ثم قال تعالى : { يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور }
لما ذكر الدلائل من أول السورة إلى آخرها وعظ بالتقوى لأنه تعالى لما كان واحدا أوجب التقوى البالغة فإن من يعلم أن الأمر بيد اثنين لا يخاف أحدهما مثل ما يخاف لو كان الأمر بيد أحدهما لا غير ، ثم أكد الخوف بذكر اليوم الذي يحكم الله فيه بين العباد ، وذلك لأن الملك إذا كان واحدا ويعهد منه أنه لا يعلم شيئا ولا يستعرض عباده ، لا يخاف منه مثل ما يخاف إذا علم أن له يوم استعراض واستكشاف ، ثم أكده بقوله : { لا يجزى والد عن ولده } وذلك لأن المجرم إذا علم أن له عند الملك من يتكلم في حقه ويقضي ما يخرج عليه برفد من كسبه لا يخاف مثل ما يخاف إذا علم أنه ليس له من يقضي عنه ما يخرج عليه ، ثم ذكر شخصين في غاية الشفقة والمحبة وهما الوالد والولد ليستدل بالأدنى على الأعلى ، وذكر الولد والوالد جميعا فيه لطيفة ، وهي أن من الأمور ما يبادر الأب إلى التحمل عن الولد كدفع المال وتحمل الآلام والولد لا يبادر إلى تحمله عن الوالد مثل ما يبادر الوالد إلى تحمله عن الولد ، ومنها ما يبادر الولد إلى تحمله عن الوالد ولا يبادر الوالد إلى تحمله عن الولد كالإهانة ، فإن من يريد إحضار والد أحد عند وال أو قاض يهون على الابن أن يدفع الإهانة عن والده ويحضر هو بدله ، فإذا انتهى الأمر إلى الإيلام يهون على الأب أن يدفع الإيلام عن ابنه ويتحمله هو بنفسه فقوله : { لا يجزى والد عن ولده } في دفع الآلام { ولا مولود هو جاز عن والده شيئا } في دفع الإهانة ، وفي قوله : { لا يجزى } وقوله : { ولا مولود هو جاز } ( لطيفة أخرى ) وهي أنا ذكرنا أن الفعل يتأتى وإن كان ممن لا ينبغي ولا يكون من شأنه لأن الملك إذا كان يخيط شيئا يقال إنه يخيط ولا يقال هو خياط ، وكذلك من يحيك شيئا ولا يكون ذلك صنعته يقال هو يحيك ولا يقال هو حائك ، إذا علمت هذا فنقول الابن من شأنه أن يكون جازيا عن والده لما له عليه من الحقوق والوالد يجزي لما فيه من الشفقة وليس بواجب عليه ذلك فقال في الوالد لا يجزي وقال في الولد { ولا مولود هو جاز } .
ثم قال تعالى : { إن وعد الله حق } وهو يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون تحقيقا لليوم يعني اخشوا يوما هذا شأنه وهو كائن لوعد الله به ووعده حق والثاني : أن يكون تحقيقا لعدم الجزاء يعني : { لا يجزى والد عن ولده } لأن الله وعد بألا تزر وازرة وزر أخرى ووعد الله حق ، فلا يجزي والأول أحسن وأظهر .
ثم قال تعالى : { فلا تغرنكم الحياة الدنيا } يعني إذا كان الأمر كذلك فلا تغتروا بالدنيا فإنها زائلة لوقوع ( ذلك ) اليوم المذكور بالوعد الحق .
ثم قال تعالى : { ولا يغرنكم بالله الغرور } يعني الدنيا لا ينبغي أن تغركم بنفسها ولا ينبغي أن تغتروا ( بها ) وإن حملكم على محبتها غار من نفس أمارة أو شيطان فكان الناس على أقسام منهم من تدعوه الدنيا إلى نفسها فيميل إليها ومنهم من يوسوس في صدره الشيطان ويزين في عينه الدنيا ويؤمله ويقول إنك تحصل بها الآخرة أو تلتذ بها ثم تتوب فتجتمع لك الدنيا والآخرة ، فنهاهم عن الأمرين وقال كونوا قسما ثالثا ، وهم الذين لا يلتفتون إلى الدنيا ولا إلى من يحسن الدنيا في الأعين .
{ اتقوا ربكم } : أي خافوا فآمنوا به واعبدوه وحده تنجوا من عذابه .
{ واخشوا يوما } : أي خافوا يوم الحساب وما يجري فيه .
{ لا يجزي والد عن ولده } : أي لا يغني والد فيه عن ولده شيئا .
{ إن وعد الله حق } : أي وعد الله بالحساب والجزاء حق ثابت لا محالة هو كائن .
{ لا تغرنكم الحياة الدنيا } : أي فلا تغتروا بالحياة الدنيا فإِنها زائلة فأسلموا تسلموا .
{ ولا يغرنكم بالله الغرور } : أي الشيطان يغتنم حلم الله عليكم وإِمهاله لكم فيجسركم على المعاصي ويسوفكم في التوبة .
هذا نداء عام لكل البشر يدعوهم فيه ربهم تعالى ناصحاً لهم بأن يتقوه بالإِيمان به وبعبادته وحده لا شريك له وأن يخشوا يوماً عظيما فيه من الأهوال والعظائم ما لا يقادر قدره بحيث لا يجزي فيه والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إذ كل واحد لا يريد غلا نجاة نفسه فيقول نفسي نفسي وهذا لشدة الهول يوم لا يغني أحد عن أحد شيئا ولو كان أقرب قريبن وهو يوم آت لا محالة حيث وعد الله به الناس ووعد الله حق والله لا يخلف الميعاد ، ويقول لهم بناءً على ذلك { فلا تغرنكم الحياة الدنيا } بملاذها وزخارفها وطول العمر فيها ، { ولا يغرنكم بالله } ذي الحلم والكرم { الغرور } أي الشيطان من الإِنس أو الجن يخحملكم على تأخير التوبة ومزاولة أنواع المعاصي بتزيينها لكم وترغيبكم فيها فانتبهوا فإِن الموت لا بُد منه وقد يأتي فجأة فالتوبة يا عباد الله هذه نصيحة الرّب تبارك وتعالى لعباده فهل من مستجيب ؟ هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( 33 ) .
- وجوب تقوى الله عز وجل بالإِيمان به وتوحيده في عبادته .
- التحذير من الاغترار بالحياة الدنيا ، والتحذير من الشيطان أي من اتباعه والاغترار بما يُزينه ويحسنه من المعاصي .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.