اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{جَزَآؤُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّـٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ رَبَّهُۥ} (8)

قوله : { جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ } . أي : ثوابهم عند خالقهم ومالكهم { جَنَّاتُ عَدْنٍ } .

قال ابن الخطيب{[60628]} : قال بعض الفقهاء : من قال : لا شيء لي على فلان انتفى الدين ، وله أن يدعي الوديعة ، وإن قال : لا شيء لي عنده انصرف إلى الوديعة دون الدين ، وإن قال : لا شيء لي قبلهُ انصرف إليهماً معاً ، فقوله تعالى : { عِندَ رَبِّهِمْ } يفيد أنها أعيان مودعة عنده ، والعين أشرف من الدين ، والضمان إنما يرغب فيه خوف الهلاك ، وهو محال في حقه تعالى . وتقدم الكلام على نظيره .

قوله : { تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأنهار } ، الجنات : البساتين ، والعدن : الإقامة ، يقال : عدن بالمكان يعدن عدناً وعدوناً ، أي : أقام . ومعدن الشيء : مركزه ومستقره ، وقيل : «عدن » : بطنان الجنة ووسطها .

قوله : { خَالِدِينَ فِيهَآ } ، حال عامله محذوف ، تقديره : ادخلوها خالدين ، أو أعطوها ، ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير المجرور في «جزَاؤهُم » لئلا يلزم الفصلُ بين المصدر ومعموله بأجنبي ، على أنَّ بعضهم : أجازه من «هم » ، واعتذر هنا بأن المصدر غير مقدر بحرف مصدري .

قال أبو البقاء{[60629]} : وهو بعيد ، وأما «عِند ربِّهِمْ » فيجوز أن يكون حالاً من «جَزاؤهُمْ » ، وأن يكون ظرفاً له ، و«أبَداً » ظرف مكان منصُوب ب «خالدِيْنَ » . أي لا يظعنون ولا يموتون .

قوله : { رِّضِىَ الله عَنْهُمْ } ، يجوز أن يكون دعاء مستأنفاً ، وأن يكون خبراً ثانياً ، وأن يكون حالاً ثانياً بإضمار «قَد » عند من يلزم ذلك .

قال ابن عباس : «رضي اللهُ عنهُمْ ورَضُوا عنه » أي : رضوا بثواب الله تعالى{[60630]} .

قوله : { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ } أي : ذلك المذكور من استقرار الجنة مع الخلود .

أي : خاف ربه ، فتناهى عن المعاصي .

ختام السورة:

روى أنس - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبيِّ بن كعب : " إن الله تَعالَى أمَرنِي أنْ أقْرَأ عليْكَ : { لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ } " ، قال : وسمَّاني لك ؟ قال - عليه الصَّلاة والسلام - : «نَعم » ، فبكى . خرجه البخاري ومسلم{[1]} .

قال القرطبيُّ{[2]} : «من الفقه قراءة العالم على المتعلم » .

قال بعضهم : إنما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على أبيٍّ ، ليعلم الناس التواضع ؛ لئلا يأنف أحد من التعليم والقراءة على من دونه من المنزلة .

وقيل : إن أبياً كان أسرع أخذاً لألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلم غيره ، فأراد بقراءته عليه أن يأخذ ألفاظه ويقرأ كما سمع منه صلى الله عليه وسلم ، وفيه فضيلة عظيمة لأبيّ رضي الله عنه وعن بقية الصحابة أجمعين ؛ إذ أمر صلى الله عليه وسلم أن يقرأ عليه . والله أعلم .


[1]:في النسختين تقدم. وندم تصحيح من الرازي. وانظر تصحيح ذلك وغيره في تفسير الإمام 28/117.
[2]:ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (6/605) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
[60628]:ينظر السابق 32/51.
[60629]:ينظر: الإملاء 2/291.
[60630]:ينظر تفسير القرطبي (20/99).