قوله تعالى : { اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين ، جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } .
اعلم أنه تعالى لما بين أحوال الأقوام الذين إذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ؟ قالوا : أساطير الأولين . وذكر أنهم يحملون أوزارهم ومن أوزار أتباعهم ، وذكر أن الملائكة تتوفاهم ظالمي أنفسهم ، وذكر أنهم في الآخرة يلقون السلم ، وذكر أنه تعالى يقول لهم ادخلوا أبواب جهنم ، أتبعه بذكر وصف المؤمنين الذين إذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ؟ قالوا خيرا ، وذكر ما أعده لهم في الدنيا والآخرة من منازل الخيرات ودرجات السعادات ليكون وعد هؤلاء مذكورا مع وعيد أولئك وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال القاضي : يدخل تحت التقوى أن يكون تاركا لكل المحرمات فاعلا لكل الواجبات ، ومن جمع بين هذين الأمرين فهو مؤمن كامل الإيمان ، وقال أصحابنا : يريد الذين اتقوا الشرك وأيقنوا أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وأقول : هذا أولى مما قاله القاضي ، لأنا بينا أنه يكفي في صدق قوله : فلان قاتل أو ضارب كونه آتيا بقتل واحد وضرب واحد ، ولا يتوقف صدق هذا الكلام على كونه آتيا بجميع أنواع القتل وجميع أنواع الضرب ، فعلى هذا قوله : { وقيل للذين اتقوا } يتناول كل من أتى بنوع واحد من أنواع التقوى إلا أنا أجمعنا على أنه لا بد من التقوى عن الكفر والشرك فوجب أن لا يزيد على هذا القيد لأنه لما كان تقييد المطلق خلاف الأصل ، كان تقييد المقيد أكثر مخالفة للأصل ، وأيضا فلأنه تعالى إنما ذكر هؤلاء في مقابلة أولئك الذين كفروا وأشركوا ، فوجب أن يكون المراد من اتقى عن ذلك الكفر والشرك ، والله أعلم .
المسألة الثانية : لقائل أن يقول : إنه قال في الآية الأولى ، ( قالوا أساطير الأولين ) ، وفي هذه الآية ( قالوا خيرا ) ، فلم رفع الأول ونصب هذا ؟ .
أجاب صاحب «الكشاف » عنه بأن قال : المقصود منه الفصل بين جواب المقر وجواب الجاحد ، يعني أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا ، وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفا مفعولا للإنزال فقالوا خيرا أي أنزل خيرا ، وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا هو أساطير الأولين وليس من الإنزال في شيء .
المسألة الثالثة : قال المفسرون هذا كان في أيام الموسم ، يأتي الرجل مكة فيسأل المشركين عن محمد وأمره فيقولون : إنه ساحر وكاهن وكذاب ، فيأتي المؤمنين ويسألهم عن محمد وما أنزل الله عليه فيقولون خيرا ، والمعنى : أنزل خيرا . ويحتمل أن يكون المراد الذي قالوه من الجواب موصوف بأنه خير ، وقولهم خير جامع لكونه حقا وصوابا ، ولكونهم معترفين بصحته ولزومه فهو بالضد من قول الذين لا يؤمنون بالآخرة ، أن ذلك أساطير الأولين على وجه التكذيب .
المسألة الرابعة : قوله : { للذين أحسنوا } وما بعده بدل من قوله : { خيرا } وهو حكاية لقول الذين اتقوا ، أي قالوا هذا القول ، ويجوز أيضا أن يكون قوله : { للذين أحسنوا } إخبارا عن الله ، والتقدير : إن المتقين لما قيل لهم : { ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا } ثم إنه تعالى أكد قولهم وقال : { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة } وفي المراد بقوله : { للذين أحسنوا } قولان ، أما الذين يقولون : إن أهل لا إله إلا الله يخرجون من النار فإنهم يحملونه على قول لا إله إلا الله مع الاعتقاد الحق ، وأما المعتزلة الذين يقولون : إن فساق أهل الصلاة لا يخرجون من النار يحملون قوله : { أحسنوا } على من أتى بالإيمان وجميع الواجبات واحترز عن كل المحرمات . وأما قوله : { في هذه الدنيا } ففيه قولان :
القول الأول : أنه متعلق بقوله : { أحسنوا } والتقدير : للذين اتقوا بعمل الحسنة في الدنيا فلهم في الآخرة حسنة ، وتلك الحسنة هي الثواب العظيم ، وقيل : تلك الحسنة هو أن ثوابها يضاعف بعشر مرات وبسبعمائة وإلى ما لا نهاية له .
والقول الثاني : أن قوله : { في هذه الدنيا } متعلق بقوله : { حسنة } والتقدير : للذين أحسنوا أن تحصل لهم الحسنة في الدنيا ، وهذا القول أولى ، لأنه قال بعده : { ولدار الآخرة خير } وعلى هذا التقدير ففي تفسير هذه الحسنة الحاصلة في الدنيا وجوه : الأول : يحتمل أن يكون المراد ما يستحقونه من المدح والتعظيم والثناء والرفعة ، وجميع ذلك جزاء على ما عملوه . والثاني : يحتمل أن يكون المراد به الظفر على أعداء الدين بالحجة وبالغلبة لهم ، وباستغنام أموالهم وفتح بلادهم ، كما جرى ببدر وعند فتح مكة ، وقد أجلوهم عنها وأخرجوهم إلى الهجرة ، وإخلاء الوطن ، ومفارقة الأهل والولد وكل ذلك مما يعظم موقعه . والثالث : يحتمل أن يكون المراد أنهم لما أحسنوا بمعنى أنهم أتوا بالطاعات فتح الله عليهم أبواب المكاشفات والمشاهدات والألطاف كقوله تعالى : { والذين اهتدوا زادهم هدى } .
وأما قوله : { ولدار الآخرة خير } فقد بينا في سورة الأنعام في قوله : { وللدار الآخرة خير للذين يتقون } بالدلائل القطعية العقلية حصول هذا الخير ، ثم قال : { ولنعم دار المتقين } أي لنعم دار المتقين دار الآخرة ، فحذفت لسبق ذكرها ، هذا إذا لم تجعل هذه الآية متصلة بما بعدها ، فإن وصلتها بما بعدها قلت : ولنعم دار المتقين جنات عدن فترفع جنات على أنها اسم لنعم ، كما تقول : نعم الدار دار ينزلها زيد .
بعد أن بين الله أحوالَ المكذبين وما ينالهم في الدنيا والآخرة ، ذكر هنا وصف المؤمنين وثقتَهم بالله ورسوله ، وما أعدّ لهم من الخير والسعادة في جناتٍ تجري من تحتها الأنهارُ جزاء إيمانهم وإحسانهم .
وقيل للذين آمنوا بالله واتقوا : ما الذي أنزلَه ربُّكم على رسوله ؟ قالوا : أَنزل عليه القرآن فيه خيرُ الدنيا والآخرة للناس جميعا ، فكانوا بذلك من المحسنين . والله تعالى وعد بأن يكافئ المحسنين بحياة طيبة ، وفي الآخرة لهم الجنةُ بما أحسنوا .
{ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقوا } أي المؤمنين ، وصفوا بذلك إشعارا بأن ما صدر عنهم من الجواب ناشىء من التقوى .
{ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا } أي أنزل خيراً { فَمَاذَا } اسم واحد مركب للاستفهام ، بمعنى ، أي شيء محله النصب { *بأنزل } و { الله خَيْرًا } مفعول لفعل محذوف ، وفي اختيار ذلك دليل على أنهم لم يتلعثموا في الجواب وأطبقوه على السؤال معترفين بالإنزال على خلاف الكفرة حيث عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا : هو { أساطير الاولين } وليس من الإنزال في شيء . نعم قرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { خَيْرٌ } بالرفع فما اسم استفهام و { ذَا } اسم موصول بمعنى الذي أي أي شيء الذي أنزله ربكم ، و ( خَيْر ) خبر مبتدأ محذوف فيتوافق جملتا الجواب والسؤال في كون كل منهما جملة اسمية ، وجعل* ( مَاذَا ) منصوباً على المفعولية كما مر ورفع { خَيْرٌ } على الخبرية لمبتدأ جائز إلا أنه خلاف الأول ، وفي الكشف أنه يظهر من الوقوف على مراد صاحب الكشاف في هذا المقام إن فائدة النصب مع أن الرفع أقوى دفع الالتباس ليكون نصاً في المطلوب كما أوثر النصب في قوله تعالى : { إِنَّا كُلَّ شَىْء خلقناه بِقَدَرٍ } [ القمر : 49 ] لذلك ، وينحل مراده من ذلك بالرجوع إلى ما نقلناه عنه سابقاً والتأمل فيه فتأمل فإنه دقيق .
هذا ولم نجد في السائل هنا خلافاً كما في السائل فيما تقدم ، والذي رأيناه في كثير مما وقفنا عليه من التفاسير أن السائل الوفد الذي كان سائلاً أو لا في بعض الأقوال المحكية هناك ، وذكر أنه السائل في الموضعين كثير منهم ابن أبي حاتم ، فقد أخرج عن السدى قال اجتمعت قريش فقالوا : إن محمداً صلى الله عليه وسلم رجل حلو اللسان إذا كلمه الرجل ذهب بعقله فانظروا أناساً من أشرافكم المعدودين المعروفة انسابهم فابعثوهم في كل طريق من طرق مكة على رأس ليلة أو ليلتين فمن جاء يريده فردوه عنه فخرج ناس منهم في كل طريق فكان إذا أقبل الرجل وافد لقومه ينظر ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم فينزل بهم قالوا له : يا فلان ابن فلان فيعرفه بنسبه ويقول : أنا أخبرك عن محمد صلى الله عليه وسلم هو رجل كذاب لم يتبعه على أمره إلا السفهاء والعبيد ومن لا خير فيه وأما شيوخ قومه وخيارهم فمفارقون له فيرجع أحدهم فذلك قوله تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أساطير الاولين } [ النحل : 24 ] فإذا كان الوافد ممن عزم الله تعالى له على الرشاد فقالوا له مثل ذلك قال : بئس الوافد أنا لقومي إن كنت جئت حتى إذا بلغت مسيرة يوم رجعت قبل أن ألقى هذا الرجل وانظر ما يقول وآتي قومي ببيان أمره فيدخل مكة فيلقى المؤمنين فيسألهم ماذا يقول محمد صلى الله عليه وسلم فيقولون : خيراً الخ ، نعم يجوز عقلا أن يكون السائل بعضهم لبعض ليقوى ما عنده بجوابه أو لنحو ذلك كالاستلذاذ بسماع الجواب وكثيراً ما يسأل المحب عما يعلمه من أحوال محبوبه استلذاذاً بمدامة ذكره وتشنيفا لسمعه بسني دره :
الا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر . . . ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر
بل يجوز أيضاً أن يكون السائل من الكفرة المعاندين وغرضه بذلك التلاعب والتهكم { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } أتوا بالأعمال الحسنة الصالحة { فِى هذه } الدار { الدنيا حَسَنَةٌ } مثوبة حسنة جزاء إحسانهم ، والجار والمجرور متعلق بما بعده على معنى أن تلك الحسنة لهم في الدنيا ، والمراد بها على ما روي عن الضحاك النصر والفتح ، وقيل : المدح والثناء منه تعالى ، وقال الإمام : يحتمل أن يكون فتح باب المكاشفات والمشاهدات والالطاف كقوله تعالى : { والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى } [ محمد : 17 ] وقيل : متعلق بما قبله ، وحينئذ يحتمل أن يكون الكلام على تقدير مثله متعلقاً بما بعد أولا بل تكون هذه الحسنة الواقعة مثوبة لاحسانهم في الدنيا في الآخرة ، واقتصر بعضهم على هذا الاحتمال ، والمراد بالحسنة حينئذ إما الثواب العظيم الذي أعده الله تعالى يوم القيامة للمحسنين وإما التضعيف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما لا يعلمه غيره جل وعلا ، واختير كونه متعلقاً بما بعد لأنه الأوفق بقوله سبحانه : { وَلَدَارُ الاخرة خَيْرٌ } والكلام كما يشعر به كلام غبر واحد على حذف مضاف أي ولثواب دار الآخرة أي ثوابهم فيها خير مما أوتوا في الدنيا من الثواب .
وجوز أن يكون المعنى خير على الإطلاق فيجوز إسناد الخيرية إلى نفس دار الآخرة { وَلَنِعْمَ دَارُ المتقين } أي دار الآخرة حذف لدلالة ما سبق عليه كما قاله ابن عطية . والزجاج . وابن الأنباري . وغيرهم ، وهذا كلام مبتدأ عدة منه تعالى الذين اتقوا على قولهم ، وهو في الوعد ههنا نظير { لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ } [ النحل : 25 ] في الوعيد فيما مر ، وجوز أن يكون { خَيْرًا } مفعول { قَالُواْ } وعمل فيه لأنه في معنى الجملة كمقال قصيده أو صفة مصدر أي قولاً خيراً ، وهذه الجملة بدل منه فمحلها النصب أو مفسرة له فلا محل لها من الأعراب ، وعلى التقديرين مقولهم في الحقيقة { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } الخ إلا أن الله سبحانه سماه خيراً ثم حكاه كما تقول : قال فلان جميلاً من قصدنا وجب حقه علينا ، وعلى ما ذكر لا يكون دلالة النصب على ما مر لما أشير إليه هناك وإنما تكون من حيث شهادة اللهتعالى بخيرية قولهم ويحتمل جعل ذلك كما الكشف مفعول { أَنَزلَ }( {[525]} ) ويكون تسميته خيراً من الله تعالى كما قوله سبحانه :
{ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم } [ الزخرف : 9 ] ليشعر أول ما يقرع السمع بالمطابقة من غير نظر إلى فهم معناه ؛ وأما قولهم : «للذين أحسنوا » أي قالوا أنزل هذه المقالة فإن ما يفهم من المطابقة بعد تدبر المعنى ، وزعم بعضهم أنه لا يجوز جعله منصوباً بأنزل لأن هذا القول ليس منزلاً من الله تعالى ، وفيه تفوت المطابقة حينئذ وهو كلام ناشىء من قلة التدبر . وفي البحر الظاهر أن { لِلَّذِينَ } الخ مندرج تحت القول وهو تفسير للخير الذي أنزل الله تعالى في الوحي ، وظاهره أنه وجه آخر غير ما ذكر وفيه رد على الزاعم أيضاً ، ولعل اقتصارهم على هذا من بين المنزل لأنه كلام جامع وفيه ترغيب للسائل ، والمختار من هذه الأوجه عند جمع هو الأول بل قيل إنه الوجه .