مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا} (74)

قوله تعالى : { فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما }

اعلم أنه تعالى لما ذم المبطئين في الجهاد عاد إلى الترغيب فيه فقال : { فليقاتل فى سبيل الله } وللمفسرين في قوله : { يشرون الحياة الدنيا } وجهان : الأول : أن { يشرون } معناه يبيعون قال ابن مفرغ

وشريت بردا ليتني *** من بعد برد كنت هامه

قال : وبرد هو غلامه ، وشريته بمعنى بعته ، وتمنى الموت بعد بيعه ، فكان معنى الآية : فليقاتل في سبيل الله الذين يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة ، وهو كقوله : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } إلى قوله : { فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به } .

والقول الثاني : معنى قوله : { يشرون } أي يشترون قالوا : والمخاطبون بهذا الخطاب هم المنافقون الذين تخلفوا عن أحد ، وتقرير الكلام : فليقاتل الذين يختارون الحياة الدنيا على الآخرة ، وعلى هذا التقدير فلا بد من حذف تقديره : آمنوا ثم قاتلوا لاستحالة حصول الأمر بشرائع الإسلام قبل حصول الإسلام . وعندي في الآية احتمالات أخرى : أحدها : أن الإنسان لما أراد أن يبذل هذه الحياة الدنيا في سبيل الله بخلت نفسه بها ، فاشتراها من نفسه بسعادة الآخرة ليقدر على بذلها في سبيل الله بطيبة النفس . وثانيها : أنه تعالى أمر بالقتال مقرونا ببيان فساد ما لأجله يترك الإنسان القتال ، فإن من ترك القتال فإنما يتركه رغبة في الحياة الدنيا ، وذلك يوجب فوات سعادة الآخرة ، فكأنه قيل له : اشتغل بالقتال واترك ترجيح الفاني على الباقي . وثالثها : كأنه قيل : الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة إنما رجحوا الحياة الدنيا على الآخرة إذا كانت مقرونة بالسعادة والغبطة والكرامة وإذا كان كذلك فليقاتلوا ، فإنهم بالمقاتلة يفوزون بالغبطة والكرامة في الدنيا ، لأنهم بالمقاتلة يستولون على الأعداء ويفوزون بالأموال ، فهذه وجوه خطرت بالبال والله أعلم بمراده .

ثم قال تعالى : { ومن يقاتل فى سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما } والمعنى من يقاتل في سبيل الله فسواء صار مقتولا للكفار أو صار غالبا للكفار فسوف نؤتيه أجرا عظيما ، وهو المنفعة الخالصة الدائمة المقرونة بالتعظيم ، ومعلوم أنه لا واسطة بين هاتين الحالتين ، فإذا كان الأجر حاصلا على كلا التقديرين لم يكن عمل أشرف من الجهاد . وهذا يدل على أن المجاهد لا بد وأن يوطن نفسه على أنه لا بد من أحد أمرين ، إما أن يقتله العدو ، وإما أن يغلب العدو ويقهره ، فإنه إذا عزم على ذلك لم يفر عن الخصم ولم يحجم عن المحاربة ، فأما إذا دخل لا على هذا العزم فما أسرع ما يقع في الفرار ، فهذا معنى ما ذكره الله تعالى من التقسيم في قوله : { فيقتل أو يغلب } .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{۞فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا} (74)

شرح الكلمات :

{ سبيل الله } : الطريق الموصلة إلى إعلاء كلمة الله تعالى بأن يعبد وحده ، ولا يضطهد مسلم في دينه ، ولا من أجل دينه .

{ يشرون } : يبيعون ، إذ يطلق الشراء على البيع أيضا .

المعنى :

بعد ما أمر الله تعالى عباده المؤمنين بأخذ حذرهم وهو الأهبة للقتال أمرهم أن يقاتلوا فقال : { فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة } أي يبيعون الدنيا ليفوزوا بالآخرة وهم المؤمنون حقاً فيقدمون أمواله وأرواحهم طلبا للفوز بالدار الآخرة تقاتلون من لا يؤمن بالله ولا بلقائه بعد أن يدعوه إلى الإيمان بربه والتوبة إليه ، ثم أخبرهم أن من يقاتل استجابة لأمره تعالى فيُقتل أي يستشهد أو يغلب العدو وينتصر على كلا الحالين فسوف يؤتيه الله تعالى أجراً عظيماً وهو النجاة من النار ودخول الجنة . هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( 74 ) .

الهداية

من الهداية :

- فرضية القتال في سبيل الله ولأجل إنقاذ المستضعفين من المؤمنين نصرة للحق وإبطالاً للباطل .

- المقاتل في سبيل الله باع دنياه واعتاض عنها الآخرة ، ولنعم البيع .

- المجاهد يؤوب بأعظم صفقة سواء قتل ، أو انتصر وغلب وهي الجنة .