قوله تعالى : { ومن شر النفاثات في العقد } فيه مسائل :
المسألة الأولى : في الآية قولان : ( الأول ) أن النفث النفخ مع ريق ، هكذا قاله صاحب الكشاف ، ومنهم من قال : إنه النفخ فقط ، ومنه قوله عليه السلام : «إن جبريل نفث في روعي » والعقد جمع عقدة ، والسبب فيه أن الساحر إذا أخذ في قراءة الرقية أخذ خيطا ، ولا يزال يعقد عليه عقدا بعد عقد وينفث في تلك العقد ، وإنما أنت النفاثات لوجوه ( أحدها ) : أن هذه الصناعة إنما تعرف بالنساء لأنهن يعقدن وينفثن ، وذلك لأن الأصل الأعظم فيه ربط القلب بذلك الأمر وإحكام الهمة والوهم فيه ، وذلك إنما يتأتى من النساء لقلة علمهن وشدة شهوتهن ، فلا جرم كان هذا العمل منهن أقوى ، قال أبو عبيدة : ( النفاثات ) هن بنات لبيد بن أعصم اليهودي سحرن النبي صلى الله عليه وسلم ( وثانيها ) : أن المراد من ( النفاثات ) النفوس ( وثالثها ) : المراد منها الجماعات ، وذلك لأنه كلما كان اجتماع السحرة على العمل الواحد أكثر كان التأثير أشد ( القول الثاني ) : وهو اختيار أبي مسلم : { من شر النفاثات } أي النساء في العقد ، أي في عزائم الرجال وآرائهم وهو مستعار من عقد الحبال ، والنفث وهو تليين العقدة من الحبل بريق يقذفه عليه ليصير حله سهلا ، فمعنى الآية أن النساء لأجل كثرة حبهن في قلوب الرجال يتصرفن في الرجال يحولنهم من رأي إلى رأي ، ومن عزيمة إلى عزيمة ، فأمر الله رسوله بالتعوذ من شرهن كقوله : { إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم } فلذلك عظم الله كيدهن فقال : { إن كيدكن عظيم }
واعلم أن هذا القول حسن ، لولا أنه على خلاف قول أكثر المفسرين .
المسألة الثالثة : أنكرت المعتزلة تأثير السحر ، وقد تقدمت هذه المسألة ، ثم قالوا : سبب الاستعاذة من شرهن لثلاثة أوجه ( أحدها ) : أن يستعاذ من إثم عملهن في السحر ( والثاني ) : أن يستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن ( والثالث ) : أن يستعاذ من إطعامهن الأطعمة الرديئة المورثة للجنون والموت .
{ ومن شر النفاثات في العقد } النفث : شبيه بالنفخ ، وقيل : هو النفخ مع ريق قليل . والنفاثات : النفوس أو الجماعات السواحر اللاتي يعقدن عقدا في خيوط وينفثن عليها ويرقين . قال ابن القيم : إنهم إذا سحروا استعانوا على تأثير فعلهم بنفث يمازجه بعض أجزاء أنفاسهم الخبيثة ؛ أي أعوذ بالله من شر هؤلاء المفسدين . وقيل النفاثات : جمع نفّاثة ؛ كعلاّمة ونسّابة ، يستعمل للمذكر والمؤنث . والعقد : جمع عقدة ؛ من العقد ضد الحل . وهي اسم لكل ما ربط وأحكم ربطه . أي أعوذ به تعالى من شر النفوس المفسدة التي تسعى بين الناس لإفساد ذات بينهم ؛ كما يفعل أولئك السحرة الذين ينفثون للتفريق بين المرء وزوجه ؛ وهم أخبث الناس نفوسا ، وشرهم عملا .
وجمهور العلماء على إثبات السحر ، وأنه حقيقة واقعة ، وسبب عادي للتأثير في المسحور . وقد عرف قديما في بابل ومصر ، وورد ذكره في آيات كثيرة من القرآن [ راجع ما قدمناه في تفسير آية 102 من سورة البقرة ] ، وقال القرطبي في شرح صحيح مسلم : دل القرآن في غير ما آية ، والسنة في غير ما حديث : على أن السحر موجود ، وله أثر في المسحور ، وهو حيل صناعية ، يتوصل إليها بالاكتساب ؛ غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها أحاد الناس . وأكثرهم بغير حقيقة ؛ كعلم السيمياء – وهو ما يفعله المشعوذون – فيعظم عند من لا يعرف ذلك . ولبعض أصناف السحر تأثير في القلوب كالحب والبغض ، والتفرقة بين المرء وزوجه ، وفي الأبدان بالألم والسقم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.