قوله تعالى :{ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا . ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا . ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا . ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن المقصود من ذكر الآيات المتقدمة الرد على القوم الذين افتخروا بأموالهم وأعوانهم على فقراء المسلمين وهذه الآية المقصود من ذكرها عين هذا المعنى ، وذلك لأن إبليس إنما تكبر على آدم لأنه افتخر بأصله ونسبه وقال : خلقتني من نار وخلقته من طين فأنا أشرف منه في الأصل والنسب فكيف أسجد وكيف أتواضع له ! وهؤلاء المشركون عاملوا فقراء المسلمين بعين هذه المعاملة فقالوا : كيف نجلس مع هؤلاء الفقراء مع أنا من أنساب شريفة وهم من أنساب نازلة ونحن أغنياء وهم فقراء ، فالله تعالى ذكر هذه القصة ههنا تنبيها على أن هذه الطريقة هي بعينها طريقة إبليس ثم إنه تعالى حذر عنها وعن الاقتداء بها في قوله : { أفتتخذونه وذريته أولياء } فهذا هو وجه النظم وهو حسن معتبر ، وذكر القاضي وجها آخر فقال : إنه تعالى لما ذكر من قبل أمر القيامة وما يجري عند الحشر ووضع الكتاب وكأن الله تعالى يريد أن يذكر ههنا أنه ينادي المشركين ويقول لهم أين شركائي الذي زعمتم وكان قد علم تعالى أن إبليس هو الذي يحمل الإنسان على إثبات هؤلاء الشركاء ، لا جرم قدم قصته في هذه الآية إتماما لذلك الغرض ثم قال القاضي : وهذه القصة وإن كان تعالى قد كررها في سور كثيرة إلا أن في كل موضع منها فائدة مجددة .
المسألة الثانية : أنه تعالى بين في هذه الآية أن إبليس كان من الجن وللناس في هذه المسألة ثلاثة أقوال : الأول : أنه من الملائكة وكونه من الملائكة لا ينافي كونه من الجن ولهم فيه وجوه . الأول : أن قبيلة من الملائكة يسمون بذلك لقوله تعالى : { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } { وجعلوا لله شركاء الجن } . والثاني : أن الجن سموا جنا للاستتار والملائكة كذلك فهم داخلون في الجن . الثالث : أنه كان خازن الجنة ونسب إلى الجنة كقولهم كوفي وبصري وعن سعيد بن جبير أنه كان من الجنانين الذين يعملون في الجنات حي من الملائكة يصوغون حلية أهل الجنة مذ خلقوا رواه القاضي في تفسيره عن هشام عن سعيد بن جبير . والقول الثاني : أنه من الجن الذين هم الشياطين والذين خلقوا من نار وهو أبوهم . والقول الثالث : قول من قال كان من الملائكة فمسخ وغير . وهذه المسألة قد أحكمناها في سورة البقرة وأصل ما يدل على أنه ليس من الملائكة أنه تعالى أثبت له ذرية ونسلا في هذه الآية وهو قوله : { أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني } والملائكة ليس لهم ذرية ولا نسل فوجب أن لا يكون إبليس من الملائكة . بقي أن يقال : إن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود فلو لم يكن إبليس من الملائكة فكيف تناوله ذلك الأمر ، وأيضا لو لم يكن من الملائكة فكيف يصح استثناؤه منهم ، وقد أجبنا عن كل ذلك بالاستقصاء ثم قال تعالى : { ففسق عن أمر ربه } وفي ظاهره إشكال لأن الفاسق لا يفسق عن أمر ربه ، فلهذا السبب ذكروا فيه وجوها .
الأول : قال الفراء : ففسق عن أمر ربه أي خرج عن طاعته . والعرب تقول فسقت الرطبة من قشرها أي خرجت ، وسميت الفأرة فويسقة لخروجها من جحرها من البابين وقال رؤبة :
يهوين في نجد وغور غائرا*** فواسقا عن قصدها جوائرا
الثاني : حكى الزجاج عن الخليل وسيبويه أنه قال : لما أمر فعصى كان سبب فسقه هو ذلك الأمر ، والمعنى أنه لولا ذلك الأمر السابق لما حصل الفسق ، فلأجل هذا المعنى حسن أن يقال : فسق عن أمر ربه . الثالث : قال قطرب : فسق عن أمر ربه رده كقوله واسأل القرية واسأل العير قال تعالى : { أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : المقصود من هذا الكلام أن إبليس تكبر على آدم وترفع عليه لما ادعى أن أصله أشرف من أصل آدم فوجب أن يكون هو أشرف من آدم ، فكأنه تعالى قال لأولئك الكافرين الذين افتخروا على فقراء المسلمين بشرف نسبهم وعلو منصبهم ، إنكم في هذا القول اقتديتم بإبليس في تكبره على آدم فلما علمتم أن إبليس عدو لكم فكيف تقتدون به في هذه الطريقة المذمومة . هذا هو تقرير الكلام . فإن قيل : إن هذا الكلام لا يتم إلا بإثبات مقدمات . فأولها : إثبات إبليس . وثانيها : إثبات ذرية إبليس . وثالثها : إثبات عداوة بين إبليس وذريته وبين أولاد آدم . ورابعها : أن هذا القول الذي قاله أولئك الكفار اقتدوا فيه بإبليس . وكل هذه المقدمات الأربعة لا سبيل إلى إثباتها إلا بقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم . فالجاهل بصدق النبي جاهل بها . إذا عرفت هذا فنقول المخاطبون بهذه الآيات هل عرفوا كون محمد نبيا صادقا أو ما عرفوا ذلك ؟ فإن عرفوا كونه نبيا صادقا قبلوا قوله في كل ما يقوله فكلما نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن قول انتهوا عنه ، وحينئذ فلا حاجة إلى قصة إبليس وإن لم يعرفوا كونه نبيا جهلوا كل هذه المقدمات الأربعة ولم يعرفوا صحتها فحينئذ لا يكون في إيرادها عليهم فائدة والجواب أن المشركين كانوا قد سمعوا قصة إبليس وآدم من أهل الكتاب واعتقدوا صحتها وعلموا أن إبليس إنما تكبر على آدم بسبب نسبه ، فإذا أوردنا عليهم هذه القصة كان ذلك زاجرا لهم عما أظهروه مع فقراء المسلمين من التكبر والترفع .
المسألة الثانية : قال الجبائي في هذه الآية دلالة على أنه تعالى لا يريد الكفر ولا يخلقه في العبد ، إذ لو أراده وخلقه فيه ثم عاقبه عليه لكان ضرر إبليس أقل من ضرر الله عليهم ! فكيف يوبخهم بقوله : { بئس للظالمين بدلا } ! ؟ تعالى الله عنه علوا كبيرا . بل على هذا المذهب لا ضرر البتة من إبليس بل الضرر كله من الله . والجواب : المعارضة بالداعي والعلم .
المسألة الثالثة : إنما قال للكفار المفتخرين بأنسابهم وأموالهم على فقراء المسلمين أفتتخذون إبليس وذريته أولياء من دون الله ، لأن الداعي لهم إلى ترك دين محمد صلى الله عليه وسلم هو النخوة وإظهار العجب . فهذا يدل على أن كل من أقدم على عمل أو قول بناء على هذا الداعي فهو متبع لإبليس حتى أن من كان غرضه في إظهار العلم والمناظرة التفاخر والتكبر والترفع فهو مقتد بإبليس وهو مقام صعب غرق فيه أكثر الخلق فنسأل الله الخلاص منه ثم قال تعالى : { بئس للظالمين بدلا } أي بئس البدل من الله إبليس لمن استبدله به فأطاعه بدل طاعته ،
فَسَقَ عن أمر ربه : خرج عن طاعته .
فهم لكم عدو : العدو يطلق على الواحد والجمع .
تقدم ذلك في الآية 34 من سورة البقرة ، والآية 11 من سورة الأعراف ، والآية 61 من سورة الإسراء ، وهي في كل موضع جاءت لفائدةٍ ومعنى غير ما جاءت له في المواضع الأخرى ، على اختلاف أساليبها وعباراتها من المعنى المراد منها .
وهنا يشير الله تعالى إلى أن الكفر والعصيانَ مصدرهما طاعة الشيطان ، وإبليس أعدى الأعداءِ ، وقد خرج عن طاعة الله ولم يسجد لآدمَ سجودَ تحيَّةٍ وإكرام ، مع أن الملائكة كلَّهم سجدوا وأطاعوا أمرَ ربهم ، فعصى ربه عن أمره . ومع هذا وبعد أن عرفتم عصيانه وتمرُّدَه على الله تتخذونه هو وأعوانَه أنصاراً لكم من دون الله ، وهم لكم أعداء !
{ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً } بئس البدلُ للكافرين بالله اتخاذُ إبليسَ وذرّيته أولياءَ من دونه .
{ وَإِذْ قُلْنَا } أي اذكر وقت قولنا { للملائكة } كلهم كما هو الظاهر ، واستثنى بعض الصوفية الملائكة المهيمين ، وبعض آخر ملائكة السماء مطلقاً وزعم أن المقول له ملائكة الأرض .
{ اسجدوا لاِدَمَ } سجود تحية وإكرام أو اسجدوا لجهته على معنى اتخذوه قبلة لسجودكم لله تعالى ، وقد مر تمام الكلام في ذلك { فَسَجَدُواْ } كلهم أجمهون امتثالاً للأمر { إِلاَّ إِبْلِيسَ } لم يكن من الساجدين بل أبى واستكبر ، وقوله تعالى : { كَانَ مِنَ الجن } كلام مستأنف سيق مساق التعليل لما يفيده استثناء اللعين من الساجدين ، وقيل : حال من المستثنى وقد مقدرة والرابط الضمير وهو اختيار أبى البقاء ، والأول الصق بالقلب فكأنه قيل ما له لم يسجد ؟ فقيل كان أصله جنياً ، وهذا ظاهر في أنه ليس من الملائكة . نعم كان معهم ومعدوداً في عدادهم ، فقد أخرج ابن جرير عن سعد بن مسعود قال : كانت الملائكة تقاتل الجن فسبى إبليس وكان صغيراً فكان مع الملائكة فتعبد بالسجود معهم . وأخرج نحوه عن شهر بن حوشب ، وهو قول كثير من العلماء حتى قال الحسن فيما أخرجه عنه ابن المنذر . وابن أبي حاتم : قاتل الله تعالى أقواماً زعموا أن إبليس من الملائكة والله تعالى يقول : { كَانَ مِنَ الجن } وأخرج عنه ابن جرير . وابن الأنبياري في كتاب الأضداد . وأبو الشيخ في العظمة أنه قال : ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين وإنه لأصل الجن كما أن آدم عليه السلام أصل الإنس ، وفيه دلالة على أنه لم يكن قبله جن كما لم يكن قبل آدم عليه السلام انس ، وفي القلب من صحته ما فيه . وأقرب منه إلى الصحة ما قاله جماعة من أنه كان قبله جن إلا أنهم هلكوا ولم يكن لهم عقب سواه فالجن والشياطين اليوم كلهم من ذريته فهو في الجن كنوح عليه السلام في الإنس على ما هو المشهور ، وقيل : كان من الملائكة والجن قبيلة منهم ، وقد أخرج هذا ابن جرير . وابن المنذر . وأبو الشيخ وأبو الشيخ في العظمة . والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس ، وفي رواية أخرى عنه رضي الله تعالى عنهما أن إبليس كان من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة وكان خازناً على الجنان وكان له سلطان السماء الدنيا وكان له مجمع البحرين بحر الروم وبحر فارس وسلطان الأرض فرأى أن له بذلك عظمة وشرفاً على أهل السماء فوقع في نفسه كبر لم يعلم به أحد إلا الله تعالى فلما أمر بالسجود ظهر كبره الذي في نفسه فلعنه الله تعالى إلى يوم القيامة ، وكان على ما رواه عنه قتادة يقول : لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود .
وأجيب عن هذا بما أشرنا إليه آنفاً وبغيره مما لا يخفي ، وإلى ذلك ذهب ابن جبير ، وقد روي عنه جماعة أنه قال : الجن في الآية حي من الملائكة لم يزالوا يصوغون حلى أهل الجنة حتى تقوم الساعة ، وفي رواية أخرى عنه أن معنى { كَانَ مِنَ الجن } كان من خزنة الجنان وهو تأويل عجيب ، ومثله ما أخرجه أبو الشيخ في العظمة عن قتادة أن معنى كونه من الجن أنه أجن عن طاعة الله تعالى أي ستر ومنع ، ورواية الكثير عنه أنه قائل بما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقيل : هو من الملائكة ومعنى { كَانَ مِنَ الجن } صار منهم بالمسخ ، وقيل : معنى ذلك أنه عد منهم لموافقته إياهم في المعصية حيث أنهم كانوا من قبل عاصين فبعثت طائفة من الملائكة عليهم السلام لقتالهم ، وأنت تعلم أنه يشق الجواب على من ادعى أن إبليس من الملائكة مع دعواه عصمتهم ، ولا بد أن يرتكب خلاف الظاهر في هذه الآية ، نعم مسألة عصمتهم عليهم السلام خلافية ولا قاطع في العصمة كما قال العلامة التفتازاني . وقد ذكر القاضي عياض أن طائفة ذهبوا إلى عصمة الرسل منهم والمقربين عليهم السلام ولم يقولوا بعصمة غيرهم ، وإذا ذهب مدعي كون إبليس من الملائكة إلى هذا لم يتخلص من الاعتراض إلا بزعم أنه لم يكن من المقربين ولا تساعده الآثار على ذلك ، ويبقى عليه أيضاً أن الآية تأبى مدعاه ، وكذا لو ذهب إلى ما نقل عن بعض الصوفية من أن ملائكة الأرض لم يكونوا معصومين وكان إبليس عليه اللعنة منهم { فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ } أي فخرج عن طاعته سبحانه كما قال الفراء ، وأصله من فسق الرطب إذا خرج عن قشره ، وسموا الفأرة فاسقه لخروجها من جحرها من البابين ولهذا عدي بعن كما في قول رؤبة :
يهوين في نجد وغوراً غائرا*** فواسقا عن قصدها جوائراً
والظاهر أن الفسق بهذا المعنى مما تكلمت به العرب من قبل ، وقال أبو عبيدة : لم نسمع ذلك في شيء من أشعار الجاهلية ولا أحاديثها وإنما تكلم به العرب بعد نزول القرآن ، ووافقه المبرد على ذلك فقال : الأمر على ما ذكره أبو عبيدة ، وهي كلمة فصيحة على ألسنة العرب ، وكأن ما ذكره الفراء بيان لحاصل المعنى إذ ليس الأمر بمعنى الطاعة أصلاً بل هو إما بمعنى المأمور به وهو السجود وخروجه عنه بمعنى عدم اتصافه به ، وإما قوله تعالى : { اسجدوا } وخروجه عنه مخالفته له ، وكون حاصل المعنى ذلك على المعنيين ظاهر ، وقيل : { عَنْ } للسببية كما في قولهم كسوته عن عرى وأطعمته عن جوع أي فصار فاسقاً كافراً بسبب أمر الله تعالى الملائكة المعدود هو في عدادهم إذ لولا ذلك الأمر ما تحقق إباء .
وإلى ذلك ذهب قطرب إلا أنه قال : أي ففسق عن رده أمر ربه ، ويحتمل أن يكون تقدير معنى وأن يكون تقدير إعراب ؛ وجوز على تقدير السببية أن يراد بالأمر المشيئة أي ففسق بسبب مشيئة الله تعالى فسقه ولولا ذلك لأطاع . والأظهر ما ذكر أولاً . والفاء سببية عطفت ما بعدها على قوله تعالى : { كَانَ مِنَ الجن } وأفادت تسبب فسقه عن كونه من الجن إذ شأنهم التمرد لكدورة مادتهم وخباثة ذاتهم والذي حبث لا يخرج إلا نكدا وإن كان منهم من أطاع وآمن ، وجوز أن يكون العطف على ما يفهم من الاستثناء كأنه قيل : فسجدوا إلا إبليس أبى عن السجود ففسق ، وتفيد حينئذ تسبب فسقه عن آبائه وتركه السجود . وقيل : إنها هنا غير عاطفة إذ لا يصح تعليل ترك السجود وآبائه عنه بفسقه عن أمر ربه تعالى . قال الرضى : والفاء التي لغير العطف وهي التي تسمى فاء السببية لا تخلو أيضاً من معنى الترتيب وتختص بالجمل وتدخل على ما هو جزاء مع تقدم كلمة الشرط وبدونها انتهى . وليس بشيء لأنه يكفي لصحة ترتب الثاني تسببه كما في { فوكزه موسى فقضى عليه } [ القصص : 15 ] كما صرح به في التسهيل وهنا كذلك . والتعرض لعنوان الربوبية المنافية للفسق لبيان قبح ما فعله . والمراد من الأمر بذكر وقت القصة ذكر القصة نفسها لما فيها من تشديد النكير على المتكبرين المفتخرين بأنسابهم وأموالهم المستنكفين عن الانتظام في سلك فقراء المؤمنين ببيان أن ذلك من صنيع إبليس وأنهم في ذلك تابعون لتسويله كما ينبئ عنه ما يأتي إن شاء الله تعالى ، ومنه يعلم وجه الربط ، وجوز أن يكون وجه أنه تعالى لما بين حال المغرور بالدنيا والمعرض عنها وكان سبب الاغترار بها حب الشهوات وتسويل الشيطان زهده سبحانه أولاً بزخارف الدنيا بأنها عرضة الزوال وشيكة الانتقال والباقيات الصالحات خير ثواباً وأحسن أملا من أنفسها وأعلاها ثم نفرهم عن الشيطان بتذكير ما بينهم من العداوة القديمة ، واختار أبو حيان في وجهه أنه سبحانه لما ذكر يوم القيامة والحشر وذكر خوف المجرمين مما سطر في كتبهم وكان إبليس اللعين هو الذي حملهم على المعاصي واتخاذ الشركاء ناسب ذكر إبليس والتنفير عنه تبعيداً عن المعاصي وعن امتثال ما يوسوس به ويدعو إليه . وأياً ما كان فلا يعد ذكر هذه القصة هنا مع ذكرها قبل تكراراً لأن ذكرها هنا لفائدة غير الفائدة التي ذكرت لها فيما قبل وهكذا ذكرها في كل موضع ذكرت فيه من الكتاب الجليل . ومثل هذا يقال في كل ما هو تكرار بحسب الظاهر فيه .
ولا يخفي أن أكثر المكررات ظاهراً مختلفة الأساليب متفاوتة الألفاظ والعبارات وفي ذلك من الأسرار الإلهية ما فيه فلا يستزلنك الشيطان .
{ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى } الهمزة للإنكار والتعجيب والفاء للتعقيب ، والمراد إما إنكار أن يعقوب اتخاذه وذريته أولياء العلم بصدور ما صدر منه مع التعجب من ذلك ، وإما تعقيب إنكار الاتخاذ المذكور والتعجيب منه أعلام الله تعالى بقبح صنيع اللعين فتأمل ، والظاهر أن المراد من الذرية الأولاد فتكون الآية دالة على أنه له أولاداً وبذلك قال جماعة ، وقد روي عن ابن زيد أن الله تعالى قال لابليس : أتى لا أخلق لآدم ذرية إلا ذرأت لك مثلها فليس يولد لآدم ولد إلا ولد معه شيطان يقرن به ، وعن قتادة أنه قال : إنه ينكح وينسل كما ينسل بنو آدم . وذكر في البحر أن من القائلين بذلك أيضاً الضحاك . والأعمش . والشعبي .
ونقل عن الشعبي انه قال : لا تكون ذرية إلا من زوجة فيكون قائلاً بالزوجة ، والذي في الدر المنثور برواية ابن المنذر عنه أنه سئل عن إبليس هل له زوجة ؟ فقال : إن ذلك لعرس ما سمعت به ، وأخرج ابن أبي الدنيا في المكائد . وابن أبي حاتم عن مجاهد أنه قال : ولد إبليس خمسة ثبر وهو صاحب المصائب والأعور وداسم لا أدري ما يعملان ومسوط وهو صاحب الصخب وزلبنور وهو الذي يفرق بين الناس ويبصر الرجل عيوب أهله .
وفي رواية أخرى عنه أن الأعور صاحب الزنا ومسوط صاحب أخبار الكذب يلقيها على أفواه الناس ولا يجدون لها أصلاً وراسم صاحب البيوت إذا دخل الرجل بيته ولم يسم دخل معه وإذا أكل ولم يسم أكل معه وزلبنور صاحب الأسواق وكان هؤلاء الخمسة من خمس بيضات باضها اللعين ، وقيل إنه عليه اللعنة يدخل ذنبه في دبره فيبيض فتنفلق البيضة عن جماعة من الشياطين . وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان أن جميع ذريته من خمس بيضات باضها قال : وبلغني أنه يجتمع على مؤمن واحد أكثر من ربيعة ومضر والله تعالى أعلم بصحة هذه الأخبار ، وقال بعضهم : لا ولد له ، والمراد من الذرية الاتباع من الشياطين ، وعبر عنهم بذلك مجازاً تشبيهاً لهم بالأولاد ، وقيل ولعله الحق إن له أولاداً واتباعاً ، ويجوز أن يراد من الذرية مجموعهما معاً على التغليب أو الجمع بين الحقيقة والمجاز عند من يراه أو عموم المجاز .
وقد جاء في بعض الأخبار أن ممن ينسب إليه بالولاد من آمن بنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ونبينا صلى الله عليه وسلم وهو هامة رضي الله تعالى عنه وسبحان من يخرج الحي من الميت ، ولا يلزمنا أن نعلم كيفية ولادته فكثير من الأشياء مجهول الكيفية عندنا ونقول به فليكن من هذا القبيل إذا صح الخبر فيه .
واستدل نافي ملكيته بظاهر الآية حيث أفادت أنه له ذرية والملائكة ليس لهم ذلك . ولمدعيها أن يقول : بعد تسليم حمل الذرية على الأولاد .
إنه بعد أن عصى مسخ وخرج عن الملكية فصار له أولاد ولم تفد الآية أن له أولاداً قبل العصيان والاستدلال بها لا يتم إلا بذلك ، وقوله تعالى : { مِن دُونِي } في موضع الحال أي أفتتخذونهم أولياء مجاوزين عني إليهم وتستبدلونهم بي فتطيعونهم بدل طاعتي { وَهُمْ } أي والحال أن إبليس وذريته { لَكُمْ عَدُوٌّ } أي أعداء كما في قوله تعالى : { فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى إِلاَّ رَبَّ العالمين } [ الشعراء : 77 ] وقوله تعالى : { هُمُ العدو } [ المنافقون : 4 ] وإنما فعل به ذلك تشبيهاً بالمصادر نحو القبول والولوع ، وتقييد الاتخاذ بالجملة الحالية لتأكيد الإنكار وتشديده فإن مضمونها مانع من وقوع الاتخاذ ومناف له قطعاً :
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى*** عدوا له ما من صداقته بد
{ بِئْسَ للظالمين } الواضعين للشيء في غير موضعه { بَدَلاً } أي من الله سبحانه ، وهو نصب على التمييز وفاعل { بِئْسَ } ضمير مستتر يفسره هو والمخصوص بالذم محذوف أي بئس البدل من الله تعالى للظالمين إبليس وذريته ، وفي الالتفات إلى الغيبة مع وضع الظالمين موضع ضمير المخاطبين من الإيذان بكمال السخط والإشارة إلى أن ما فعلوه ظلم قبيح ما لا يخفي .