قوله تعالى : { جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه } .
اعلم أن التفسير ظاهر ونحن نذكر ما فيها من اللطائف في مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن المكلف لما تأمل وجد نفسه مخلوقا من المحن والآفات ، فصاغه من أنجس شيء في أضيق مكان إلى أن خرج باكيا لا للفراق ولكن مشتكيا من وحشة الحبس ليرحم ، كالذي يطلق من الحبس يغلبه البكاء ليرحم ، ثم لم يرحم بل شدته القابلة ولم يكن مشدودا في الرحم ثم لم يمض قليل مدة حتى ألقوا في المهد وشدوه بالقماط ، ثم لم يمض قليل حتى أسلموه إلى أستاذ يحبسه في المكتب ويضربه على التعليم وهكذا إلى أن بلغ الحلم ، ثم بعد ذلك شد بمسامير العقل والتكليف ، ثم إن المكلف يصير كالمتحير ، يقول : من الذي يفعل في هذه الأفعال مع أنه ما صدرت عني جناية ! فلم يزل يتفكر حتى ظفر بالفاعل ، فوجده عالما لا يشبه العالمين ، وقادرا لا يشبه القادرين ، وعرف أن كل ذلك وإن كان صورته صورة المحنة ، لكن حقيقته محض الكرم والرحمة ، فترك الشكاية وأقبل على الشكر ، ثم وقع في قلب العبد أن يقابل إحسانه بالخدمة له والطاعة ، فجعل قلبه مسكنا لسلطان عرفانه ، فكأن الحق قال : عبدي أنزل معرفتي في قلبك حتى لا يخرجها منه شيء أو يسبقها هناك فيقول العبد : يا رب أنزلت حب الثدي في قلبي ثم أخرجته ، وكذا حب الأب والأم ، وحب الدنيا وشهواتها وأخرجت الكل . أما حبك وعرفانك فلا أخرجهما من قلبي ، ثم إنه لما بقيت المعرفة والمحبة في أرض القلب انفجر من هذا الينبوع أنهار وجداول ، فالجدول الذي وصل إلى العين حصل منه الاعتبار ، والذي وصل إلى الأذن حصل منه استماع مناجاة الموجودات وتسبيحاتهم ، وهكذا في جميع الأعضاء والجوارح ، فيقول الله : عبدي جعلت قلبك كالجنة لي وأجريت فيه تلك الأنهار دائمة مخلدة ، فأنت مع عجزك وقصورك فعلت هذا ، فأنا أولى بالجود والكرم والرحمة فجنة بجنة ، فلهذا قال : { جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار } بل كأن الكريم الرحيم يقول : عبدي أعطاني كل ما ملكه ، وأنا أعطيته بعض ما في ملكي ، وأنا أولى منه بالكرم والجود ، فلا جرم جعلت هذا البعض منه موهوبا دائما مخلدا ، حتى يكون دوامه وخلوده جابرا لما فيه من النقصان الحاصل بسبب البعضية .
المسألة الثانية : الجزاء اسم لما يقع به الكفاية ، ومنه اجتزت الماشية بالحشيش الرطب عن الماء ، فهذا يفيد معنيين ( أحدهما ) : أنه يعطيه الجزاء الوافر من غير نقص ( والثاني ) : أنه تعالى يعطيه ما يقع به الكفاية ، فلا يبقى في نفسه شيء إلا والمطلوب يكون حاصلا ، على ما قال : { ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم } .
المسألة الثالثة : قال : { جزاؤهم } فأضاف الجزاء إليهم ، والإضافة المطلقة تدل على الملكية فكيف الجمع بينه وبين قوله : { الذي أحلنا دار المقامة من فضله } ( والجواب ) : أما أهل السنة فإنهم يقولون : إنه لو قال الملك الكريم : من حرك أصبعه أعطيته ألف دينار ، فهذا شرط وجزاء بحسب اللغة وبحسب الوضع لا بحسب الاستحقاق الذاتي ، فقوله : { جزاؤهم } يكفي في صدقه هذا المعنى وأما المعتزلة فإنهم قالوا في قوله تعالى : { الذي أحلنا دار المقامة من فضله } إن كلمة من لابتداء الغاية ، فالمعنى أن استحقاق هذه الجنان ، إنما حصل بسبب فضلك السابق فإنك لولا أنك خلقتنا وأعطيتنا القدرة والعقل وأزلت الأعذار وأعطيت الألطاف وإلا لما وصلنا إلى هذه الدرجة . فإن قيل : فإذا كان لا حق لأحد عليه في مذهبكم ، فما السبب في التزام مثل هذا الإنعام ؟ قلنا : أتسأل عن إنعامه الأمسي حال عدمنا ؟ أو عن إنعامه اليومي حال التكليف ؟ أو عن إنعامه في غد القيامة ؟ فإن سألت عن الأمسي فكأنه يقول : أنا منزه عن الانتفاع والمائدة مملوءة من المنافع فلو لم أخلق الخلق لضاعت هذه المنافع ، فكما أن من له مال ولا عيال له فإنه يشتري العبيد والجواري لينتفعوا بماله ، فهو سبحانه اشترى من دار العدم هذا الخلق لينتفعوا بملكه ، كما روى : «الخلق عيال الله » وأما اليومي فالإنعام يوجب الإتمام بعد الشروع . فالرحمن أولى . وأما الغد فأنا مديونهم بحكم الوعد والإخبار فكيف لا أفي بذلك .
المسألة الرابعة : في قوله : { عند ربهم } لطائف :
أحدها : قال بعض الفقهاء : لو قال : لا شيء لي على فلان ، فهذا يختص بالديون وله أن يدعي الوديعة ، ولو قال : لا شيء لي عند فلان انصرف إلى الوديعة دون الدين ، ولو قال : لا شيء لي قبل فلان انصرف إلى الدين والوديعة معا ، إذا عرفت هذا فقوله : { عند ربهم } يفيد أنه وديعة والوديعة عين ، ولو قال : لفلان علي فهو إقرار بالدين ، والعين أشرف من الدين فقوله : { عند ربهم } يفيد أنه كالمال المعين الحاضر العتيد ، فإن قيل : الوديعة أمانة وغير مضمونة والدين مضمون والمضمون خير مما كان غير مضمون ، قلنا : المضمون خير إذا تصور الهلاك فيه وهذا في حق الله تعالى محال ، فلا جرم قلنا : الوديعة هناك خير من المضمون .
وثانيها : إذا وقعت الفتنة في البلدة ، فوضعت مالك عند إمام المحلة على سبيل الوديعة صرت فارغ القلب ، فههنا ستقع الفتنة في بلدة بدنك ، وحينئذ تخاف الشيطان من أن يغيروا عليها ، فضع وديعة أمانتك عندي فإني أكتب لك به كتابا يتلى في المحاريب إلى يوم القيامة وهو قوله : { جزاؤهم عند ربهم } حتى أسلمه إليك أحوج ما تكون إليه وهو في عرصة القيامة .
وثالثها : أنه قال : { عند ربهم } وفيه بشارة عظيمة ، كأنه تعالى يقول : أنا الذي ربيتك أولا حين كنت معدوما صفر اليد من الوجود والحياة والعقل والقدرة ، فخلقتك وأعطيتك كل هذه الأشياء فحين كنت مطلقا أعطيتك هذه الأشياء ، وما ضيعتك أترى أنك إذا اكتسبت شيئا وجعلته وديعة عندي فأنا أضيعها ، كلا إن هذا مما لا يكون .
المسألة الخامسة : قوله : { جزاؤهم عند ربهم جنات } فيه قولان :
أحدهما : أنه قابل الجمع بالجمع ، وهو يقتضي مقابلة الفرد بالفرد ، كما لو قال لامرأتيه أو عبديه : إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما كذا فيحمل هذا على أن يدخل كل واحد منهما دارا على حدة ، وعن أبي يوسف لم يحنث حتى يدخلا الدارين ، وعلى هذا إن ملكتما هذين العبدين ، ودليل القول الأول : { جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم } فعلى القول الأول بين أن الجزاء لكل مكلف جنة واحدة ، لكن أدنى تلك الجنات مثل الدنيا بما فيها عشر مرات كذا روي مرفوعا ، ويدل عليه قوله تعالى : { وملكا كبيرا } ويحتمل أن يراد لكل مكلف جنات ، كما روي عن أبي يوسف وعليه يدل القرآن ، لأنه قال : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ثم قال : { ومن دونهما جنتان } فذكر أربعا للواحد ، والسبب فيه أنه بكى من خوف الله ، وذلك البكاء إنما نزل من أربعة أجفان اثنان دون الاثنين ، فاستحق جنتين دون الجنتين ، فحصلت له أربع جنات ، لسكبه البكاء من أربعة أجفان ، ثم إنه تعالى قدم الخوف في قوله : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } وأخر الخوف في هذه الآية لأنه ختم السورة بقوله : { ذلك لمن خشي ربه } وفيه إشارة إلى أنه لابد من دوام الخوف ، أما قبل العمل فالحاصل خوف الاختلال ، وأما بعد العمل فالحاصل خوف الخلال ، إذ هذه العبادة لا تليق بتلك الحضرة .
المسألة السادسة : قوله : { عدن } يفيد الإقامة : { لا يخرجون منها } { وما هم منها بمخرجين } { لا يبغون عنها حولا } يقال : عدن بالمكان أقام ، وروي أن جنات عدن وسط الجنة ، وقيل : عدن من المعدن أي هي معدن النعيم والأمن والسلامة ، قال بعضهم : إنها سميت جنة إما من الجن أو الجنون أو الجنة أو الجنين ، فإن كانت من الجن فهم المخصوصون بسرعة الحركة يطوفون العالم في ساعة واحدة فكأنه تعالى قال : إنها في إيصال المكلف إلى مشتهياته في غاية الإسراع . مثل حركة الجن ، مع أنها دار إقامة وعدن ، وإما من الجنون فهو أن الجنة ، بحيث لو رآها العاقل يصير كالمجنون ، لولا أن الله بفضله يثبته ، وإما من الجنة فلأنها جنة واقية تقيك من النار ، أو من الجنين ، فلأن المكلف يكون في الجنة في غاية التنعم ، ويكون كالجنين لا يمسه برد ولا حر { لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا } .
المسألة السابعة : قوله : { تجري } إشارة إلى أن الماء الجاري ألطف من الراكد ، ومن ذلك النظر إلى الماء الجاري ، يزيد نورا في البصر بل كأنه تعالى قال : طاعتك كانت جارية ما دمت حيا على ما قال : { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } فوجب أن تكون أنهار إكرامي جارية إلى الأبد ، ثم قال : { من تحتها } إشارة إلى عدم التنغيص ، وذلك لأن التنغيص في البستان ، إما بسبب عدم الماء الجاري فذكر الجري الدائم ، وإما بسبب الغرق والكثرة ، فذكر من تحتها ، ثم الألف واللام في الأنهار للتعريف فتكون منصرفة إلى الأنهار المذكورة في القرآن ، وهي نهر الماء واللبن والعسل والخمر ، واعلم أن النهار والأنهار من السعة والضياء ، فلا تسمى الساقية نهرا ، بل العظيم هو الذي يسمى نهرا بدليل قوله : { وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار } فعطف ذلك على البحر .
المسألة الثامنة : اعلم أنه تعالى لما وصف الجنة أتبعه بما هو أفضل من الجنة وهو الخلود أولا والرضا ثانيا ، وروى أنه عليه السلام قال : «إن الخلود في الجنة خير من الجنة ورضا الله خير من الجنة » .
أما الصفة الأولى : وهي الخلود ، فاعلم أن الله وصف الجنة مرة بجنات عدن ومرة بجنات النعيم ومرة بدار السلام ، وهذه الأوصاف الثلاثة إنما حصلت لأنك ركبت إيمانك من أمور ثلاثة اعتقاد وقول وعمل .
وأما الصفة الثانية : وهي الرضا ، فاعلم أن العبد مخلوق من جسد وروح ، فجنة الجسد هي الجنة الموصوفة وجنة الروح هي رضا الرب ، والإنسان مبتدأ أمره من عالم الجسد ومنتهى أمره من عالم العقل والروح ، فلا جرم ابتدأ بالجنة وجعل المنتهى هو رضا الله ، ثم إنه قدم رضى الله عنهم على قوله : { ورضوا عنه } لأن الأزلي هو المؤثر في المحدث ، والمحدث لا يؤثر في الأزلي .
المسألة التاسعة : إنما قال : { رضي الله عنهم } ولم يقل رضي الرب عنهم ولا سائر الأسماء لأن أشد الأسماء هيبة وجلالة لفظ الله ، لأنه هو الاسم الدال على الذات والصفات بأسرها أعني صفات الجلال وصفات الإكرام ، فلو قال : رضي الرب عنهم لم يشعر ذلك بكمال طاعة العبد لأن المربي قد يكتفي بالقليل ، أما لفظ الله فيفيد غاية الجلالة والهيبة ، وفي مثل هذه الحضرة لا يحصل الرضا إلا بالفعل الكامل والخدمة التامة ، فقوله : { رضي الله عنهم } يفيد تطرية فعل العبد من هذه الجهة .
المسألة العاشرة : اختلفوا في قوله : { رضي الله عنهم } فقال بعضهم : معناه رضي أعمالهم ، وقال بعضهم : المراد رضي بأن يمدحهم ويعظمهم ، قال : لأن الرضا عن الفاعل غير الرضا بفعله ، وهذا هو الأقرب ، وأما قوله : { ورضوا عنه } فالمراد أنه رضوا بما جازاهم من النعيم والثواب .
قوله تعالى : { ذلك لمن خشي ربه } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الخوف في الطاعة حال حسنة قال تعالى : { والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة }
ولعل الخشية أشد من الخوف ، لأنه تعالى ذكره في صفات الملائكة مقرونا بالإشفاق الذي هو أشد الخوف فقال : { هم من خشية ربهم مشفقون } والكلام في الخوف والخشية مشهور .
المسألة الثانية : هذه الآية إذا ضم إليها آية أخرى صار المجموع دليلا على فضل العلم والعلماء ، وذلك لأنه تعالى قال : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } فدلت هذه الآية على أن العالم يكون صاحب الخشية ، وهذه الآية وهي قوله : { ذلك لمن خشي ربه } تدل على أن صاحب الخشية تكون له الجنة فيتولد من مجموع الآيتين أن الجنة حق العلماء .
المسألة الثالثة : قال بعضهم : هذه الآية تدل على أن المرء لا ينتهي إلى حد يصير معه آمنا بأن يعلم أنه من أهل الجنة ، وجعل هذه الآية دالة عليه . وهذا المذهب غير قوي ، لأن الأنبياء عليهم السلام قد علموا أنهم من أهل الجنة ، وهم مع ذلك من أشد العباد خشية لله تعالى ، كما قال عليه الصلاة والسلام : «أعرفكم بالله أخوفكم من الله ، وأنا أخوفكم منه » والله سبحانه وتعالى أعلم . وصلى الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
{ جَزَآؤُهُمْ } بمقابلة ما لهم من الإيمان والطاعات { عِندَ رَبّهِمْ جنات عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا أَبَداً } تقدمت نظائره وفي تقديم مدحهم بخير البرية وذكر الجزاء المؤذن بكون ما منح في مقابلة ما وصفوا به وبيان كونه من عنده تعالى والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية والتبليغ إلى الكمال مع الإضافة إلى ضميرهم وجمع الجنات وتقييدها بالإضافة وبما يزيدها نعيماً وتأكيد الخلود بالأبود من الدلالة على غاية حسن حالهم ملا لا يخفى والظاهر أن جملة { هم خير البرية } [ البينة : 7 ] خبر اسم الإشارة وكذا ما بعد وزعم بعض الأجلة أن الأنسب بالعديل السابق أن تعجل معترضة ويكون الخبر ما بعدها وفيه نظر وقوله تعالى : { رضي الله عَنْهُمْ } استئناف نحوي واخبار عما تفضل عز وجل به زيادة على ما ذكر من أجزية أعمالهم ويجوز أن يكون بيانياً جواباً لمن يقول ألهم فوق ذلك أمر آخر وجوز أن يكون خبراً بعد خبر أو حالاً بتقدير قد أو بدونه وجوز أن يكون دعاء لهم من ربهم وهو مجاز عن الإيجاد مع زيادة التكريم وهو خلاف الظاهر ويبعده عطف قوله تعالى : { وَرَضُواْ عَنْهُ } عليه وعلل رضاهم بأنهم بلغوا من المطالب قاصيتها ومن المآرب ناصيتها وأتيح لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر { ذلك } أي ما ذكر من الجزاء والرضوان { لِمَنْ خَشِي رَبَّهُ } فإن الخشية ملاك السعادة الحقيقية والفوز بالمراتب العلية إذ لولاها لم تترك المناهي والمعاصي ولا استعد ليوم يؤخذ فيه بالاقدام والنواصي وفيه إشارة إلى أن مجرد الإيمان والعمل الصالح ليس موصلاً إلى أقصى المراتب { ورضوان من الله أكبر } [ التوبة : 72 ] بل الموصل له خشية الله تعالى { وإنما يخشى الله من عباده العلماء } [ فاطر : 28 ] ولذا قال الجنيد قدس سره الرضا على قدر قوة العلم والرسوخ في المعرفة وقال عصام الدين الأظهر إن ذلك إشارة إلى ما يترتب عليه الجزاء والرضوان من الإيمان والعمل الصالح وتعقب بأن فيه غفلة عما ذكر وعن أنه لا يكون حينئذ لقوله تعالى ذلك الخ كبير فائدة والتعرض لعنوان الربوبية المعربة عن المالكية والتربية للإشعار بعلة الخشية والتحذير من الاغترار بالتربية واستدل بقوله تعالى { إن الذين آمنوا } [ البينة : 7 ] الخ على أن البشر أفضل من الملك لظهور أن المراد بالذين آمنوا المؤمنون من البشر وفي الآثار ما يدل على ذلك أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة مرفوعاً أتعجبون لمنزلة الملائكة من الله تعالى والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله تعالى يوم القيامة أعظم من منزلة الملك واقرؤوا إن شئتم إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت قلت يا رسول الله من أكرم الخلق على الله تعالى قال يا عائشة أما تقرئين أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية وأنت تعلم أن هذا ظاهر في أن المراد بالبرية الخليقة مطلقاً ليتم الاستدلال ثم أنه يحتاج أيضاً إلى ادخال الأنبياء عليهم السلام في عموم الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأن لا يراد بهم قوم بخصوصهم إذ لو لم يدخلوا لزم تفضيل عوام البشر أي الذين ليسوا بأنبياء منهم على خواص الملائكة أعني رسلهم عليهم السلام وذلك مما لم يذهب إليه أحد من أهل السنة بل هو يكفرون من يقول به فليتفطن والإمام قد ضعف الاستدلال في تفسيره بما لا يخلو عن بحث ولعل الأبعد عن القيل والقال جعل الحصر إضافياً بالنسبة إلى ما يزعمه أهل الكتاب والمشركون قالا أو حالاً من أنهم هم خير البرية وكذا يجعل الحصر السابق بالنسبة إلى ما يزعمونه من أن المؤمنين هم شر البرية وصحة ما سبق من الآثار في حيز المنع ثم الظاهر أن المراد بالذين آمنوا الخ مقابل{ الذين كفروا } [ البينة : 6 ] لا قوم من الذين انصفوا بما في حيز الصلة بخصوصهم وزعم بعض أنهم مخصوصون فقد أخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم تسمع قول الله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية هم أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جثت الأمم للحساب يدعون غراً محجلين وروي نحوه الإمامية عن يزيد بن شراحيل الأنصاري كاتب الأمير كرم الله تعالى وجهه وفيه أنه عليه الصلاة والسلام قال ذلك له عند الوفاة ورأسه الشريف على صدره رضي الله تعالى عنه وأخرج ابن مردويه أيضاً عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية { أن الذين آمنوا } [ البينة : 7 ] الخ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين وذلك ظاهر في التخصيص وكذا ما ذكره الطبرسي الإمامي في «مجمع البيان » عن مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال في الآية نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه وأهل بيته وهذا ان سلمت صحته لا محذور فيه إذ لا يستدعي التخصيص بل الدخول في العموم وهم بلا شبهة داخلون فيه دخولاً أولياً وأما ما تقدم فلا تسلم صحته فإنه يلزم عليه علي كرم الله تعالى وجهه خيراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم والإمامية وإن قالوا إنه رضي الله تعالى عنه خير من الأنبياء حتى أولي العزم عليهم السلام ومن الملائكة حتى المقربين عليهم السلام لا يقولون بخيريته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن قالوا بأن البرية على ذلك مخصوصة بمن عداه عليه الصلاة والسلام للدليل الدال على أنه صلى الله عليه وسلم خير منه كرم الله تعالى وجهه قيل إنها مخصوصة أيضاً بمن عدا الأنبياء والملائكة ومن قال أهل السنة بخيريته للدليل الدال على خيريتهم وبالجملة لا ينبغي أن يرتاب في عدم تخصيص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالأمير كرم الله تعالى وجهه وشيعته ولا به رضي الله تعالى عنه وأهل بيته وان دون إثبات صحة تلك الأخبار خرط القتادة والله تعالى أعلم .
ثم أن الروايات في أن هذه السورة قد نسخ منها كثير كثيرة منها ما أخرج الإمام أحمد والترمذي والحاكم وصححه عن أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن الله تعالى أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ عليه الصلاة والسلام لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب فقرأ فيها ولو أن ابن آدم سأل وديا من مال فاعطيه يسأل ثانياً ولو سأل ثانياً فاعطيه يسأل ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم الا التراب ويتوب الله على من تاب وان الدين عند الله الحنيفية غير الشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يفعل ذلك فلن يكفره وفي بعض الآثار أن النبي صلى الله عليه وسلم اقرأه هكذا ما كان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلوا صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة أن أقوم الدين لحنيفية مسلمة غير مشركة ولا يهودية ولا نصرانية ومن يعمل صالحاً فلن يكفره » وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وفارقوا الكتاب لما جاءهم أولئك عند الله شر البرية ما كان الناس إلا أمة واحدة ثم أرسل الله النبيين مبشرين ومنذرين يأمرن الناس يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويعبدون الله وحده أولئك عند الله خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه أخرج ذلك ابن مردويه عن أبي رضي الله تعالى عنه وهو مخالف لما صح عنه فلا يعول عليه كما لا يخفى على العارف بعلم الحديث .