قوله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم }
اعلم أن المنافقين لما لمزوا الرسول صلى الله عليه وسلم في الصدقات ، بين لهم أن مصرف الصدقات هؤلاء ، ولا تعلق لي بها ، ولا آخذ لنفسي نصيبا منها ، فلم يبق لهم طعن في الرسول بسبب أخذ الصدقات . وههنا مقامات :
المقام الأول : بيان الحكمة في أخذ القليل من أموال الأغنياء ، وصرفها إلى المحتاجين من الناس .
والمقام الثاني : بيان حال هؤلاء الأصناف الثمانية المذكورين في هذه الآية .
أما المقام الأول : فنقول : الحكمة في إيجاب الزكاة أمور ، بعضها مصالح عائدة إلى معطى الزكاة ، وبعضها عائدة إلى آخذ الزكاة .
أما القسم الأول : فهو أمور : الأول : أن المال محبوب بالطبع ، والسبب فيه أن القدرة صفة من صفات الكمال محبوبة لذاتها ، ولعينها لا لغيرها لأنه لا يمكن أن يقال : إن كل شيء فهو محبوب لمعنى آخر وإلا لزم ، إما التسلسل وإما الدور ، وهما محالان ، فوجب الانتهاء في الأشياء المحبوبة إلى ما يكون محبوبا لذاته . والكمال محبوب لذاته ، والنقصان مكروه لذاته فلما كانت القدرة صفة الكمال ، وصفة الكمال محبوبة لذاتها ، كانت القدرة محبوبة لذاتها . والمال سبب لحصول تلك القدرة ، ولكمالها في حق البشر فكان أقوى أسباب القدرة في حق البشر هو المال ، والذي يتوقف عليه المحبوب فهو محبوب ، فكان المال محبوبا ، فهذا هو السبب في كونه محبوبا إلا أن الاستغراق في حبه يذهل النفس عن حب الله وعن التأهب للآخرة فاقتضت حكمة الشرع تكليف مالك المال بإخراج طائفة منه من يده ، ليصير ذلك الإخراج كسرا من شدة الميل إلى المال ، ومنعا من انصراف النفس بالكلية إليها وتنبيها لها على أن سعادة الإنسان لا تحصل عند الاشتغال بطلب المال وإنما تحصل بإنفاق المال في طلب مرضاة الله تعالى فإيجاب الزكاة علاج صالح متعين لإزالة مرض حب الدنيا عن القلب ، فالله سبحانه أوجب الزكاة لهذه الحكمة . وهو المراد من قوله : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } أي تطهرهم وتزكيهم عن الاستغراق في طلب الدنيا .
والوجه الثاني : وهو أن كثرة المال ، توجب شدة القوة وكمال القدرة ، وتزايد المال يوجب تزايد القدرة ، وتزايد القدرة يوجب تزايد الالتذاذ بتلك القدرة ، وتزايد تلك اللذات ، يدعو الإنسان إلى أن يسعى في تحصيل المال الذي صار سببا لحصول هذه اللذات المتزايدة ، وبهذا الطريق تصير المسألة مسألة الدور ، لأنه إذا بالغ في السعي ازداد المال وذلك يوجب ازدياد القدرة ، وهو يوجب ازدياد اللذة وهو يحمل الإنسان على أن يزيد في طلب المال ، ولما صارت المسألة مسألة الدور ، لم يظهر لها مقطع ولا آخر ، فأثبت الشرع لها مقطعا آخرا وهو أنه أوجب على صاحبه صرف طائفة من تلك الأموال إلى الإنفاق في طلب مرضاة الله تعالى ليصرف النفس عن ذلك الطريق الظلماني الذي لا آخر له ويتوجه إلى عالم عبودية الله وطلب رضوانه .
والوجه الثالث : أن كثرة المال سبب لحصول الطغيان والقسوة في القلب ، وسببه ما ذكرنا من أن كثرة المال سبب لحصول القدرة ، والقدرة محبوبة لذاتها ، والعاشق إذا وصل لمعشوقه استغرق فيه ، فالإنسان يصير غرقا في طلب المال ، فإن عرض له مانع يمنعه عن طلبه استعان بماله وقدرته على دفع ذلك المانع ، وهذا هو المراد بالطغيان ، وإليه الإشارة بقوله سبحانه وتعالى : { إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } فإيجاب الزكاة يقلل الطغيان ، ويرد القلب إلى طلب رضوان الرحمن .
والوجه الرابع : أن النفس الناطقة لها قوتان ، نظرية وعملية ، فالقوة النظرية كمالها في التعظيم لأمر الله ، والقوة العملية كمالها في الشفقة على خلق الله ، فأوجب الله الزكاة ليحصل لجوهر الروح هذا الكمال وهو اتصافه بكونه محسنا إلى الخلق ساعيا في إيصال الخيرات إليهم دافعا للآفات عنهم ، ولهذا السر قال عليه الصلاة والسلام : «تخلقوا بأخلاق الله »
والوجه الخامس : أن الخلق إذا علموا في الإنسان كونه ساعيا في إيصال الخيرات إليهم ، وفي دفع الآفات عنهم أحبوه بالطبع ومالت نفوسهم إليه لا محالة ، على ما قاله عليه الصلاة والسلام : «جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها » فالفقراء إذا علموا أن الرجل الغني يصرف إليهم طائفة من ماله ، وأنه كلما كان ماله أكثر كان الذي يصرفه إليهم من ذلك المال أكثر ، أمدوه بالدعاء والهمة ، وللقلوب آثار وللأرواح حرارة فصارت تلك الدعوات سببا لبقاء ذلك الإنسان في الخير والخصب ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض } وبقوله عليه الصلاة والسلام : «حصنوا أموالكم بالزكاة »
والوجه السادس : أن الاستغناء عن الشيء أعظم من الاستغناء بالشيء ، فإن الاستغناء بالشيء يوجب الاحتياج إليه ، إلا أنه يتوسل به إلى الاستغناء عن غيره ، فأما الاستغناء عن الشيء فهو الغنى التام ، ولذلك فإن الاستغناء عن الشيء صفة الحق ، والاستغناء بالشيء صفة الخلق ، فالله سبحانه لما أعطى بعض عبيده أموالا كثيرة فقد رزقه نصيبا وافرا من باب الاستغناء بالشيء . فإذا أمره بالزكاة كان المقصود أن ينقله من درجة الاستغناء بالشيء ، إلى المقام الذي هو أعلى منه ، وأشرف منه وهو الاستغناء عن الشيء .
والوجه السابع : أن المال سمي مالا لكثرة ميل كل أحد إليه ، فهو غاد ورائح ، وهو سريع الزوال مشرف على التفرق ، فما دام يبقى في يده كان كالمشرف على الهلاك والتفرق . فإذا أنفقه الإنسان في وجوه البر والخير والمصالح بقي بقاء لا يمكن زواله ، فإنه يوجب المدح الدائم في الدنيا والثواب الدائم في الآخرة ، وسمعت واحدا يقول : الإنسان لا يقدر أن يذهب بذهبه إلى القبر ، فقلت بل يمكنه ذلك فإنه إذا أنفقه في طلب الرضوان الأكبر فقد ذهب به إلى القبر وإلى القيامة .
والوجه الثامن : وهو أن بذل المال تشبه بالملائكة والأنبياء ، وإمساكه تشبه بالبخلاء المذمومين ، فكان البذل أولى .
والوجه التاسع : أن إفاضة الخير والرحمة من صفات الحق سبحانه وتعالى ، والسعي في تحصيل هذه الصفة بقدر القدرة تخلق بأخلاق الله ، وذلك منتهى كمالات الإنسانية .
والوجه العاشر : أن الإنسان ليس له إلا ثلاثة أشياء : الروح والبدن والمال . فإذا أمر بالإيمان فقد صار جوهر الروح مستغرقا في هذا التكليف . ولما أمر بالصلاة فقد صار اللسان مستغرقا بالذكر والقراءة ، والبدن مستغرقا في تلك الأعمال ، بقي المال ؛ فلو لم يصر المال مصروفا إلى أوجه البر والخير لزم أن يكون شح الإنسان بماله فوق شحه بروحه وبدنه ، وذلك جهل ، لأن مراتب السعادات ثلاثة : أولها : السعادات الروحانية . وثانيها : السعادات البدنية وهي المرتبة الوسطى . وثالثها : السعادات الخارجية وهي المال والجاه . فهذه المراتب تجري مجرى خادم السعادات النفسانية ، فإذا صار الروح مبذولا في مقام العبودية ، ثم حصل الشح ببذل المال لزم جعل الخادم في مرتبة أعلى من المخدوم الأصلي ، وذلك جهل . فثبت أنه يجب على العاقل أيضا بذل المال في طلب مرضاة الله تعالى .
والوجه الحادي عشر : أن العلماء قالوا : شكر النعمة عبارة عن صرفها إلى طلب مرضاة المنعم ، والزكاة شكر النعمة ، فوجب القول بوجوبها لما ثبت أن شكر المنعم واجب .
والوجه الثاني عشر : أن إيجاب الزكاة يوجب حصول الإلف بالمودة بين المسلمين ، وزوال الحقد والحسد عنهم ، وكل ذلك من المهمات ، فهذه وجوه معتبرة في بيان الحكمة الناشئة من إيجاب الزكاة العائدة إلى معطي الزكاة ، فأما المصالح العائدة من إيجاب الزكاة إلى من يأخذ الزكاة فهي كثيرة ، الأول : أن الله تعالى خلق الأموال ، وليس المطلوب منها أعيانها وذواتها . فإن الذهب والفضة لا يمكن الانتفاع بهما في أعيانهما إلا في الأمر القليل ، بل المقصود من خلقهما أن يتوسل بهما إلى تحصيل المنافع ودفع المفاسد ، فالإنسان إذا حصل له من المال بقدر حاجته كان هو أولى بإمساكه لأنه يشاركه سائر المحتاجين في صفة الحاجة ، وهو ممتاز عنهم بكونه ساعيا في تحصيل ذلك المال ، فكان اختصاصه بذلك المال أولى من اختصاص غيره ، وأما إذا فضل المال على قدر الحاجة ، وحضر إنسان آخر محتاج ، فههنا حصل سببان كل واحد منهما يوجب تملك ذلك المال . أما في حق المالك ، فهو أنه سعي في اكتسابه وتحصيله ، وأيضا شدة تعلق قلبه به ، فإن ذلك التعلق أيضا نوع من أنواع الحاجة . وأما في حق الفقير ، فاحتياجه إلى ذلك المال يوجب تعلقه به ، فلما وجد هذان السببان المتدافعان اقتضت الحكمة الإلهية رعاية كل واحد من هذين السببين بقدر الإمكان . فيقال حصل للمالك حق الاكتساب وحق تعلق قلبه به ، وحصل للفقير حق الاحتياج ، فرجحنا جانب المالك ، وأبقينا عليه الكثير وصرفنا إلى الفقير يسيرا منه توفيقا بين الدلائل بقدر الإمكان . الثاني : أن المال الفاضل عن الحاجات الأصلية إذا أمسكه الإنسان في بيته بقي معطلا عن المقصود الذي لأجله خلق المال ، وذلك سعي في المنع من ظهور حكمة الله تعالى ، وهو غير جائز ، فأمر الله بصرف طائفة منه إلى الفقير حتى لا تصير تلك الحكمة معطلة بالكلية . الثالث : أن الفقراء عيال الله لقوله تعالى : { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } والأغنياء خزان الله لأن الأموال التي في أيديهم أموال الله ، ولولا أن الله تعالى ألقاها في أيديهم وإلا لما ملكوا منها حبة ، فكم من عاقل ذكي يسعى أشد السعي ، ولا يملك ملء بطنه طعاما ، وكم من أبله جلف تأتيه الدنيا عفوا صفوا .
إذا ثبت هذا فليس بمستبعد أن يقول الملك لخازنه : اصرف طائفة مما في تلك الخزانة إلى المحتاجين من عبيدي .
الوجه الرابع : أن يقال : المال بالكلية في يد الغني مع أنه غير محتاج إليه ، وإهمال جانب الفقير العاجز عن الكسب بالكلية ؛ لا يليق بحكمة الحكيم الرحيم ، فوجب أن يجب على الغني صرف طائفة من ذلك المال إلى الفقير .
الوجه الخامس : أن الشرع لما أبقى في يد المالك أكثر ذلك المال وصرف إلى الفقير منه جزأ قليلا ، تمكن المالك من جبر ذلك النقصان بسبب أن يتجر بما بقي في يده من ذلك المال ويربح ويزول ذلك النقصان . أما الفقير ليس له شيء أصلا ، فلو لم يصرف إليه طائفة من أموال الأغنياء لبقي معطلا وليس له ما يجبره ، فكان ذلك أولى .
الوجه السادس : أن الأغنياء لو لم يقوموا بإصلاح مهمات الفقراء فربما حملهم شدة الحاجة ومضرة المسكنة على الالتحاق بأعداء المسلمين ، أو على الإقدام على الأفعال المنكرة كالسرقة وغيرها فكان إيجاب الزكاة يفيد هذه الفائدة فوجب القول بوجوبها .
الوجه السابع : قال عليه الصلاة والسلام : «الإيمان نصفان ، نصف صبر ونصف شكر » والمال محبوب بالطبع ، فوجدانه يوجب الشكر وفقدانه يوجب الصبر ، وكأنه قيل : أيها الغني أعطيتك المال فشكرت فصرت من الشاكرين ، فأخرج من يدك نصيبا منه حتى تصبر على فقدان ذلك المقدار فتصير بسببه من الصابرين ، وأيها الفقير ما أعطيتك الأموال الكثيرة فصبرت فصرت من الصابرين ، ولكني أوجب على الغني أن يصرف إليك طائفة من ذلك المال حتى إذا دخل ذلك المقدار في ملكك شكرتني ، فصرت من الشاكرين ، فكان إيجاب الزكاة سببا في جعل جميع المكلفين موصوفين بصفة الصبر والشكر معا .
الوجه الثامن : كأنه سبحانه يقول للفقير إن كنت قد منعتك الأموال الكثيرة ، ولكني جعلت نفسي مديونا من قبلك ، وإن كنت قد أعطيت الغني أموالا كثيرة لكني كلفته أن يعدوا خلفك ، وأن يتضرع إليك حتى تأخذ ذلك القدر منه ، فتكون كالمنعم عليه بأن خلصته من النار .
فإن قال الغني : قد أنعمت عليك بهذا الدينار ، فقل أيها الفقير بل أنا المنعم عليك حيث خلصتك في الدنيا من الذم والعار ، وفي الآخرة من عذاب النار ، فهذه جملة من الوجوه في حكمة إيجاب الزكاة بعضها يقينية ، وبعضها إقناعية ، والعالم بأسرار حكم الله وحكمته ليس إلا الله ، والله أعلم .
المقام الثاني : في تفسير هذه الآية وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { إنما الصدقات للفقراء } الآية تدل على أنه لا حق في الصدقات لأحد إلا لهذه الأصناف الثمانية ، وذلك مجمع عليه ، وأيضا فلفظة { إنما } تفيد الحصر ويدل عليه وجوه : الأول : أن كلمة { إنما } مركبة من «إن » و«ما » وكلمة إن للإثبات وكلمة ما للنفي ، فعند اجتماعهما وجب بقاؤهما على هذا المفهوم ، فوجب أن يفيدا ثبوت المذكور ، وعدم ما يغايره ، الثاني : أن ابن عباس تمسك في نفي ربا الفضل بقوله عليه الصلاة والسلام : " إنما الربا في النسيئة " ولولا أن هذا اللفظ يفيد الحصر ، وإلا لما كان الأمر كذلك ، وأيضا تمسك بعض الصحابة في أن الإكسال لا يوجب الاغتسال بقوله عليه الصلاة والسلام : " إنما الماء من الماء " ولولا أن هذه الكلمة تفيد الحصر وإلا لما كان كذلك . وقال تعالى : { إنما الله إله واحد } والمقصود بيان نفي الإلهية للغير والثالث : الشعر . قال الأعشى :
ولست بالأكثر منهم حصى *** وإنما العزة للكاثر
أنا الذائد الحامي الذمار وإنما *** يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
فثبت بهذه الوجوه أن كلمة { إنما } للحصر ، ومما يدل على أن الصدقات لا تصرف إلا لهذه الأصناف الثمانية أنه عليه الصلاة والسلام قال لرجل : " إن كنت من الأصناف الثمانية فلك فيها حق وإلا فهو صداع في الرأس ، وداء في البطن " وقال : " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي "
المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى لما أخبر عن المنافقين أنهم يلمزون الرسول عليه السلام في أخذ الصدقات ، بين تعالى أنه إنما يأخذها لهؤلاء الأصناف الثمانية ، ولا يأخذها لنفسه ولا لأقاربه ومتصليه ، وقد بينا أن أخذ القليل من مال الغني ليصرف إلى الفقير في دفع حاجته هو الحكمة المعينة ، والمصلحة اللازمة ، وإذا كان الأمر كذلك كان همز المنافقين ولمزهم عين السفه والجهالة ، فكان عليه الصلاة والسلام يقول : " ما أوتيكم شيئا ولا أمنعكم ، إنما أنا خازن أضع حيث أمرت "
المسألة الثالثة : مذهب أبي حنيفة رحمه الله : أنه يجوز صرف الصدقة إلى بعض هؤلاء الأصناف فقط ، وهو قول عمر وحذيفة وابن عباس وسعيد بن جبير وأبي العالية والنخعي ، وعن سعيد بن جبير لو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقراء متعففين فحبوتهم بها كان أحب إلي ، وقال الشافعي رحمه الله : لا بد من صرفها إلى الأصناف الثمانية ، وهو قول عكرمة والزهري وعمر ابن عبد العزيز : واحتج بأنه تعالى ذكر هذه القسمة في نص الكتاب . ثم أكدها بقوله : { فريضة من الله } قال : ولا بد في كل صنف من ثلاثة ، لأن أقل الجمع ثلاثة ، فإن دفع سهم الفقراء إلى فقيرين ضمن نصيب الثالث وهو ثلث سهم الفقراء . قال : ولا بد من التسوية في أنصباء هذه الأصناف الثمانية ، مثل أنك إن وجدت خمسة أصناف ولزمك أن تتصدق بعشرة دراهم ، جعلت العشرة خمسة أسهم كل سهم درهمان ، ولا يجوز التفاضل . ثم يلزمك أن تدفع إلى كل صنف درهمين وأقل عددهم ثلاثة ، ولا يلزمك التسوية بينهم ، فلك أن تعطي فقيرا درهما وفقيرا خمسة أسداس درهم وفقيرا سدس درهم ، هذه صفة قسمة الصدقات على مذهب الشافعي رحمه الله . قال المصنف الداعي إلى الله رضي الله عنه : الآية لا دلالة فيها على قول الشافعي رحمه الله ، لأنه تعالى جعل جملة الصدقات لهؤلاء الأصناف الثمانية ، وذلك لا يقتضي في صدقة زيد بعينه أن تكون لجملة هؤلاء الثمانية . والدليل عليه العقل والنقل .
أما النقل : فقوله تعالى : { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول } الآية ، فأثبت خمس الغنيمة لهؤلاء الطوائف الخمس ، ثم لم يقل أحد إن كل شيء يغنم بعينه فإنه يحب تفرقته على هذه الطوائف ، بل اتفقوا على أن المراد إثبات مجموع الغنيمة لهؤلاء الأصناف ، فإما أن يكون كل جزء من أجزاء الغنيمة موزعا على كل هؤلاء فلا ، فكذا ههنا مجموع الصدقات تكون لمجموع هذه الأصناف الثمانية . فإما أن يقال : إن صدقة زيد بعينها يجب توزيعها على هذه الأصناف الثمانية ، فاللفظ لا يدل عليه البتة .
وأما العقل : فهو أن الحكم الثابت في مجموع لا يوجب ثبوته في كل جزء من أجزاء ذلك المجموع ، ولا يلزم أن لا يبقى فرق بين الكل وبين الجزء . فثبت بما ذكرنا أن لفظ الآية لا دلالة فيه على ما ذكره ، والذي يدل على صحة قولنا وجوه : الأول : أن الرجل الذي لا يملك إلا عشرين دينارا لما وجب عليه إخراج نصف دينار ، فلو كلفناه أن نجعله على أربعة وعشرين قسما لصار كل واحد من تلك الأقسام حقيرا صغيرا غير منتفع به في مهم معتبر . الثاني : أن هذا التوقيف لو كان معتبرا لكان أولى الناس برعايته أكابر الصحابة ، ولو كان الأمر كذلك لوصل هذا الخبر إلى عمر بن الخطاب وإلى ابن عباس وحذيفة وسائر الأكابر ، ولو كان كذلك لما خالفوا فيه ، وحيث خالفوا فيه علمنا أنه غير معتبر . الثالث : وهو أن الشافعي رحمه الله له اختلاف رأي في جواز نقل الصدقات أما لم يقل أحد بوجوب نقل الصدقات ، فالإنسان إذا كان في بعض القرى ولا يكون هناك مكاتب ولا مجاهد غاز ولا عامل ولا أحد من المؤلفة ، ولا يمر به أحد من الغرباء ، واتفق أنه لم يحضر في تلك القرية من كان مديونا فكيف تكليفه ؟ فإن قلنا : وجب عليه أن يسافر بما وجب عليه من الزكاة إلى بلد يجد هذه الأصناف فيه ، فذاك قول لم يقل به أحد ! وإذا أسقطنا عنه ذلك فحينئذ يصح قولنا فهذا ما نقوله في هذا الباب ، والله أعلم .
المسألة الرابعة : في تعريف الأصناف الثمانية ، فالأول والثاني هم الفقراء والمساكين ، ولا شك أنهم هم المحتاجون الذي لا يفي خراجهم بدخلهم . ثم اختلفوا فقال بعضهم : الذي يكون أشد حاجة هو الفقير ؛ وهو قول الشافعي رحمه الله وأصحابه . وقال آخرون : الذي أشد حاجة هو المسكين ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله ، ومن الناس من قال : لا فرق بين الفقراء والمساكين ، والله تعالى وصفهم بهذين الوصفين ، والمقصود شيء واحد وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ، واختيار أبي علي الجبائي ، وفائدته تظهر في هذه المسألة ، وهو أنه لو أوصى لفلان وللفقراء والمساكين ، فالذين قالوا : الفقراء غير المساكين قالوا لفلان الثلث ، والذين قالوا : الفقراء هم المساكين قالوا لفلان النصف . وقال الجبائي : إنه تعالى ذكرهم باسمين لتوكيد أمرهم في الصدقات لأنهم هم الأصول في الأصناف الثمانية . وأيضا الفائدة فيه أن يصرف إليهم من الصدقات سهمان لا كسائرهم .
واعلم أن فائدة هذا الاختلاف لا تظهر في تفرقة الصدقات وإنما تظهر في الوصايا ، وهو أن رجلا لو قال : أوصيت للفقراء بمائتين وللمساكين بخمسين ، وجب دفع المائتين عند الشافعي رحمه الله من كان أشد حاجة ، وعند أبي حنيفة رحمه الله إلى من كان أقل حاجة ، وحجة الشافعي رحمه الله وجوه :
الوجه الأول : أنه تعالى إنما أثبت الصدقات لهؤلاء الأصناف دفعا لحاجتهم وتحصيلا لمصلحتهم ، وهذا يدل على أن الذي وقع الابتداء بذكره يكون أشد حاجة ، لأن الظاهر وجوب تقديم الأهم على المهم ألا ترى أنه يقال : أبو بكر وعمر ومن فضل عثمان على علي عليه السلام قال في ذكرهما عثمان وعلي ، ومن فضل عليا على عثمان يقول علي وعثمان ، وأنشد عمر قول الشاعر :
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا *** . . . . .
فقال هلا قدم الإسلام على الشيب ؟ فلما وقع الابتداء بذكر الفقراء وجب أن تكون حاجتهم أشد من حاجة المساكين .
الوجه الثاني : قال أحمد بن عبيد الفقير أسوأ حالا من المسكين ، لأن الفقير أصله في اللغة المفقور الذي نزعت فقرة من فقار ظهره ، فصرف عن مفقور إلى فقير كما قيل : مطبوخ وطبيخ ، ومجروح وجريح ، فثبت أن الفقير إنما سمي فقيرا لزمانته مع حاجته الشديدة وتمنعه الزمانة من التقلب في الكسب ومعلوم أنه لا حال في الإقلال والبؤس آكد من هذه الحال وأنشدوا للبيد :
لما رأى لبد النسور تطايرت *** رفع القوادم كالفقير الأعزب
قال ابن الأعرابي في هذا البيت الفقير المكسور الفقار ، يضرب مثلا لكل ضعيف لا يتقلب في الأمور ، ومما يدل على إشعار لفظ الفقير بالشدة العظيمة قوله تعالى : { وجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة } جعل لفظ الفاقرة كناية عن أعظم أنواع الشر والدواهي .
الوجه الثالث : ما روي أنه عليه الصلاة والسلام ، كان يتعوذ من الفقر ، وقال : «كاد الفقر أن يكون كفرا » ثم قال : «اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين » فلو كان المسكين أسوأ حالا من الفقير لتناقض الحديثان ، لأنه تعوذ من الفقر ، ثم سأل حالا أسوأ منه ، أما إذا قلنا الفقر أشد من المسكنة فلا تناقض البتة .
الوجه الرابع : أن كونه مسكينا ، لا ينافي كونه مالكا للمال بدليل قوله تعالى : { أما السفينة فكانت لمساكين } فوصف بالمسكنة من له سفينة من سفن البحر تساوي جملة من الدنانير ، ولم نجد في كتاب الله ما يدل على أن الإنسان سمي فقيرا مع أنه يملك شيئا .
فإن قالوا : الدليل عليه قوله تعالى : { والله الغني وأنتم الفقراء } فوصف الكل بالفقر مع أنهم يملكون أشياء .
قلنا : هذا بالضد أولى لأنه تعالى وصفهم بكونهم فقراء بالنسبة إلى الله تعالى ، فإن أحدا سوى الله تعالى لا يملك البتة شيئا بالنسبة إلى الله فصح قولنا .
الوجه الخامس : قوله تعالى : { أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة } والمراد منه المسكين ذي المتربة الفقير الذي قد ألصق بالتراب من شدة الفقر ، فتقييد المسكين بهذا القيد يدل على أنه قد يحصل مسكين خال عن وصف كونه { ذا متربة } وإنما يكون كذلك بتقدير أن يملك شيئا ، فهذا يدل على أن كونه مسكينا لا ينافي كونه مالكا لبعض الأشياء .
الوجه السادس : قال ابن عباس رضي الله عنهما ، الفقير هو المحتاج الذي لا يجد شيئا ، قال : وهم أهل الصفة ، صفة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا نحو أربعمائة رجل لا منزل لهم ، فمن كان من المسلمين عنده فضل أتاهم به إذا أمسوا ، والمساكين هم الطوافون الذين يسألون الناس .
وجه الاستدلال : أن شدة فقر أهل الصفة معلومة بالتواتر ، فلما فسر ابن عباس الفقراء بهم وفسر المساكين بالطوافين ، ثم ثبت أن أحوال المحتاج الذي لا يسأل أحدا شيئا أشد من أحوال من يحتاج ، ثم يسأل الناس ويطوف عليهم ، ظهر أن الفقير يجب أن يكون أسوأ حالا من المسكين .
الوجه السابع : أن المسكنة لفظ مأخوذ من السكون ، فالفقير إذا سأل الناس وتضرع إليهم وعلم أنه متى تضرع إليهم أعطوه شيئا فقد سكن قلبه ، وزال عنه الخوف والقلق ، ويحتمل أنه سمي بهذا الاسم ؛ لأنه إذا أجيب بالرد ومنع سكن ولم يضطرب وأعاد السؤال ، فلهذا السبب جعل التمسكن كناية عن السؤال والتضرع عند الغير ، ويقال : تمسكن الرجل إذا لان وتواضع ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام للمصلي : «تأن وتمسكن » يريد تواضع وتخشع ، فدل هذا على أن المسكين هو السائل .
إذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى قال في آية أخرى : { وفي أموالهم حق للسائل والمحروم } فلما ثبت بما ذكرنا ههنا أن المسكين هو السائل ، وجب أن يكون المحروم هو الفقير ، ولا شك أن المحروم مبالغة في تقرير أمر الحرمان ، فثبت أن الفقير أسوأ حالا من المسكين .
الوجه الثامن : أنه عليه الصلاة والسلام قال : «أحيني مسكينا » الحديث ، والظاهر أنه تعالى أجاب دعاءه فأماته مسكينا ، وهو عليه الصلاة والسلام حين توفي كان يملك أشياء كثيرة فدل هذا على أن كونه مسكينا لا ينافي كونه مالكا لبعض الأشياء ، أما الفقير فإنه يدل على الحاجة الشديدة لقوله عليه الصلاة والسلام : «كاد الفقر أن يكون كفرا » فثبت بهذا أن الفقر أشد حالا من المسكنة .
الوجه التاسع : أن الناس اتفقوا على أن الفقر والغنى ضدان ، كما أن السواد والبياض ضدان ولم يقل أحد إن الغنى والمسكنة ضدان بل قالوا : الترفع والتمسكن ضدان ؛ فمن كان منقادا لكل أحد خائفا منهم متحملا لشرهم ساكتا عن جوابهم متضرعا إليهم . قالوا : إن فلانا يظهر الذل والمسكنة ، وقالوا : إنه مسكين عاجز ، وأما الفقير فجعلوه عبارة عن ضد الغنى ، وعلى هذا فقد يصفون الرجل الغني بكونه مسكينا ، إذا كان يظهر من نفسه الخضوع والطاعة وترك المعارضة ، وقد يصفون الرجل الفقير بكونه مترفعا عن التواضع والمسكنة ، فثبت أن الفقر عبارة عن عدم المال والمسكنة عبارة عن إظهار التواضع ، والأول ينافي حصول المال ، والثاني لا ينافي حصوله .
الوجه العاشر : قوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ في الزكاة : «خذها من أغنيائهم ، وردها على فقرائهم » ولو كانت الحاجة في المساكين أشد ، لوجب أن يقول : وردها على مساكينهم ، لأن ذكر الأهم أولى ، فهذه الوجوه التي ذكرناها تدل على أن الفقير أسوأ حالا من المسكين ، واحتج القائلون بأن المسكين أسوأ حالا من الفقير بوجوه : الأول : احتجوا بقوله تعالى : { أو مسكينا ذا متربة } وصف المسكين بكونه ذا متربة ، وذلك يدل على نهاية الضر والشدة ، وأيضا أنه تعالى جعل الكفارات من الأطعمة له ، ولا فاقة أعظم من الحاجة إلى إزالة الجوع . الثاني : احتجوا بقول الراعي :
أما الفقير الذي كانت حلوبته *** وفق العيال فلم يترك له سيد
سماه فقيرا وله حلوبة . الثالث : قالوا المسكين هو الذي يسكن حيث يحضر لأجل أنه ليس له بيت يسكن فيه وذلك يدل على نهاية الضر والبؤس . الرابع : نقلوا عن الأصمعي وعن أبي عمرو بن العلاء أنهما قالا : الفقير الذي له ما يأكل . والمسكين الذي لا شيء له ، وقال يونس : الفقير قد يكون له بعض ما يكفيه والمسكين هو الذي لا شيء له ، وقلت لأعرابي أفقير أنت ؟ قال : لا والله بل مسكين .
والجواب : عن تمسكهم بالآية أنا بينا أن هذه الآية حجة لنا ، فإنه لما قيد المسكين المذكور ههنا بكونه ذا متربة دل ذلك على أنه قد يوجد مسكين لا بهذه الصفة وإلا لم يبق لهذا القيد فائدة قوله : أنه صرف الطعام الواجب في الكفارات إليه ، قلنا : نعم إنه أوجب صرفه إلى المسكين المقيد بقيد كونه ذا متربة ، وهذا لا يدل على أنه أوجب الصرف إلى مطلق المسكين .
والجواب عن استدلالهم ببيت الراعي أنه ذكر أن هذا الذي هو الآن موصوف بكونه فقيرا فقد كانت له حلوبة ثم السيد لم يترك له شيئا ، فلم لا يجوز أن يقال كانت له حلوبة ثم لما لم يترك له شيء وصف بكونه فقيرا ؟
والجواب عن قولهم : المسكين هو الذي يسكن حيث يحضر لأجل أنه ليس له بيت .
قلنا : بل المسكين هو الطواف على الناس الذي يكثر إقدامه على السؤال ، وسمي مسكينا إما لسكونه عندما ينتهرونه ويردونه ، وإما لسكون قلبه بسبب علمه أن الناس لا يضيعونه مع كثرة سؤاله إياهم ، وأما الروايات التي ذكروها عن أبي عمرو ويونس فهذا معارض بقول الشافعي وابن الأنباري رحمهما الله ، وأيضا نقل القفال في «تفسيره » عن جابر بن عبد الله أنه قال : الفقراء فقراء المهاجرين ، والمساكين الذين لم يهاجروا ، وعن الحسن الفقير الجالس في بيته ، والمسكين الذي يسعى وعن مجاهد الفقير الذي لا يسأل ، والمسكين الذي يسأل ، وعن الزهري الفقراء هم المتعففون الذين لا يخرجون ، والمساكين الذين يسألون ، قال مولانا الداعي إلى الله : هذه الأقوال كلها متوافقة على أن الفقير لا يسأل ، والمسكين يسأل ، ومن سأل وجد ، فكان المسكين أسهل وأقل حاجة .
الصنف الثالث : قوله تعالى : { والعاملين عليها } وهم السعاة لجباية الصدقة ، وهؤلاء يعطون من الصدقات بقدر أجور أعمالهم ، وهو قول الشافعي رحمه الله ، وقول عبد الله بن عمر وابن زيد ، وقال مجاهد والضحاك : يعطون الثمن من الصدقات ، وظاهر اللفظ مع مجاهد إلا أن الشافعي رحمه الله يقول هذا أجرة العمل فيتقدر بقدر العمل ، والصحيح أن مولى الهاشمي والمطلبي لا يجوز أن يكون عاملا على الصدقات ليناله منها ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبى أن يبعث أبا رافع عاملا على الصدقات ، وقال : أما علمت أن مولى القوم منهم . وإنما قال : { والعاملين عليها } لأن كلمة على تفيد الولاية كما يقال فلان على بلد كذا إذا كان واليا عليه .
الصنف الرابع : قوله تعالى : { والمؤلفة قلوبهم } قال ابن عباس : هم قوم أشراف من الأحياء أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وكانوا خمسة عشر رجلا ، أبو سفيان ، والأقرع بن حابس ، وعيينة بن حصن ، وحويطب بن عبد العزى ، وسهل بن عمرو من بني عامر ، والحرث ابن هشام ، وسهيل بن عمرو الجهني ، وأبو السنابل ، وحكيم بن حزام . ومالك بن عوف ، وصفوان بن أمية ، وعبد الرحمن بن يربوع ، والجد بن قيس ، وعمرو بن مرداس . والعلاء بن الحرث أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل رجل منهم مائة من الإبل ورغبهم في الإسلام ، إلا عبد الرحمن ابن يربوع أعطاه خمسين من الإبل وأعطى حكيم بن حزام سبعين من الإبل ، فقال : يا رسول الله ما كنت أرى أن أحدا من الناس أحق بعطائك مني فزاده عشرة ، ثم سأله فزاده عشرة ، وهكذا حتى بلغ مائة ، ثم قال حكيم : يا رسول الله أعطيتك الأولى التي رغبت عنها خير أم هذه التي قنعت بها ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : «بل التي رغبت عنها » فقال : والله لا آخذ غيرها : فقيل مات حكيم وهو أكثر قريش مالا وشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك العطايا لكن ألفهم بذلك . قال المصنف رحمه الله : هذه العطايا إنما كانت يوم حنين ولا تعلق لها بالصدقات ، ولا أدري لأي سبب ذكر ابن عباس رضي الله عنهما هذه القصة في تفسير هذه الآية ، ولعل المراد بيان أنه لا يمتنع في الجملة صرف الأموال إلى المؤلفة ، فأما أن يجعل ذلك تفسيرا لصرف الزكاة إليهم فلا يليق بابن عباس ، ونقل القفال أن أبا بكر رضي الله عنه أعطى عدي بن حاتم لما جاءه بصدقاته وصدقات قومه أيام الردة ، وقال المقصود أن يستعين الإمام بهم على استخراج الصدقات من الملاك . قال الواحدي : إن الله تعالى أغنى المسلمين عن تألف قلوب المشركين ، فإن رأى الإمام أن يؤلف قلوب قوم لبعض المصالح التي يعود نفعها على المسلمين إذا كانوا مسلمين جاز إذ لا يجوز صرف شيء من زكوات الأموال إلى المشركين ، فأما المؤلفة من المشركين فإنما يعطون من مال الفيء لا من الصدقات وأقول إن قول الواحدي إن الله أغنى المسلمين عن تألف قلوب المشركين بناء على أنه ربما يوهم أنه عليه الصلاة والسلام دفع قسما من الزكاة إليهم لكنا بينا أن هذا لم يحصل البتة ، وأيضا فليس في الآية ما يدل على كون المؤلفة مشركين بل قال : { والمؤلفة قلوبهم } وهذا عام في المسلم وغيره ، والصحيح أن هذا الحكم غير منسوخ وأن للإمام أن يتألف قوما على هذا الوصف ويدفع إليهم سهم المؤلفة لأنه دليل على نسخه البتة .
الصنف الخامس : قوله : { وفي الرقاب } قال الزجاج : وفيه محذوف ، والتقدير : وفي فك الرقاب وقد مضى الاستقصاء في تفسيره في سورة البقرة في قوله : { والسائلين وفي الرقاب } ثم في تفسير الرقاب أقوال :
القول الأول : إن سهم الرقاب موضوع في المكاتبين ليعتقوا به ، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله ، والليث بن سعد ، واحتجوا بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : قوله : { وفي الرقاب } يريد المكاتب وتأكد هذا بقوله تعالى : { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } .
والقول الثاني : وهو مذهب مالك وأحمد وإسحق أنه موضوع لعتق الرقاب يشتري به عبيد فيعتقون .
والقول الثالث : قول أبي حنيفة وأصحابه وقول سعيد بن جبير والنخعي ، أنه لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة ولكنه يعطي منها في رقبة ويعان بها مكاتب لأن قوله : { وفي الرقاب } يقتضي أن يكون له فيه مدخل وذلك ينافي كونه تاما فيه .
والقول الرابع : قول الزهري : قال سهم الرقاب نصفان ، نصف للمكاتبين من المسلمين ، ونصف يشتري به رقاب ممن صلوا وصاموا ، وقدم إسلامهم فيعتقون من الزكاة ، قال أصحابنا : والاحتياط في سهم الرقاب دفعه إلى السيد بإذن المكاتب ، والدليل عليه أنه تعالى أثبت الصدقات للأصناف الأربعة الذين تقدم ذكرهم بلام التمليك وهو قوله : { إنما الصدقات للفقراء } ولما ذكر الرقاب أبدل حرف اللام بحرف في فقال : { وفي الرقاب } فلابد لهذا الفرق من فائدة ، وتلك الفائدة هي أن تلك الأصناف الأربعة المتقدمة يدفع إليهم نصيبهم من الصدقات حتى يتصرفوا فيها كما شاؤوا وأما { في الرقاب } فيوضع نصيبهم في تخليص رقبتهم عن الرق ، ولا يدفع إليهم ولا يمكنوا من التصرف في ذلك النصيب كيف شاؤوا ، بل يوضع في الرقاب بأن يؤدي عنهم ، وكذا القول في الغارمين يصرف المال في قضاء ديونهم ، وفي الغزاة يصرف المال إلى إعداد ما يحتاجون إليه في الغزو وابن السبيل كذلك . والحاصل : أن في الأصناف الأربعة الأول ، يصرف المال إليهم حتى يتصرفوا فيه كما شاؤا ، وفي الأربعة الأخيرة لا يصرف المال إليهم ، بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا سهم الزكاة .
الصنف السادس : قوله تعالى : { والغارمين } قال الزجاج : أصل الغرم في اللغة لزوم ما يشق والغرام العذاب اللازم ، وسمي العشق غراما لكونه أمرا شاقا ولازما ، ومنه : فلان مغرم بالنساء إذا كان مولعا بهن ، وسمي الدين غراما لكونه شاقا على الإنسان ولازما له ، فالمراد بالغارمين المديونون ، ونقول : الدين إن حصل بسبب معصية لا يدخل في الآية ، لأن المقصود من صرف المال المذكور في الآية الإعانة ، والمعصية لا تستوجب الإعانة ، وإن حصل لا بسبب معصية فهو قسمان : دين حصل بسبب نفقات ضرورية أو في مصلحة ، ودين حصل بسبب حمالات وإصلاح ذات بين ، والكل داخل في الآية ، وروى الأصم في «تفسيره » أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قضى بالغرة في الجنين ، قالت العاقلة : لا نملك الغرة يا رسول الله قال لحمد بن مالك بن النابغة :
" أعنهم بغرة من صدقاتهم " وكان حمد على الصدقة يومئذ .
الصنف السابع : قوله تعالى : { وفي سبيل الله } قال المفسرون : يعني الغزاة . قال الشافعي رحمه الله : يجوز له أن يأخذ من مال الزكاة وإن كان غنيا وهو مذهب مالك وإسحق وأبي عبيد . وقال أبو حنيفة وصاحباه رحمهم الله : لا يعطى الغازي إلا إذا كان محتاجا .
واعلم أن ظاهر اللفظ في قوله : { وفي سبيل الله } لا يوجب القصر على كل الغزاة ، فلهذا المعنى نقل القفال في «تفسيره » عن بعض الفقهاء أنهم أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الحصون وعمارة المساجد ، لأن قوله : { وفي سبيل الله } عام في الكل .
والصنف الثامن : ابن السبيل قال الشافعي رحمه الله : ابن السبيل المستحق للصدقة وهو الذي يريد السفر في غير معصية فيعجز عن بلوغ سفره إلا بمعونة . قال الأصحاب : ومن أنشأ السفر من بلده لحاجة ، جاز أن يدفع إليه سهم ابن السبيل ، فهذا هو الكلام في شرح هذه الأصناف الثمانية .
المسألة الخامسة : في أحكام هذه الأقسام .
اتفقوا على أن قوله : { إنما الصدقات } دخل فيه الزكاة الواجبة ، لأن الزكاة الواجبة مسماة بالصدقة ، قال تعالى : { خذ من أموالهم صدقة } وقال عليه الصلاة والسلام : " ليس فيما دون خمسة ذود وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " واختلفوا في أنه هل تدخل فيها الصدقة المندوبة فمنهم من قال : تدخل فيها لأن لفظ الصدقة مختص بالمندوبة فإذا أدخلنا فيه الزكاة الواجبة فلا أقل من أن تدخل فيه أيضا الصدقة المندوبة وتكون الفائدة أن مصارف جميع الصدقات ليس إلا هؤلاء ، والأقرب أن المراد من لفظ الصدقات ههنا هو الزكوات الواجبة ويدل عليه وجوه : الأول : أنه تعالى أثبت هذه الصدقات بلام التمليك للأصناف الثمانية ، والصدقة المملوكة لهم ليست إلا الزكاة الواجبة ، الثاني : أن ظاهر هذه الآية يدل على أن مصرف الصدقات ليس إلا لهؤلاء الثمانية ، وهذا الحصر إنما يصح لو حملنا هذه الصدقات على الزكوات الواجبة ، أما لو أدخلنا فيها المندوبات لم يصح هذا الحصر ، لأن الصدقات المندوبة يجوز صرفها إلى بناء المساجد ، والرباطات ، والمدارس ، وتكفين الموتى وتجهيزهم وسائر الوجوه . الثالث : أن قوله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء } إنما يحسن ذكره لو كان قد سبق بيان تلك الصدقات وأقسامها حتى ينصرف هذا الكلام إليه ، والصدقات التي سبق بيانها وتفصيلها هي الصدقات الواجبة فوجب انصراف هذا الكلام إليها .
دلت هذه الآية على أن هذه الزكاة يتولى أخذها وتفرقتها الإمام ومن يلي من قبله ، والدليل عليه أن الله تعالى جعل للعاملين سهما فيها ، وذلك يدل على أنه لا بد في أداء هذه الزكوات من عامل والعامل هو الذي نصبه الإمام لأخذ الزكوات ، فدل هذا النص على أن الإمام هو الذي يأخذ هذه الزكوات ، وتأكد هذا النص بقوله تعالى : { خذ من أموالهم صدقة } فالقول بأن المالك يجوز له إخراج زكاة الأموال الباطنة بنفسه إنما يعرف بدليل آخر ، ويمكن أن يتمسك في إثباته بقوله تعالى : { وفي أموالهم حق للسائل والمحروم } فإذا كان ذلك الحق حقا للسائل والمحروم وجب أن يجوز له دفعه إليه ابتداء .
نص القرآن يدل على أن العامل له في مال الزكاة حق ، واختلفوا في أن الإمام هل له فيه حق ؟ فمنهم من أثبته قال : لأن العامل إنما قدر على ذلك العمل بتقويته وإمارته ، فالعامل في الحقيقة هو الإمام ، ومنهم من منعه وقال : الآية دلت على حصر مال الزكاة في هؤلاء الثمانية ، والإمام خارج عنهم فلا يصرف هذا المال إليه .
اختلفوا في هذا العامل إذا كان غنيا هل يأخذ النصيب ؟ قال الحسن : لا يأخذ إلا مع الحاجة وقال الباقون : يأخذ وإن كان غنيا لأنه يأخذه أجرة على العمل ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : للعامل في مال الزكاة الثمن ، لأن الله تعالى قسم الزكاة على ثمانية أصناف فوجب أن يحصل له الثمن ، كما أن من أوصى بمال لثمانية أنفس حصل لكل واحد منهم ثمنه ، وقال الأكثرون : بل حقه بقدر مؤنته عند الجباية والجمع .
اتفقوا على أن مال الزكاة لا يخرج عن هذه الثمانية واختلفوا أنه هل يجوز وضعه في بعض الأصناف فقط ؟ وقد سبق ذكر دلائل هاتين المسألتين ، إلا أنا إذا قلنا يجوز وضعه في بعض الأصناف فقط فهذا إنما يجوز في غير العامل ، وأما وضعه بالكلية في العالم فذلك غير جائز بالاتفاق .
أن العامل والمؤلفة مفقودان في هذا الزمان ، ففيه الأصناف الستة والأولى صرف الزكاة إلى هذه الأصناف الستة على ما يقوله الشافعي ، لأنه الغاية في الاحتياط ، أما إن لم يفعل ذلك أجزأه على ما بيناه .
عموم قوله : { للفقراء والمساكين } يتناول الكافر والمسلم إلا أن الأخبار دلت على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى الفقراء والمساكين وغيرهم إلا إذا كانوا مسلمين .
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الأصناف الثمانية وشرح أحوالهم . قال : { فريضة من الله } قال الزجاج : { فريضة } منصوب على التوكيد ، لأن قوله : { إنما الصدقات } لهؤلاء جار مجرى قوله : فرض الله الصدقات لهؤلاء فريضة ، وذلك كالزجر عن مخالفة هذا الظاهر ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إن الله تعالى لم يرض بقسمة الزكاة أن يتولاها ملك مقرب ولا نبي مرسل حتى تولى قسمتها بنفسه » والمقصود من هذه التأكيدات تحريم إخراج الزكاة عن هذه الأصناف .
ثم قال : { والله عليم } أي أعلم بمقادير المصالح { حكيم } لا يشرع إلا ما هو الأصوب الأصلح ، والله أعلم .
{ إنَّمَا الصدقات للْفُقَرَاء والمساكين } الخ يعني أن الذي ينبغي أن يقسم مال الله عليه من اتصف باحدى هذه الصفات دون غيره إذ القصد الصلاح والمنافقون ليس فيهم سوى الفساد فلا يستحقونه وفي ذلك حسم لأطماعهم الفارغة ورد لمقالتهم الباطلة ، والمراد من الصدقات الزكوات فيخرج غيرها من التطوع ، والفقير على ما روي عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه من له أدنى شيء وهو ما دون النصاب أو قدر نصاب غير نام وهو مستغرق في الحاجة ، والمسكين من لا شيء له فيحتاج للمسألة لقوته وما يوراى بدنه ويحل له ذلك بخلاف الأول حيث لا تحل له المسألة فإنها لا تحل لمن يملك قوت يومه بعد ستر بدنه ، وعند بعضهم لا تحل لمن كان كسوباً أو يملك خمسين درهما . فقد أخرج أبو داود . والترمذي والنسائي عن ابن مسعود قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سألنا وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح قيل : يا رسول الله وما يغنيه ؟ قال : خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب » وإلى هذا ذهب الثوري . وابن المبارك . وأحمد واسحق ، وقيل : من ملك أربعين درهماً حرم عليه السؤال لما أخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف » وكان الأوقية في ذلك الزمان أربعين درهماً . ويجوز صرف الزكاة لمن لا تحل له المسألة بعد كونه فقيراً ، ولا يخرجه عن الفقر ملك نصب كثيرة غير نامية إذا كانت مستغرقة للحاجة ، ولذا قالوا : يجوز للعالم وإن كانت له كتب تساوي نصباً كثيرة إذا كان محتاجاً إليها للتدريس ونحوه أخذ الزكاة بخلاف العامي وعلى هذا جميع آلات المحترفين .
وعلى ما نقل عن الإمام يكون المسكين أسوأ حالاً من الفقير ، واستدل بقوله تعالى : { أوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَة } [ البلد : 16 ] الخ يعني أن الذي ينبغي أن يقسم مال الله عليه من اتصف باحدى هذه الصفات دون غيره إذ القصد الصلاح والمنافقون ليس فيهم سوى الفساد فلا يستحقونه وفي ذلك حسم لأطماعهم الفارغة ورد لمقالتهم الباطلة ، والمراد من الصدقات الزكوات فيخرج غيرها من التطوع ، والفقير على ما روي عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه من له أدنى شيء وهو ما دون النصاب أو قدر نصاب غير نام وهو مستغرق في الحاجة ، والمسكين من لا شيء له فيحتاج للمسألة لقوته وما يوراى بدنه ويحل له ذلك بخلاف الأول حيث لا تحل له المسألة فإنها لا تحل لمن يملك قوت يومه بعد ستر بدنه ، وعند بعضهم لا تحل لمن كان كسوباً أو يملك خمسين درهما .
فقد أخرج أبو داود . والترمذي والنسائي عن ابن مسعود قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سألنا وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح قيل : يا رسول الله وما يغنيه ؟ قال : خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب » وإلى هذا ذهب الثوري . وابن المبارك . وأحمد واسحق ، وقيل : من ملك أربعين درهماً حرم عليه السؤال لما أخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف » وكان الأوقية في ذلك الزمان أربعين درهماً . ويجوز صرف الزكاة لمن لا تحل له المسألة بعد كونه فقيراً ، ولا يخرجه عن الفقر ملك نصب كثيرة غير نامية إذا كانت مستغرقة للحاجة ، ولذا قالوا : يجوز للعالم وإن كانت له كتب تساوي نصباً كثيرة إذا كان محتاجاً إليها للتدريس ونحوه أخذ الزكاة بخلاف العامي وعلى هذا جميع آلات المحترفين .
وعلى ما نقل عن الإمام يكون المسكين أسوأ حالاً من الفقير ، واستدل بقوله تعالى : { أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } [ البلد : 61 ] أي ألصق جلده بالتراب في حفرة استتر بها مكان الإزار وألصق بطنه به لفرط الجوع فإنه يدل على غاية الضرر والشدة ولم يوصف الفقير بذلك ، وبأن الأصمعي . وأبا عمرو بن العلاء وغيرهما من أهل اللغة فسروا المسكين بمن لا شيء له ، والفقير بمن له بلغة من العيش . وأجيب بأن تمام الاستدلال بالآية موقوف على أن الصفة كاشفة وهو خلاف الظاهر ، وأن النقل عن بعض أهل اللغة معارض بالنقل عن البعض الآخر . وقال الشافعي عليه الرحمة : الفقير من لا مال له ولا كسب يقع موقعاً من حاجته ، والمسكين من له مال أو كسب لا يكفيه ، فالفقير عنده أسوأ حالاً من المسكين ، واستدل له بقوله تعالى : { وَأَمَّا * السفينة فَكَانَتْ لمساكين } [ الكهف : 79 ] فأثبت للمسكين سفينة ، وبما رواه الترمذي عن أنس . وابن ماجه . والحاكم عن أبي سعيد قالا : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين " مع ما رواه أبو داود عن أبي بكرة أنه عليه الصلاة والسلام كان يدعو بقوله : " اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر " وخبر «الفقر فخري » كذب لا أصل له . وبأن الله تعالى قدم الفقير في الآية ولو لم تكن حاجته أشد لما بدأ به ، وبأن الفقير بمعنى المفقور أي مكسور الفقار أي عظام الصلب فكان أسوأ . وأجيب عن الأول بأن السفينة لم تكن ملكاً لهم بل هم أجراء فيها أو كانت عارية معهم أو قيل لهم مساكين ترحماً كما في الحديث " مساكين أهل النار "
مساكين أهل الحب حتى قبورهم *** عليها تراب الذل بين المقابر
وهذا أولى ، وعن الثاني بأن الفقر المتعوذ منه ليس إلا فقر النفس لما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يسأل العفاف والغنى والمراد به غنى النفس لا كثرة الدنيا ، وعن الثالث بأن التقديم لا دليل فيه إذ له اعتبارات كثيرة في كلامهم ، وعن الرابع بأنا لا نسلم أن الفقير مأخوذ من الفقار لجواز كونه من فقرت له فقرة من مالي إذا قطعتها فيكون له شيء ، وأياً ما كان فهما صنفان ، وقال الجبائي : إنهما صنف واحد والعطف للاختلاف في المفهوم ، وروي ذلك عن محمد . وأبي يوسف ، وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أوصى بثلث ماله مثلا لفلان وللفقراء والمساكين فمن قال : إنهما صنف واحد جعل لفلان النصف ومن قال : إنهما صنفان جعل له الثلث من ذلك { والعاملين عَلَيْهَا } وهم الذين يبعثهم الإمام لجبايتها ، وفي البحر أن العامل يشمل العاشر والساعي . والأول من نصبه الإمام على الطريق ليأخذ الصدقات من التجار المارين بأموالهم عليه .
والثاني هو الذي يسعى في القبائل ليأخذ صدقة المواشي في أماكنها ، ويعطي العامل ما يكفيه وأعوانه بالوسط مدة ذهابهم وإيابهم ما دام المال باقياً إلا إذا استغرقت كفايته الزكاة فلا يزاد على النصف لأن التصنيف عين الإنصاف .
وعن الشافعي أنه يعطي الثمن لأن القسمة تقتضيه وفيه نظر ، وقيد بالوسط لا يجوز أن يتبع شهوته في المأكل والمشرب والملبس لكونه إسرافاً محضاً ، وعلى الإمام أن يبعث من يرضي بالوسط من غير إسراف ولا تقتير ، وببقاء المال لأنه لو أخذ الصدقة وضاعت من يده بطلت عمالته ولا يعطي من بين المال شيئاً وما يأخذه صدقة ، ومن هنا قالوا : لا تحل العمالة لهاشمي لشرفه ، وإنما حلت للغني مع حرمة الصدقة عليه لأنه فرغ نفسه لهذا العمل فيحتاج إلى الكفاية ، والغنى لا يمنع من تناولها عند الحاجة كابن السبيل كذا في البدائع ، والتحقيق أن في ذلك شبهاً بالاجرة وشبهاً بالصدقة ، فبالاعتبار الأول حلت للغنى ولذا لا يعطى لو أداها صاحب المال إلى الإمام ، وبالاعتبار الثاني لا تحل للهاشمي . وفي النهاية رجل من بني هاشم استعمل على الصدقة فأجرى له منها رزق فإنه لا ينبغى له أن يأخذ من ذلك ، وإن عمل فيها ورزق من غيرها فلا بأس به ، وهو يفيد صحة توليته وأن أخذه منها مكروه لإحرام ، وصرح في الغاية بعدم صحة كون العامل هاشمياً أو عبداً أو كافراً ، ومنه يعلم حرمة تولية اليهود على بعض الأعمال وقد تقدمت نبذة من الكلام على ذلك { والمؤلفة قُلُوبُهُمْ } وهم كانوا ثلاثة أصناف . صنف كان يؤلفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلموا . وصنف أسلموا لكن على ضعف كعيينة بن حصن .
والأقرع بن حابس . والعباس بن مرداس السلمي فكان عليه الصلاة والسلام يعطيهم لتقوى نيتهم في الإسلام . وصنف كانوا يعطون لدفع شرهم عن المؤمنين ، وعد منهم من يؤلف قلبه بإعطاء شيء من الصدقات على قتال الكفار ومانعي الكاة . وفي الهداية أن هذا الصنف من الأصناف الثمانية قد سقط وانعقد إجماع الصحابة على ذلك في خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه . روي أن عيينة والأقرع جاءا يطلبان أرضاً من أبي بكر فكتب بذلك خطاً فمزقه عمر رضي الله تعالى عنه وقال : هذا شيء يعطيكموه رسول الله صلى الله عليه وسلم تأليفاً لكم فأما اليوم فقد أغز الله تعالى الإسلام وأغني عنكم فإن ثبتم على الإسلام وإلا فبيننا وبينكم السيف . فرجعوا إلى أبي بكر فقالوا : أنت الخليفة أم عمر ؟ بذلت لنا الخط ومزقه عمر ، فقال رضي الله تعالى عنه : هو إن شاء ووافقه ، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع احتمال أن فيه مفسدة كارتداد بعض منهم وإثارة ثائرة . واختلف كلام القوم في وجه سقوطه بعد النبي صلى الله عليه وسلم بعد ثبوته بالكتاب إلى حين وفاته بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام فمنهم من ارتكب جواز نسخ ما ثبت بالكتاب بالإجماع بناء على أن الإجماع حجة قطعية كالكتاب وليس بصحيح من المذهب ؛ ومنهم من قال : هو من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علته كانتهاء جواز الصوم بانتهاء وقته وهو النهار . ورد بأن الحكم في البقاء لا يحتاج إلى علة كما في الرمل والاضطباع في الطواف فانتهاؤها لا يستلزم انتهاءه وفيه بحث . وقال علاء الدين عبد العزيز : والأحسن أن يقال : هذا تقرير لما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من حيث المعنى ، وذلك أن المقصود بالدفع إليهم كان إعزاز الإسلام لضعفه في ذلك الوقت لغلبة أهل الكفر وكان الإعزاز بالدفع ، ولما تبدلت الحال بغلبة أهل الإسلام صار الإعزاز في المنع ، وكان الإعطاء في ذلك الزمان والمنع في هذا الزمان بمنزلة الآلة لإعزاز الدين والإعزاز هو المقصود وهو باق على حاله فلم يكن ذلك نسخاً ، كالمتيمم وجب عليه استعمال التراب للتطهير لأنه آلة متعينة لحصول التطهير عند عدم المار فإذا تبدلت حاله فوجد الماء سقط الأول ووجب استعمال الماء لأنه صار متعيناً لحصول المقصود لا يكون هذا نسخاً للأول فكذا هذا وهو نظير إيجاب الدية على العاقلة فإنها كانت واجبة على العشيرة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وبعده على أهل الديوان لأن الإيجاب على العاقلة بسبب النصرة والاستنصار في زمنه صلى الله عليه وسلم كان بالعشيرة وبعده عليه الصلاة والسلام بأهل الديوان ، فإيجابها عليهم لم يكن نسخاً بل كان تقريراً للمعنى الذي وجبت الدية لأجله وهو الاستنصار ا ه .
وتعقبه ابن الهمام بأن هذا لا ينفي النسخ لأن إباحة الدفع إليهم حكم شرعي كان ثابتاً وقد ارتفع ، وقال بعض المحققين : إن ذلك نسخ ولا يقال : نسخ الكتاب بالإجماع لا يجوز على الصحيح لأن الناسخ دليل الإجماع لا هو بناء على أنه لا إجماع إلا عن مستند فإن ظهر وإلا وجب الحكم بأنه ثابت ، على أن الآية التي أشار إليها عمر رضي الله تعالى عنه وهي قوله سبحانه : { وَقُلِ الحق مِن رَّبّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } [ الكهف : 29 ] يصلح لذلك وفيه نظر ، فإنه إنما يتم لو ثبت نزول هذه الآية بعد هذه ولم يثبت ، وقال قوم : لم يسقط سهم هذا الصنف ، وهو قول الزهري وأبي جعفر محمد بن علي . وأبي ثور ، وروي ذلك عن الحسن ، وقال أحمد : يعطون أن احتاج المسلمون إلى ذلك .
وقال البعض : إن المؤلفة قلوبهم مسلمون وكفار والساقط سهم الكفار فقط . وصحح أنه عليه الصلاة والسلام كان يعطيهم من خمس الخمس الذي كان خاص ماله صلى الله عليه وسلم { وَفِي الرقاب } أي للصرف في فك الرقاب بأن يعان المكاتبون بشيء منها على أدار نجومهم ، وقيل : بأن يبتاع منها الرقاب فتعتق ، وقيل : بأن يفدي الأساري ، وإلى الأول ذهب النخعي . والليث . والزهري . والشافعي ، وهو المروى عن سعيد بن جبير وعليه أكثر الفقهاء ، وإلى الثاني ذهب مالك . وأحمد . وإسحق ، وعزاه الطيبي إلى الحسن ، وفي تفسير الطبري أن الأول هو المنقول عنه { والغارمين } أي الذين عليهم دين ، والدفع إليهم كما في الظهيرية أولى من الدفع إلى الفقير وقيدوا الدين بكونه في غير معصية كالخمر والإسراف فيما لا يعنيه ، لكن قال النووي في المنهاج قلت : والأصح أن من استدان للمعصية يعطي إذا تاب وصححه في الروضة ، والمانع مطلقاً قال : إنه قد يظهر التوبة للأخذ ، واشترط أن لا يكون لهم ما يوفون به دينهم فاضلاً عن حوائجهم ومن يعولونه ، وإلا فمجرد الوفاء لا يمنع من الاستحقاق ، وهو أحد قولين عند الشافعية وهو الأظهر .
وقيل : لا يشترط لعموم الآية . وأطاق القدوري . وصاحب الكنز من أصحابنا المديون في باب المصرف ، وقيده في الكافي بأن لا يملك نصاباً فضلاً عن دينه ووذكر في البحر أنه المراد بالغارم في الآية إذ هو في اللغة من عليه دين ولا يجد قضاء كما ذكره العتبي . واعتذر عن عدم التقييد بأن الفقر شرط في الأصناف كلها إلا العامل وابن السبيل إذا كان له في وطنه مال فهو بمنزلة الفقير ، وهل يشترط حلول الدين أولا قولان للشافعية . ويعطي عندهم من استدان لإصلاح ذات البين كأن يخاف فتنة بين قبيلتين تنازعتا في قتيل لم يظهر قاتله أو ظهر فأعطي الدية تسكيناً للفتنة ، ويعطى مع الغنى مطلقاً ، وقيل : إن كان غنياً بنقد لا يعطى { وَفِى سَبِيلِ الله } .
أريد بذلك عند أبي يوسف منقطعوا الغزاة ، وعند محمد منقطعوا الحجيج . وقيل : المراد طلبة العلم واقتصر عليه في الفتاوي الظهيرية ، وفسره في «البدائع » بجميع القرب فيدخل فيه كل من سعي في طاعة الله تعالى وسبل الخيرات . قال في البحر : ولا يخفى أن قيد الفقر لا بد منه على الوجوه كلها فحينئد لا تظهر ثمرته في الزكاة . وإنما تظهر في الوصايا والأوقاف انتهى . وفي النهاية فإن قيل : إن قوله سبحانه { وَفِى سَبِيلِ الله } مكرر سواء أريد منقطع الغزاة أو غيره لأنه إما أن يكون له في وطنه مال أم لا فإن كان فهو ابن السبيل وإن لم يكن فهو فقير ، فمن أين يكون العدد سبعة على ما يقول الأصحاب أو ثمانية على ما يقول غيرهم . وأجيب بأنه فقير إلا أنه ازداد فيه شيء آخر سوى الفقر وهو الانقطاع في عبادة الله تعالى من جهاد أو حج فلذا غاير الفقير المطلق فإن المقيد يغاير المطلق لا محالة ، ويظهر أثر التغاير في حكم آخر أيضاً وهو زيادة التحريض والترغيب في رعاية جانبه وإذا كان كذلك لم تنقص المصارف عن سبعة وفيه تأمل انتهى ، ولا يخفي وجهه . وذكر بعضهم أن التحقيق ما ذكره الجصاص في الأحكام أن من كان غنياً في بلده بداره وخدمه وفرسه وله فضل دراهم حتى لا تحل له الصدقة فإذا عزم على سفر جهاد احتاج لعدة وسلاح لم يكن محتاجاً له في إقامته فيجوز أن يعطي من الصدقة وإن كان غنياً في مصره وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " الصدقة تحل للغازي الغني " فافهم ولا تغفل { وابن السبيل } وهو المسافر المنقطع عن ماله ، والاستقراض له خير من قبول الصدقة على ما في الظهيرية . وفي «فتح القدير » أنه لا يحل له أن يأخذ أكثر من حاجته ، وألحق به كل من هو غائب عن ماله وان كان في بلده . وفي المحيط وإن كان تاجراً له دين على الناس لا يقدر على أخذه ولا يجد شيئاً يحل له أخذ الزكاة لأنه فقير يداً كابن السبيل . وفي الخانية تفصيل في هذا المقام قال : والذي له دين مؤجل على إنسان إذا احتاج إلى النفقة يجوز له أن يأخذ من الزكاة قدر كفايته إلى حلول الأجل ، وإن كان الدين غير مؤجل فإن كان من عليه الدين معسراً يجوز له أن يأخذ الزكاة في أصح الأقاويل لأنه بمنزلة ابن السبيل ، وإن كان المديون موسراً معترفاً لا يحل له أخذ الزكاة وكذا إذا كان جاحداً وله عليه بينة عادلة ، وإن لم تكن عادلة لا يحل له الأخذ أيضاً ما لم يرفع الأمر إلى القاضي فيحلفه فإذا حلفه يحل له الأخذ بعد ذلك ا ه ، والمراد من الدين ما يبلغ نصاباً كما لا يخفي .
وفي «فتح القدير » ولو دفع إلى فقيره لها مهر دين على زوجها يبلغ نصاباً وهو موسر بحيث لو طلبت أعطاها لا يجوز ، وإن كان بحيث لا يعطى لو طلبت جاز ا ه . وهو مقيد لعموم ما في الخانية ، والمراد من المهر ما تعورف تعجيله لأن ما تعورف تأجيله فهو دين مؤجل لا يمنع أخذ الزكاة ، ويكون في الأول عدم إعطائه بمنزلة إعساره ، ويفرق بينه وبين سائر الديون بأن رفع الزوج للقاضي مما لا ينبغي للمرأة بخلاف غيره ، لكن في البزازية دفع الزكاة إلى أخته وهي تحت زوج إن كان مهرها المعجل أقل من النصاب أو أكثر لكن الزوج معسر له أن يدفع إليها الزكاة وإن كان موسراً والمعجل قدر النصاب لا يجوز عندهما وبه يفتي للاختياط ، وعند الإمام يجوز مطلقاً هذا ، والعدول عن اللام إلى { فِى } في الأربعة الأخيرة على ما قال الزمخشري للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق الصدقة ممن سبق ذكره لما أن { فِى } للظرفية المنبئة عن إحاطتهم بها وكونهم محلها ومركزها وعليه فاللام لمجرد الاختصاص ، وفي الانتصاف أن ثم سرا آخر هو أظهر وأقرب وذلك أن الأصناف الأوائل ملاك لما عساه أن يدفع إليهم وإنما يأخذونه تملكاً فكان دخول اللام لائقابهم ، وأما الأربعة الأواخر فلا يملكون لما يصرف نحوهم بل ولا يصرف إليهم ولكن يصرف في مصالح تتعلق بهم ، فالمال الذي يصرف في الرقاب إنما يتناوله السادة المكاتبون أو البائعون فليس نصيبهم مصروفاً إلى أيديهم حتى يعبر عن ذلك باللام المشعرة بملكهم لما يصرف نحوهم وإنما هم محال لهذا الصرف ولمصالحه المتعلقة به ، وكذلك الغارمون إنما يصرف نصيبهم لأرباب ديونهم تخليصاً لذممهم لا لهم ، وأما في سبيل الله فواضح فيه ذلك ، وأما ابن السبيل فكأنه كان مندرجاً في سبيل الله ، وإنما أفرد بالذكر تنبيهاً على خصوصيته مع أنه مجرد من الحرفين جميعاً .
وعطفه على المجرور باللام ممكن ولكن عطفه على القريب أقرب ، وما أشار إليه من أن المكاتب لا يملك وإنما يملك المكاتب هو الذي أشار إليه بعض أصحابنا . ففي المحيط قالوا : إنه لا يجوز إعطاء الزكاة لمكاتب هاشمي لأن الملك يقع للمولى من وجه والشبهة ملحقة بالحقيقة في حقهم وفي «البدائع » ما هو ظاهر في أن الملك يقع للمكاتب وحينئذ فبقية الأربعة بالطريق الأولى .
والمشهور أن اللام للملك عند الشافعية وهو الذي يقتضيه مذهبهم حيث قالوا : لا بد من صرف الزكاة إلى جميع الأصناف إذا وجدت ولا تصرف إلى صنف مثلا ولا إلى أقل من ثلاثة من كل صنف بل إلى ثلاثة أو أكثر إذا وجد ذلك ، وعندنا يجوز للمالك أن يدفع الزكاة إلى كل واحد منهم وله أن يقتصر على صنف واحد لأن المراد بالآية بيان الأصناف التي يجوز الدفع إليهم لا تعيين الدفع لهم ، ويدل له قوله تعالى :
{ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقراء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } [ البقرة : 271 ] وأنه صلى الله عليه وسلم أتاه مال من الصدقة فجعله في صنف واحد وهو المؤلفة قلوبهم ثم أتاه مال آخر فجعله في الغارمين فدل ذلك على أنه يجوز الاقتصار على صنف واحد ، ودليل جواز الاقتصار على شخص واحد منه أن الجمع المعرف بال مجاز عن الجنس ، فلو حلف لا يتزوج النساء ولا يشتري العبيد يحنث بالواحد ؛ فالمعنى في الآية أن جنس الصدقة لجنس الفقير ، فيجوز الصرف إلى واحد لأن الاستغراق ليس بمستقيم ، إذ يصير المعنى إن كل صدقة لكل فقير وهو ظاهر الفساد ، وليس هناك معهود ليرتكب العهد ، ولا يرد خالعني على ما في يدي من الدراهم ولا شيء في يدها فإنه يلزمها ثلاثة ، ولو حلف لا يكلمه الأيام أو الشهور فإنه يقع على العشرة عند الإمام وعلى الأسبوع والسنة عند الإمامين لأنه أمكن العهد فلا يحمل على الجنس . فالحاصل أن حمل الجمع على الجنس مجاز وعلى العهد أو الاستغراق حقيقة ، ولا مساغ للخلف إلا عند تعذر الأصل ، وعلى هذا ينصف الموصى به لزيد والفقراء كالوصية لزيد وفقير .
وما ذهبنا إليه هو المروى عن عمر . وابن عباس رضي الله تعالى عنهم ، وبه قال سعيد بن جبير . وعطاء . وسفيان الثوري . وأحمد بن حنبل . ومالك علليهم الرحمة . وذكر ابن المنير أن جده أبا العباس أحمد بن فارس كان يستنبط من تغاير الحرفين المذكورين دليلاً على أن الغرض بيان المصرف واللام لذلك فيقول : متعلق الجار الواقع خبراً عن الصدقات محذوفاً فإما أن يكون التقدير إنما الصدقات مصروفة للفقراء كما يقول مالك ومن معه أو مملوكة للفقراء كما يقول الشافعي لكن الأول متعين لأنه تقدير يكتفي به في الحرفين جميعاً ويصح تعلق اللام { وَفِى } معاً به فيصح أن يقال : هذا الشيء مصروف في كذا ولكذا بخلاف تقدير مملوكة فإنه إنما يلتئم مع اللام وعند الانتهاء إلى { فِى } يحتاج إلى تقدير مصروفة ليلتئم بها فتقديره من الأول عام التعلق شامل الصحة متعين ا ه . وبالجملة لا يخفى قوة منزع الأئمة الثلاثة في الأخذ .
ولذا اختار بعض الشافعية ما ذهبوا إليه ، وكان والد العلامة البيضاوي عمر بن محمد وهو مفتي الشافعية في عصره يفتى به { فَرِيضَةً مّنَ الله } مصدر مؤكد لمقدر مأخوذ من معنى الكلام أي فرض لهم الصدقات فريضة ، ونقل عن سيبويه أنه منصوب بفعله مقدراً أي فرض الله تعالى ذلك فريضة ، واختار أبو البقاء كونه حالا من الضمير المسكن في قوله تعالى : { لِلْفُقَرَاء } أي إنما الصدقات كائنة لهم حال كونها فريضة أي مفروضة ، قيل : ودخلته التاء لإلحاقه بالأسماء كنطيحة { والله عَلِيمٌ } بأحوال الناس ومراتب استحقاقهم { حَكِيمٌ } لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة من الأمور الحسنة التي من جملتها سوق الحقوق إلى مستحقيها .
( هذا ومن باب الإشارة ) :ثم إنه سبحانه قسم جوائز فضله على ثمانية أصناف من عباده فقال سبحانه : { إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاء } الخ ، والفقراء في قول : المتجردون بقلوبهم وأبدانهم عن الكونين { والمساكين } هم الذين سكنوا إلى جمال الانس ونور القدس حاضرين في العبودية بنفوسهم غائبين في أنوار الربوبية بقلوبهم فمن رآهم ظنهم بلا قلوب ولم يدر أنها تسرح في رياض جمال المحبوب ، وأنشد :
مساكين أهل العشق ضاعت قلوبهم *** فهم أنفس عاشوا بغير قلوب
{ والعاملين } هم أهل التمكين من العارفين وأهل الاستقامة من الموحدين الذين وقعوا في نور البقاء فأورثهم البسط والانبساط ، فيأخذون منه سبحانه ويعطون له ، وهم خزان خزائن جودة المنفقون على أوليائه ، قلوبهم معلقة بالله سبحانه لا بغيره من العرش إلى الثرى { والمؤلفة قُلُوبُهُمْ } هم المريدون السالكون طريق محبته تعالى برقة قلوبهم وصفاء نياتهم وبذلوا مهجهم في سوق شوقه وهم عند الأقوياء ضعفاء الأحوال { وَفِي الرقاب } هم الذين رهنت قلوبهم بلذة محبة الله تعالى وبقيت نفوسهم في المجاهدة في طريقه سبحانه لم يبلغوا بالكلية إلى الشهود فتارة تراهم في لجج بحر الإرادة ، وأخرى في سواحل بحر القرب ، وطوراً هدف سهام القهر ، ومرة مشرق أنوار اللطف ولا يصلون إلى الحقيقة ما دام عليهم بقية من المجاهدة والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم والأحرار ما وراء ذلك وقليل ما هم :
أتمنى على الزمان محالا *** ان ترى مقلتاي طلعة حر
{ والغارمين } هم الذين ما قضوا حقوق معارفهم في العبودية وما أدركوا في إيقانهم حقائق الربوبية ، والمعرفة غريم لا يقضي دينه { وَفِى سَبِيلِ الله } هم المحاربون نفوسهم بالمجاهدات والمرابطون بقلوبهم في شهود الغيب لكشف المشاهدات { وابن السبيل } هم السافرون بقلوبهم في بوادي الأزل وبأرواحهم في قفار الأبد وبعقولهم في طرق الآيان وبنفوسهم في طلب أهل الولايات { فَرِيضَةً مّنَ الله } على أهل الإيمان أن يعطوا هؤلاء الأصناف من مال الله سبحانه لدفع احتياجهم الطبيعي { والله عَلِيمٌ } بأحوال هؤلاء وغيبتهم عن الدنيا
{ حيكم } [ التوبة : 60 ] حيث أوجب لهم ما أوجب ، ومن الناس من فسر هذه الأصناف بغير ما ذكر ولا أرى التفاسير بأسرها متكفلة بالجمع والمنع