قوله تعالى : { فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون }
اعلم أنه تعالى تارة يرشد رسوله إلى الرفق واللطف في آيات كثيرة . منها قوله : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ومنها قوله : { فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر } وتارة يرشد إلى التغليظ والتشديد كما في هذه الآية ، وذلك لأنه تعالى لما ذكر الذين ينقضون عهدهم في كل مرة ، بين ما يجب أن يعاملوا به فقال : { فإما تثقفنهم في الحرب } قال الليث : ثقفنا فلانا في موضع كذا ، أي أخذناه وظفرنا به ، والتشريد عبارة عن التفريق مع الاضطراب . يقال : شرد يشرد شرودا ، وشرده تشريدا ، فمعنى الآية أنك إن ظفرت في الحرب بهؤلاء الكفار الذين ينقضون العهد فافعل بهم فعلا يفرق بهم من خلفهم . قال عطاء : تثخن فيهم القتل حتى يخافك غيرهم ، وقيل : نكل بهم تنكيلا يشرد غيرهم من ناقضي العهد { لعلهم يذكرون } أي لعل من خلفهم يذكرون ذلك النكال فيمنعهم ذلك عن نقض العهد ، وقرأ ابن مسعود فشرذ بالذال المنقطة من فوق بمعنى ففرق وكأنه مقلوب شذر ، وقرأ أبو حيوة من خلفهم ، والمعنى : فشرد تشريدا متلبسا بهم من خلفهم لأن أحد العسكرين إذا كسروا الثاني ، فالكاسرون يعدون خلف المكسرين فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشردهم في ذلك الوقت .
{ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ } شروع في بيان أحكامهم بعد تفصيل أحوالهم ، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، والثقف يطلق على المصادفة وعلى الظفر ، والمراد به هنا المترتب على المصادفة والملاقاة ، أي إذا كان حالهم كما ذكر فأما تصادفنهم وتظفرن بهم { في الْحَرْب } أي في تضاعيفها { فَشَرّدْ بِهِم } أَي فرق بِهِم { مّنْ خَلْفِهِمْ } أي من وراءهم من الكفرة ، يعني افعل بهؤلاء الذين نقضوا عهدك فعلا من القتل والتنكيل العظيم يفرق عنك ويخافك بسببه من خلفهم ويعتبر به من سمعه من أهل مكة وغيرهم ، وإلى هذا يرجع ما قيل : من أن المعنى نكل به ليتعظ من سواهم ، وقيل : إن معنى شرد بهم سمع بهم في لغة قريش قال الشاعر :
أطوف بالاباطح كل يوم *** مخافة أن يشرد بي حكيم
وقرأ ابن مسعود . والأعمش { *فشرذ } بالذال المعجمة وهو بمعنى شرد بالمهملة ، وعن ابن جنى أنه لم يمر بنا في اللغة تركيب شرذ والأوجه أن تكون الذال بدلاً من الدال ، والجامع بينهما أنهما مجهوران ومتقاربان ، وقيل : إنه قلب من شذر ، ومنه شذر مذر للمتفرق ، وذهب بعض أهل اللغة إلى أنها موجودة ومعناها التنكيل ومعنى المهمل التفريق كما قاله قطرب لكنها نادرة ، وقرأ أبو حيون { بِهِم مّنْ خَلْفِهِمْ } بمن الجارة ، والفعل عليها منزل منزلة اللازم كما في قوله :
يجرح في عراقيبها نصلي *** فالمعنى افعل التشريد من ورائهم ، وهو في معنى جعل الوراء ظرفاً للتشريد لتقارب معنى مِنْ و في تقول : اضرب زيداً من وراء عمرو وورائه أي في وراءه ، وذلك يدل على تشريد من في تلك الجهة على سبيل الكناية فإن إيقاع التشريد في الوراء لا يتحقق إلا بتشريد من وراءهم فلا فرق بين القراءتين الفتح والكسر إلا في المبالغة { لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } أي لعل المشردين يتعظون بما يعلمونه مما نزل بالناقضين فيرتدعون عن النقض قيل : أو عن الكفر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.