مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۖ يُكَوِّرُ ٱلَّيۡلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيۡلِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمًّىۗ أَلَا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّـٰرُ} (5)

قوله تعالى : { خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار ، خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون ، إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور }

اعلم أن الآية المتقدمة دلت على أنه تعالى بين كونه منزها عن الولد بكونه إلها واحدا وقهارا غالبا أي : كامل القدرة ، فلما بنى تلك المسألة على هذه الأصول ذكر عقيبها ما يدل على كمال القدرة وعلى كمال الاستغناء ، وأيضا فإنه تعالى طعن في إلهية الأصنام فذكر عقيبها الصفات التي باعتبارها تحصل الإلهية ، واعلم أنا بينا في مواضع من هذا الكتاب أن الدلائل التي ذكرها الله تعالى في إثبات إلهيته ، إما أن تكون فلكية أو عنصرية ، أما الفلكية فأقسام أحدها : خلق السموات والأرض ، وهذا المعنى يدل على وجود الإله القادر من وجوه كثيرة شرحناها في تفسير قوله تعالى : { الحمد الله الذي خلق السماوات والأرض } والثاني : اختلاف أحوال الليل والنهار وهو المراد ههنا من قوله : { يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل } وذلك لأن النور والظلمة عسكران مهيبان عظيمان ، وفي كل يوم يغلب هذا ذاك تارة ، وذلك هذا أخرى . وذلك يدل على أن كل واحد منهما مغلوب مقهور ، ولا بد من غالب قاهر لهما يكونان تحت تدبيره وقهره وهو الله سبحانه وتعالى ، والمراد من هذا التكوير أنه يزيد في كل واحد منهما بقدر ما ينقص عن الآخر ، والمراد من تكوير الليل والنهار ما ورد في الحديث : « نعوذ الله من الحور بعد الكور » أي : من الإدبار بعد الإقبال ، واعلم أنه سبحانه وتعالى عبر عن هذا المعنى بقوله : { يكور الليل على النهار } وبقوله : { يغشى الليل النهار } وبقوله : { يولج الليل في النهار } وبقوله : { وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر } والثالث : اعتبار أحوال الكواكب لاسيما الشمس والقمر ، فإن الشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل ، وأكثر مصالح هذا العالم مربوطة بهما وقوله : { كل يجري لأجل مسمى } الأجل المسمى يوم القيامة ، لا يزالان يجريان إلى هذا اليوم فإذا كان يوم القيامة ذهبا ، ونظيره قوله تعالى : { وجمع الشمس والقمر } والمراد من هذا التسخير أن هذه الأفلاك تدور كدوران المنجنون على حد واحد إلى يوم القيامة وعنده تطوي السماء كطي السجل للكتب .

ولما ذكر الله هذه الأنواع الثلاثة من الدلائل الفلكية قال : { ألا هو العزيز الغفار } والمعنى : أن خلق هذه الأجرام العظيمة وإن دل على كونه عزيزا أي كامل القدرة إلا أنه غفار عظيم الرحمة والفضل والإحسان ، فإنه لما كان الإخبار عن كونه عظيم القدرة يوجب الخوف والرهبة فكونه غفارا يوجب كثرة الرحمة ، وكثرة الرحمة توجب الرجاء والرغبة ،

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۖ يُكَوِّرُ ٱلَّيۡلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيۡلِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمًّىۗ أَلَا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّـٰرُ} (5)

شرح الكلمات :

{ خلق السموات والأرض بالحق } : أي من أجل أن يذكر ويشكر لا من أجل اللهو العبث .

{ يكور الليل على النهار } : أي يدخل أحدهما في الآخرة فإِذا جاء الليل ذهب النهار والعكس كذلك .

{ وسخر الشمس والقمر } : أي ذللهما فلا يزالان يدوران في فلكيهما إلى نهاية الحياة وبدورتهما تتم مصالح سكان الأرض .

المعنى :

هذه الآيات الكريمة في تقرير التوحيد بذكر الأدلة والبراهين التي لا تدع للشك مجالاً في نفوس العقلاء

قال تعالى في الآية ( 5 ) { خلق السموات والأرض } أي أوجدهما خلقا على غير مثال سابق وخلقهما بالحق لغايات سامية شريفة وليس للباطل والعبث ومن تلك الغايات أن يعبد فيها فيذكر ويشكر . وقوله { يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل } أي يغشى هذا هذا فيغطيه به ويستره كأنما لفَّه عليه وغشاه به وهذا برهان ثان فالأول برهان الخلق للسموات والأرض وبرهان ثالث في قوله { وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى } يدوران في فلكيهما إلى قيام الساعة وفي ذلك من الفوائد والمصالح للعباد مالا يقادر قدره من ذلك معرفة عدد السنين والحساب . وقوله { ألا هو العزيز الغفار } إعلان وتنبيه بأنه تعالى عزيز في بطشه وانتقامه من أعدائه غفّار لعباده التائبين إليه .

الهداية :

من الهداية :

- بيان آيات الله في الكون وإيرادها أدلة على التوحيد .