مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَذَكِّرۡ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكۡرَىٰ} (9)

أما قوله تعالى : { فذكر إن نفعت الذكرى } فاعلم أنه تعالى لما تكمل بتيسير جميع مصالح الدنيا والآخرة أمر بدعوة الخلق إلى الحق ، لأن كمال حال الإنسان في أن يتخلق بأخلاق الله سبحانه تاما وفوق التمام ، فلما صار محمد عليه الصلاة والسلام تاما بمقتضى قوله : { ونيسرك لليسرى } أمر بأن يجعل نفسه فوق التمام بمقتضى قوله : { فذكر } لأن التذكير يقتضي تكميل الناقصين وهداية الجاهلين ، ومن كان كذلك كان فياضا للكمال ، فكان تاما وفوق التمام ، وههنا سؤالات :

السؤال الأول : أنه عليه السلام كان مبعوثا إلى الكل فيجب عليه أن يذكرهم سواء نفعتهم الذكرى أو لم تنفعهم ، فما المراد من تعليقه على الشرط في قوله : { إن نفعت الذكرى } ؟ ( الجواب ) : أن المعلق بأن على الشيء لا يلزم أن يكون عدما عند عدم ذلك الشيء ، ويدل عليه آيات منها هذه الآية ومنها قوله : { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا } ومنها قوله : { واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون } ومنها قوله : { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم } فإن القصر جائز وإن لم يوجد الخوف ، ومنها قوله : { ولم تجدوا كاتبا فرهان } والرهن جائز مع الكتابة ، ومنها قوله : { فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله } والمراجعة جائزة بدون هذا الظن ، إذا عرفت هذا فنقول ذكروا لذكر هذا الشرط فوائد ( إحداها ) : أن من باشر فعلا لغرض فلا شك أن الصورة التي علم فيها إفضاء تلك الوسيلة إلى ذلك الغرض ، كان إلى ذلك الفعل أوجب من الصورة التي علم فيها عدم ذلك الإفضاء ، فلذلك قال : { إن نفعت الذكرى } ( وثانيها ) : أنه تعالى ذكر أشرف الحالتين ، ونبه على الأخرى كقوله : { سرابيل تقيكم الحر } والتقدير : { فذكر إن نفعت الذكرى } أو لم تنفع ( وثالثها ) : أن المراد منه البعث على الانتفاع بالذكرى ، كما يقول المرء لغيره إذا بين له الحق ، قد أوضحت لك إن كنت تعقل فيكون مراده البعث على القبول والانتفاع به ( ورابعها ) : أن هذا يجري مجرى تنبيه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا تنفعهم الذكرى كما يقال للرجل : ادع فلانا إن أجابك ، والمعنى وما أراه يجيبك ( وخامسها ) : أنه عليه السلام دعاهم إلى الله كثيرا ، وكلما كانت دعوته أكثر كان عتوهم أكثر ، وكان عليه السلام يحترق حسرة على ذلك فقيل له : { وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } إذ التذكير العام واجب في أول الأمر فأما التكرير فلعله إنما يجب عند رجاء حصول المقصود فلهذا المعنى قيده بهذا الشرط .

السؤال الثاني : التعليق بالشرط إنما يحسن في حق من يكون جاهلا بالعواقب ، أما علام الغيوم فكيف يليق به ذلك ؟ ( الجواب ) : روي في الكتب أنه تعالى كان يقول لموسى : { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } وأنا أشهد أنه لا يتذكر ولا يخشى . فأمر الدعوة والبعثة شيء وعلمه تعالى بالمغيبات وعواقب الأمور غير ولا يمكن بناء أحدهما على الآخر .

السؤال الثالث : التذكير المأمور به هل مضبوط مثل أن يذكرهم عشرات مرات ، أو غير مضبوط ، وحينئذ كيف يكون الخروج عن عهدة التكليف ؟ ( والجواب ) : أن الضابط فيه هو العرف ، والله أعلم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَذَكِّرۡ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكۡرَىٰ} (9)

{ فَذَكّرْ إِن نَّفَعَتِ الذكرى } أي فذكر الناس حسبما يسرناك بما يوحي إليك واهدهم إلى ما في تضاعيفه من الأحكام الشرعية كما كنت تفعله وقيل أي فذكر بعد ما استتب أي استقام وتهيأ لك الأمر فإن أراد فدم على التذكير بعدما استقام لك الأمر من اقرائك الوحي وتعليمك القرآن بحيث لا تنسى منه إلا ما اقتضت المصلحة نسيانه وتيسيرك للطريقة اليسرى في كل باب من أبواب الدين فذاك وإلا فليس بشيء وتقييد التذكير بنفع الذكرى لما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد ذكر وبالغ فيه فلم يدع في القوس منزعاً وسلك فيه كل طريق فلم يترك مضيفاً ولا مهيعاً حرصاً على الايمان وتوحيد الملك الديان وما كان يزيد ذلك بعض الناس إلا كفراً وعناداً وتمرداً وفساداً فأمر صلى الله عليه وسلم تخفيفاً عليه حيث كاد الحرص على ايمانهم يوجه سهام التلف إليه كما قال تعالى { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً } [ الكهف : 6 ] بأن يخص التذكير بمواد النفع في الجملة بأن يكون من يذكره كلاً أو بعضاً ممن يرجى منه التذكر ولا يتعب نفسه الكريمة في تذكير من لا يورثه التذكير إلا عتوا ونفوراً وفساداً وغروراً من المطبوع على قلوبهم كما في قوله تعالى : { فَذَكّرْ بالقرآن مَن يَخَافُ وَعِيدِ } [ ق : 45 ] وقوله سبحانه : { فَأَعْرِض مَّن تولى عَن ذِكْرِنَا } [ النجم : 29 ] وعلمه صلى الله عليه وسلم بمن طبع على قلبه بإعلام الله تعالى إياه عليه الصلاة والسلام به فهو صلى الله عليه وسلم بعد التبليغ وإلزام الحجة لا يجب عليه تكرير التذكير على من علم أنه مطبوع على قلبه فالشرط على هذا على حقيقته وقيل إنه ليس كذلك وإنما هو استبعاد النفع بالنسبة إلى هؤلاء المذكورين نعياً عليهم بالتصميم كأنه قيل افعل ما أمرت به لتؤجر وإن لم ينتفعوا به وفيه تسلية له صلى الله عليه وسلم ورجح الأول بأن فيه إبقاء الشرط على حقيقته مع كونه أنسب بقوله تعالى :سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ( 10 )