيل : بالعكس ، واعترض بأن فيه الإخبار عن النكرة بالمعرفة وهو مما اتفق على منعه في مثله ، وقيل : خبر مبتدأ مقدر أي هما الآخران على الاستئناف البياني ، وقيل : بدل من آخران ، وقيل : عطف بيان عليه ، ويلزمه عدم اتفاق البيان والمبين في التعريف والتنكير مع أنهما شرطوه فيه حتى من جوز تنكيره ، نعم نقل عن نزر عدم الاشتراط ، وقيل : هو بدل من فاعل { يِقُومَانُ } . وكون المبدل منه في حكم الطرح ليس من كل الوجوه حتى يلزم خلو تلك الجملة الواقعة خبراً أو صفة عن الضمير ، على أنه لو طرح وقام هذا مقامه كان من وضع الظاهر موضع الضمير فيكون رابطاً . وقيل : هو صفة آخران ، وفيه وصف النكرة بالمعرفة . والأخفش أجازه هنا لأن النكرة بالوصف قربت من المعرفة . قيل : وهذا على عكس :
ولقد أمر على اللئيم يسبني *** فإنه يؤول فيه المعرفة بالنكرة وهذا أول فيه النكرة بالمعرفة أو جعلت في حكمها للوصف ، ويمكن كما قال بعض المحققين أن يكون منه بأن يجعل الأوليان لعدم تعينهما كالنكرة . وعن أبي علي الفارسي أنه نائب فاعل { استحق } والمراد على هذا استحق عليهم انتداب الأوليين منهم للشهادة كما قال الزمخشري أو إثم الأوليين كما قيل وهو تثنية الأولى قلبت ألفه ياء عندها ، وفي على في { عَلَيْهِمْ } أوجه الأول : أنها على بابها . والثاني : أنها بمعنى في . والثالث : أنها بمعنى من وفسر { استحق } بطلب الحق وبحق وغلب وقرأ يعقوب وخلف وحمزة وعاصم في رواية أبي بكر عنه { استحق عَلَيْهِمُ * الاولين } ببناء استحق للمفعول ، والأولين جمع أول المقابل للآخر وهو مجرور على أنه صفة { الذين } أو بدل منه أو من ضمير { عَلَيْهِمْ } أو منصوب على المدح ، ومعنى الأولية التقدم على الأجانب في الشهادة . وقيل : التقدم في الذكر لدخولهم في { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } . وقرأ الحسن { *الأولان } بالرفع وهو كما قدمنا في الأوليان ؛ وقرىء «الأولين » بالتثنية والنصب ، وقرأ ابن سيرين { *الأوليين } بياءين تثنية أولى منصوباً ، وقرىء { أساطير الاولين } بسكون الواو وفتح اللام جمع أولى كأعلين وإعراب ذلك ظاهر .
{ فَيُقْسِمَانِ بالله } عطف على { يِقُومَانُ } والسببية ظاهرة . وقوله سبحانه { لشهادتنا أَحَقُّ مِن شهادتهما } جواب القسم .
والمراد بالشهادة عند الكثير ومنهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما اليمين كما في قوله عز وجل : { فشهادة أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شهادات بالله } [ النور : 6 ] وسميت اليمين شهادة على ما قاله الطبرسي «لأن اليمين كالشهادة على ما يحلف عليه أنه كذلك » أي ليميننا على أنهما كاذبان فيما ادعيا من الاستحقاق مع كونها حقة صادقة في نفسها أولى بالقبول من يمينهما مع كونها كاذبة في نفسها لما أنه قد ظهر للناس استحقاقهما للإثم ويميننا منزهة عن الريب والريبة وصيغة التفضيل إنما هي لإمكان قبول يمينهما في الجملة باعتبار صدقهما في ادعاء تملكهما لما ظهر في أيديهما ، وقيل : إن الشهادة على معناها المتبادر عند الإطلاق ، وسيأتي إن شاء الله تعالى عن بعض المحققين غير ذلك .
وقوله عز شأنه : { وَمَا اعتدينا } عطف على الجواب أي ما تجاوزنا في شهادتنا الحق وما اعتدينا عليهما بإبطال حقهما . وقوله تعالى : { إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظالمين } استئناف مقرر لما قبله أي إنا إذا اعتدينا فيما ذكر لمن الظالمين أنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعذابه أو لمن الواضعين الحق في غير موضعه ، ومعنى الآيتين عند غير واحد من المفسرين أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يشهد عدلين من ذوي دينه أو نسبه فإن لم يجدهما بأن كان في سفر فآخران من غيرهم ، ثم إن وقع ارتياب في صدقهما أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ في الوقت فإن اطلع على كذبهما بأمارة حلف آخران من أهل الميت . وادعى أن الحكم منسوخ إذا كان الإثنان شاهدين فإنه لا يحلف الشاهد ولا يعارض يمينه بيمين الوارث ، وقيل : إن التحليف لم ينسخ لكنه مشروط بالريبة .
وقد روي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما ، وفي بعض كتب الحنفية أن الشاهد إن لم يجد من يزكيه يجوز تحليفه احتياطاً وهذا خلاف المفتى به كما بسط في محله . وكذا ادعى البعض النسخ أيضاً على تقدير أن يكون المراد بالشاهدين في السفر غير مسلمين لأن شهادة الكافر على المسلم لا تقبل مطلقاً ، وروى حديث النسخ ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقال بعضهم : لا نسخ وأجاز شهادة الذمي على المسلم في هذه الصورة .
وروي عن أبي موسى الأشعري أنه حكم لما كان والياً على الكوفة بمحضر من الصحابة بشهادة ذميين بعد تحليفهما في وصية مسلم في السفر وإلى ذلك ذهب الإمام أحمد بن حنبل ، وقال آخرون : الإثنان وصيان وحكم تحليفهما إذا ارتاب الورثة غير منسوخ ، وما أفادته الآية من رد اليمين على الورثة ليس من حيث إنهم مدعون وقد ظهرت خيانة الوصيين فردت اليمين عليهما خلافاً للشافعي بل من حيث إنهم صاروا مدعى عليهم لانقلاب الدعوى فإن الوصي المدعى عليه أولاً صار مدعياً للملك والورثة ينكرون ذلك ، ويدل عليه ما أخرجه البخاري في «التاريخ » والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وخلق آخرون عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء ، وقيل : نداء بالنون فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم فلما قدما بتركته فقدموا جاما من فضة مخوصاً بالذهب فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالله تعالى ما كتمتما ولا اطلعتما ثم وجد الجام بمكة فقيل اشتريناه من تميم وعدي فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله سبحانه لشهادتهما أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم وأخذ الجام وفيهم نزلت { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } الخ ، هذا وادعى بعض المحققين أن الشهادة ههنا لا يمكن أن تكون بمعناها المتبادر بوجه ولا تتصور لأن شهادتهما إما على الميت ولا وجه لها بعد موته وانتقال الحق إلى الورثة وحضورهم أو على الوارث المخاصم وكيف يشهد الخصم على خصمه فلا بد من التأويل ، وذكر أن الظاهر أن تحمل في قوله سبحانه { شهادة بَيْنِكُمْ } على الحضور أو الإحضار أي إذا حضر الموت المسافر فليحضر من يوصي إليه بإيصال ماله لوارثه مسلماً فإن لم يجد فكافراً ، والاحتياط أن يكونا اثنين فإذا جاءا بما عندهما وحصل ريبة في كتم بعضه فليحلفا لأنهما مودعان مصدقان بيمينهما فإن وجد ما خانا فيه وادعيا أنهما تملكاه منه بشراء ونحوه ولا بينة لهما على ذلك يحلف المدعى عليه على عدم العلم بما ادعياه من التملك وأنه ملك لمورثهما لا نعلم انتقاله عن ملكه ، والشهادة الثانية : بمعنى العلم المشاهد أو ما هو بمنزلته لأن الشهادة المعاينة فالتجوز بها عن العلم صحيح قريب ، والشهادة الثالثة : إما بهذا المعنى أو بمعنى اليمين ، وعلى هذا وهو مما أفاضه الله تعالى عليَّ ببركة كلامه سبحانه فلا نسخ في الآية ولا إشكال ، وما ذكروه كله تكلف لم يصف من الكدر لذوق ذائق ، وسبب النزول وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم مبين لما ذكر انتهى .
ولعل تخصيص الإثنين اللذين يحلفان بأحقية شهادتهما على ما قيل لخصوص الواقعة وإلا فإن كان الوارث واحداً حلف وإن تعدد حلف المتعدد كما بين في الكتب الفقهية ، وما ذكر من أن سبب النزول الخ مبين لما قرره فيه بعض خفاء إذ ليس في الخبر أن الوارثين حلفا على عدم العلم ، وفي غيره ما هو نص في الحلف على الثبات ، فقد روي في خبر أطول مما تقدم أن عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميين قاما فحلفا بالله سبحانه بعد العصر أنهما أي تميماً وعديا كذبا وخانا ، نعم قال الترمذي في «الجامع » بعد روايته لذلك الخبر : إنه حديث غريب وليس إسناده بصحيح ، وأيضاً في حمل الشهادة على شيء مما ذكره في قوله سبحانه : { وَلاَ نَكْتُمُ شهادة الله } خفاء ، وادعى هو نفسه أن حمل الشهادة على اليمين بعيد لأنها إذا أطلقت فهي المتعارفة فتأمل ، فقد قال الزجاج : إن هذه الآية من أشكل ما في القرآن ، وقال الواحدي : روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال : هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام ، وقال الإمام : اتفق المفسرون على أن هذه الآية في غاية الصعوبة إعراباً ونظماً وحكماً ، وقال المحقق التفتازاني : اتفقوا على أن هذه الآية أصعب ما في القرءان حكماً وإعراباً ونظماً .
وقال الشهاب : اعلم أنهم قالوا : ليس في القرآن أعظم إشكالاً وحكماً وإعراباً وتفسيراً من هذه الآية والتي بعدها يعني { ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } الخ وقوله تعالى : { فَإِنْ عُثِرَ } الخ حتى صنفوا فيها تصانيف مفردة قالوا : ومع ذلك لم يخرج أحد من عهدتها . وذكر الطبرسي أن الآيتين من أعوص القرآن حكماً ومعنى وإعراباً وافتخر بما أتى فيهما ولم يأت بشيء إلى غير ذلك من أقوالهم وسبحان الخبير بحقائق كلامه .