فقوله : { لو يجدون ملجأ } الملجأ : المكان الذي يتحصن فيه ، ومثله اللجأ مقصورا مهموزا ، وأصله من لجأ إلى كذا يلجأ لجأ بفتح اللام وسكون الجيم ، ومثله التجأ والجأته إلى كذا ، أي جعلته مضطرا إليه ، وقوله : { أو مغارات } هي جمع مغارة ، وهي الموضع الذي يغور الإنسان فيه ، أي يستتر . قال أبو عبيد : كل شيء جزت فيه فغبت فهو مغارة لك ، ومنه غار الماء في الأرض وغارت العين . وقوله : { مدخلا } قال الزجاج : أصله مدتخل والتاء بعد الدال تبدل دالا ، لأن التاء مهموسة ، والدال مهجورة ، وهما من مخرج واحد وهو مفتعل من الدخول ، كالمتلج من الولوج . ومعناه : المسلك الذي يستتر بالدخول فيه . قال الكلبي وابن زيد : نفقا كنفق اليربوع . والمعنى : أنهم لو جدوا مكانا على أحد هذه الوجوه الثلاثة ، مع أنها شر الأمكنة { لولوا إليه } أي رجعوا إليه . يقال : ولى بنفسه إذا انصرف وولى غيره إذا صرفه وقوله : { وهم يجمحون } أي يسرعون إسراعا لا يرد وجوههم شيء ، ومن هذا يقال : جمح الفرس وهو فرس جموح ، وهو الذي إذا حمل لم يرده اللجام ، والمراد من الآية أنهم من شدة تأذيهم من الرسول ومن المسلمين صاروا بهذه الحالة .
واعلم أنه تعالى ذكر ثلاثة أشياء وهي : الملجأ ، والمغارات ، والمدخل ، والأقرب أن يحمل كل واحد منها على غير ما يحمل الآخر عليه ، فالملجأ يحتمل الحصون ، والمغارات الكهوف في الجبال ، والمدخل السرب تحت الأرض نحو الآبار . قال صاحب «الكشاف » : قرئ { مدخلا } من دخل و{ مدخلا } من أدخل وهو مكان يدخلون فيه أنفسهم ، وقرأ أبي بن كعب { متدخلا } وقرأ { لولو إليه } أي لالتجأوا ، وقرأ أنس { يجمزون } فسئل عنه فقال : يجمحون ويجمزون ويشتدون واحد .
{ لَوْ يَجِدُونَ * مَلْجَأَ } أي حصنا يلجأون إليه كما قال قتادة { أَوْ مغارات } أي غير أن يخفون فيها أنفسهم وهو جمع مغارة بمعنى الغار ، ومنهم من فرق بينهما بأن الغار في الجبل والمغارة في الآرض . وقرىء { مغارات } بضم الميم من أغار الرجل إذا دخل الغور ، وقيل : هو تعدية غار الشيء وأغرته أنا أي أمكنة يغيرون فيها أشخاصهم ، ويجوز أن تكون من أغار الثعلب إذا أسرع بمعنى مهارب ومغار { أَوْ مُدَّخَلاً } أي نفقا كنفق اليربوع ينجحرون فيه ، وهو مفتعل من الدخول فأدغم بعد قلب تائه دالا . وقرأ يعقوب . وسهل { مُّدْخَلاً } بفتح الميم اسم مكان من دخل الثلاثي وهي قراءة ابن أبي اسحق . والحسن ، وقرأ سلمة بن محارب { مُّدْخَلاً } بضم الميم وفتح الخاء من أدخل المزيد أي مكاناً يدخلون فيه أنفسهم أو يدخلهم الخوف فيه ، وقرأ أبي بن كعب { *متدخلاً } اسم مكان من تدخل تفعل من الدخول ، وقرىء { *مندخلاً } من اندخل ، وقد ورد في شعر الكميت
ولا يدي في حميت السمن تندخل( {[312]} ) *** وأنكر أبو حاتم هذه القراءة وقال : إنما هي بالتاء بناء على إنكار هذه اللغة وليس بذاك { لَوَلَّوُاْ } أي لصرفوا وجوههم وأقبلوا . وقرىء { *لوألوا } أي لا لتجأوا { ءاوى إِلَيْهِ } أي إلى أحد ما ذكر { وَهُمْ يَجْمَحُونَ } أي يسرعون في الذهاب إليه بحيث لا يردهم شيء كالفرس الجموح وهو النفور الذي لا يرده لجام ، وروي الأعمش عن أنس بن مالك أنه قرأ { *يجمزون } بالزاي وهو بمعنى يجمحون ويشتدون ، ومنه الجمازة الناقة الشديدة العدو ، وأنكر بعضهم كون ما ذكر قراءة وزعم أنه تفسير وهو مردود .
والجملة الشرطية استئناف مقرر لمضمون ما سبق من أنهم ليسوا من المسلمين وأن التجاءهم إلى الانتماء إليهم إنما هو للتقية اضطراراً ، وإيثار صيغة الاسقبال في الشرط وإن كان المعنى على المضي لإفادة استمرار عدم الوجدان حسبما يقتضيه المقام ، ونظير ذلك لو تحسن إلي لشكرتك نعم كثيراً ما يكون المضارع المنفي الواقع موقع الماضي لإفادة انتفاء استمرار الفعل لكن ذلك غير مراد ههنا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.