وأما قوله : { جنات عدن } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنها إن كانت موصولة بما قبلها ، فقد ذكرنا وجه ارتفاعها ، وأما إن كانت مقطوعة ، فقال الزجاج : جنات عدن مرفوعة بإضمار «هي » كأنك لما قلت ولنعم دار المتقين قيل : أي دار هي هذه الممدوحة فقلت : هي جنات عدن ، وإن شئت قلت : جنات عدن رفع بالابتداء ، ويدخلونها خبره ، وإن شئت قلت : نعم دار المتقين خبره ، والتقدير : جنات عدن نعم دار المتقين .
المسألة الثانية : قوله : { جنات } يدل على القصور والبساتين وقوله : { عدن } يدل على الدوام ، وقوله : { تجري من تحتها الأنهار } يدل على أنه حصل هناك أبنية يرتفعون عليها وتكون الأنهار جارية من تحتهم ، ثم إنه تعالى قال : { لهم فيها ما يشاءون } وفيه بحثان : الأول : أن هذه الكلمة تدل على حصول كل الخيرات والسعادات ، وهذا أبلغ من قوله : { فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين } لأن هذين القسمين داخلان في قوله : { لهم فيها ما يشاءون } مع أقسام أخرى . الثاني : قوله : { لهم فيها ما يشاؤون } يعني هذه الحالة لا تحصل إلا في الجنة ، لأن قوله : { لهم فيها ما يشاؤون } يفيد الحصر ، وذلك يدل على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده في الدنيا .
ثم قال تعالى : { كذلك يجزي الله المتقين } أي هكذا جزاء التقوى ، ثم إنه تعالى عاد إلى وصف المتقين فقال : { الذين تتوفاهم الملائكة طيبين } وهذا مذكور في مقابلة قوله : { الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } .
{ جنات عَدْنٍ } خبر مبتدأ محذوف كما اختاره الزجاج وابن الأنباري أي هي جنات ، وجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي لهم جنات أو هو المخصوص بالمدح { يَدْخُلُونَهَا } نعت لجنات عند الحوفي بناء على أن { عَدْنٍ } نكرة وكذلك { تَجْري منْ تَحْتَها الأنْهَارُ } وكلاهما حال عند غير واحد بناء على أنها علم . وجوزوا أن يكون { جنات } مبتدأ وجملة «يدخلونها » خبره وجملة تجري الخ حال ، وقرأ زيد بن ثابت . وأبو عبد الرحمن جنات بالنصب على الاشتغال أي يدخلون جنات عدن يدخلونها ، قال أبو حيان : وهذه القراءة تقوى كون «جنات » مرفوعاً مبتدأ والجملة بعده خبره ، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { ولنعمة دار المتقين } [ النحل : 30 ] بتاء مضمومة ودار مخفوضة فيكون «نعمة » مبتدأ مضافاً إلى دار وجنات خبره . وقرأ اسمعيل بن جعفر عن نافع «يدخلونها » بالياء على الغيبة والفعل مبني للمفعول ، ورويت عن أبي جعفر ، وشيبة { لَّهُمْ فِيهَا } أي في تلك الجنات { مَا يشاءون } الظرف الأول خبر لما والثاني حال منه ، والعامل ما في الأول من معنى الحصول والاستقرار أو متعلق به لذلك أي حاصل لهم فيها ما يشاءون من أنواع المشتهيات وتقديمه للاحتراز عن توهم تعلقه بالمشيئة أو لما مر غير مرة من أن تأخير ما حقه التقديم يوجب ترقب النفس إليه فيتمكن عند وروده فضل تمكن . وذكر بعضهم أن تقديم فيها للحصر وما للعموم بقرينة المقام فيفيد أن الإنسان لا يجد جميع ما يريده إلا في الجنة فتأمله . والجملة في موضع الحال نظير ما تقدم ، وزعم أن لهم متعلق بتجري أي تجري من تحتها الأنهار لنفعهم { وفيها ما يشاؤون } مبتدأ وخبر في موضع الحال لا يخفى حاله عند ذوي التمييز { كذلك } مثل ذلك الجزاء إلا وفي { يَجْزِى الله المتقين } أي جنسهم فيشمل كل من يقتي من الشرك والمعاصي وقيل من الشرك ويدخل فيه المتقون المذكورون دخولاً أولياً ويكون فيه بعث لغيرهم على التقوى أو المذكورين فيكون فيه تحسير للكفرة ، قيل : وهذه الجملة تؤيد كون قوله سبحانه { للذين أحسنوا } [ النحل : 30 ] عدة فإن جعل ذلك جزاء لهم ينظر إلى الوعد به من الله تعالى وإذا كان مقول القول لا يكون من كلامه تعالى حتى يكون وعداً منه سبحانه ، وقيل : إنها تؤيد كون «جنات » خبر مبتدأ محذوف لا مخصوصاً بالمدح لأنه إذا كان مخصوصاً بالمدح يكون كالصريح في أن «جنات عدن » جزاء للمتقين فيكون «كذلك » الخ تأكيداً بخلاف ما إذا كان خبر مبتدأ محذوف فإنه لم يعلم صريحاً أن جنات عدن جزاء للمتقين وفيه نظر وكذا في سابقه إلا أن في التعبير بالتأبيد ما يهون الأمر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.