قوله تعالى :{ المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا } لما بين تعالى أن الدنيا سريعة الانقراض والانقضاء مشرفة على الزوال والبوار والفناء بين تعالى أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا والمقصود إدخال هذا الجزء تحت ذلك الكل وسنعقد منه قياس الإنتاج وهو أن المال والبنون زينة الحياة الدنيا وكل ما كان من زينة الدنيا فهو سريع الانقضاء والانقراض ينتج إنتاجا بديهيا أن المال والبنين سريعة الانقضاء والانقراض . ومن المقتضى البديهي أن ما كان كذلك فإنه يقبح بالعاقل أن يفتخر به أو يفرح بسببه أو يقيم له في نظره وزنا فهذا برهان باهر على فساد قول أولئك المشركين الذين افتخروا على فقراء المؤمنين بكثرة الأموال والأولاد ثم ذكر ما يدل على رجحان أولئك الفقراء على أولئك الكفار من الأغنياء فقال : { والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا } وتقرير هذا الدليل أن خيرات الدنيا منقرضة منقضية وخيرات الآخرة دائمة باقية والدائم الباقي خير من المنقرض المنقضي وهذا معلوم بالضرورة ، لا سيما إذا ثبت أن خيرات الدنيا خسيسة حقيرة وأن خيرات الآخرة عالية رفيعة ، لأن خيرات الدنيا حسية وخيرات الآخرة عقلية والعقلية أشرف من الحسية بكثير بالدلائل المذكورة في تفسير قوله تعالى : { الله نور السماوات والأرض } في بيان أن الإدراكات العقلية أفضل من الحسية وإذا كان كذلك كان مجموع السعادات العقلية والحسية هي السعادات الأخروية فوجب أن تكون أفضل من السعادات الحسية الدنيوية ، والله أعلم . والمفسرون ذكروا في الباقيات الصالحات أقوالا قيل إنها قولنا : «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر » وللشيخ الغزالي رحمه الله في تفسير هذه الكلمات وجه لطيف ، فقال : روي أن من قال سبحان الله حصل له من الثواب عشر مرات ، فإذا قال والحمد لله صارت عشرين ، فإذا قال : ولا إله إلا الله صارت ثلاثين ، فإذا قال والله أكبر صارت أربعين . قال وتحقيق القول فيه أن أعظم مراتب الثواب هو الاستغراق في معرفة الله وفي محبته فإذا قال سبحان الله فقد عرف كونه سبحانه منزها عن كل ما لا ينبغي فحصول هذا العرفان سعادة عظيمة وبهجة كاملة فإذا قال مع ذلك والحمد لله فقد أقر بأن الحق سبحانه مع كونه منزها عن كل ما لا ينبغي فهو المبدأ لإفادة كل ما ينبغي ولإفاضة كل خير وكمال فقد تضاعفت درجات المعرفة فلا جرم قلنا تضاعف الثواب فإذا قال مع ذلك ولا إله إلا الله فقد أقر بأن الذي تنزه عن كل ما لا ينبغي فهو المبدأ لكل ما ينبغي وليس في الوجود موجود هكذا إلا الواحد فقد صارت مراتب المعرفة ثلاثة فلا جرم صارت درجات الثواب ثلاثة فإذا قال والله أكبر معناه أنه أكبر وأعظم من أن يصل العقل إلى كنه كبريائه وجلاله فقد صارت مراتب المعرفة أربعة لا جرم صارت درجات الثواب أربعة .
والقول الثاني : أن الباقيات الصالحات هي الصلوات الخمس . والقول الثالث : أنها الطيب من القول كما قال تعالى : { وهدوا إلى الطيب من القول } . والقول الرابع : أن كل عمل وقول دعاك إلى الاشتغال بمعرفة الله وبمحبته وخدمته فهو الباقيات الصالحات وكل عمل وقول دعاك إلى الاشتغال بأحوال الخلق فهو خارج عن ذلك وذلك أن كل ما سوى الحق سبحانه فهو فان لذاته هالك لذاته فكان الاشتغال به والالتفات إليه عملا باطلا وسعيا ضائعا . أما الحق لذاته فهو الباقي لا يقبل الزوال لا جرم كان الاشتغال بمعرفة الله ومحبته وطاعته هو الذي يبقى بقاء لا يزول ولا يفنى ثم قال تعالى : { خير عند ربك ثوابا وخير أملا } أي كل عمل أريد به وجه الله فلا شك أن ما يتعلق به من الثواب وما يتعلق به من الأمل يكون خيرا وأفضل ، لأن صاحب تلك الأعمال يؤمل في الدنيا ثواب الله ونصيبه في الآخرة .
الباقيات الصالحات : الأعمال الصالحة .
والمال والبنون جمالٌ ومتعة للناس في هذه الحياة الدنيا ولكنْ لا دوامٍ لشيءٍ منها . وقد بين الله تعالى ما هو الباقي فقال : { والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً } فإن الأعمال الصالحةَ التي تنفع الناس ، وطاعة الله خيرٌ عند الله يُجزل ثوابها ، وخير أمل يتعلّق به الإنسان .
{ الْمَالُ والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا } بيان لشأن ما كانوا يفتخرون به من محسنات الحياة الدنيا كما افتخر الأخ الكافر بما افتخر به من ذلك إثر بيان شأن نفسها بما مر من المثل ، وتقديم المال على البنين مع كونهم أعز منه عند أكثر الناس لعراقته فيما نيط به من الزينة والإمداد وغير ذلك .
وعمومه بالنسبة إلى الأفراد والأوقات فإنه زينة وممد لكل أحد من الآباء والبنين في كل وقت وحين وأما البنون فزينتهم وإمدادهم إنما يكون بالنسبة إلى من بلغ الأبوة ولأن المال مناط لبقاء النفس والبنون لبقاء النوع ولأن الحاجة إليه أمس من الحاجة إليهم ولأنه أقدم منهم في الوجود ولأنه زينة بدونهم من غير عكس فإن من له بنون بلا مال فهو في أضيق حال ونكال كذا في إرشاد العقل السليم ، والزينة مصدر وأطلق على ما يتزين به للمبالغة ولذلك أخبره به عن أمرين وإضافتها إلى الحياة الدنيا اختصاصية ، وجوز أن تكون على معنى في والمعنى أن ما يفتخرون به من المال والبنين شيء يتزين به في الحياة وقد علم شأنها في سرعة الزوال وقرب الاضمحلال فما الظن بما هو من أوصافها التي شأنها أن تزول قبل زوالها . وذكر أن هذا إشارة إلى ما يرد افتخارهم بالمال والبنين كأنه قيل : المال والبنون زينة الحياة الدنيا وكل ما كان زينة الحياة الدنيا فهو سريع الزوال ينتج المال والبنون سريعاً الزوال ، أما الصغرى فبديهية وأما الكبرى فدليلها يعلم مما مر من بيان شأن نفس الحياة الدنيا ثم يقال : المال والبنون سريعاً الزوال وكل ما كان سريع الزوال يقبح بالعاقل أن يفتخر به ينتج المال والبنون يقبح بالعاقل أن يفتخر بهما وكلتا المتقدمين لا خفاء فيها .
{ والباقيات الصالحات } أخرج سعيد بن منصور . وأحمد . وأبو يعلى . وابن جرير . وابن أبي حاتم وابن مردويه . والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " استكثروا من الباقيات الصالحات قيل وما هي يا رسول الله ؟ قال : التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد ولا حول ولا قوة إلا بالله " وأخرج الطبراني . وابن شاهين في «الترغيب » . وابن مردويه عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله هن الباقيات الصالحات وهن يحططن الخطايا كما تحط الشجرة ورقها وهن من كنوز الجنة " وجاء تفسيرها بما ذكر في غير ذلك من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخرج ابن المنذر . وابن أبي شيبة عن ابن عباس تفسيرها بما ذكر أيضاً لكن بدون الذكر الأخير .
وأخرج ابن أبي حاتم . وابن المنذر في رواية أخرى عنه تفسيرها بالصلوات الخمس ، وأخرج ابن مردويه وابن المنذر . وابن أبي حاتم في رواية أخرى عنه أيضاً تفسيرها بجميع أعمال الحسنات ، وفي معناه ما أخرجه ابن أبي حاتم . وابن مردويه عن قتادة أنها كل ما أريد به وجه الله تعالى ، وعن الحسن . وابن عطاى أنها النيات الصالحة ؛ واختار الطبري . وغيهر ما في الرواية الأخيرة عن ابن عباس ويندرج فيها ما جاء في ما ذكر من الروايات وغيرها .
وادعى الخفاجي أن كل ما ذكر في تفسيرها غير العام ذكر على طريق التمثيل ، ويبعد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم وهن الباقيات المفيد للحصر بعد التنصيص على ما لا عموم فيه فتأمل ، وأياً ما كان فالباقيات صفة لمقدر كالكلمات أو الأعمال وإسناد الباقيات إلى ذلك مجاز أي الباقي ثمرتها وثوابها بقرينة ما بعد فهي صفة جرت على غير ما هي له بحسب الأصل أو هناك مقدر مرفوع بالوصف مضاف إلى ضمير الموصوف استتر الضمير المجرور وارتفع بعد حذفه وكذا تدخل أعمال فقراء المؤمنين الذي يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه دخولاً أولياً فإن لهم من كل نوع من أنواع الخيرات الحظ الأوفر ، والكلام متضمن للتنويه بشأنهم وحط قدر شانئهم فكأنه قيل ما افتخر به أولئك الكفرة من المال والبنين سريع الزوال لا ينبغي أن يفتخر به وما جاء به أولئك المؤمنين { خَيْرٌ } من ذلك { عِندَ رَبّكَ } أي في الآخرة ، وهو بيان لما يظهر فيه آثار خيريتها بمنزلة إضافة الزينة إلى الحياة الدنيا لا لأفضليتها من المال والبنبن مع مشاركة الكل في الأصل إذ لا مشاركة لهما في الخيرية في الآخرة ، وقيل : معنى عند ربك في حكمه سبحانه وتعالى : { ثَوَاباً } جزاء وأجراً ، وقيل : نفعاً .
{ وَخَيْرٌ أَمَلاً } حيث ينال بها صاحبها في الآخرة ما يؤمله بها في الدنيا وأما المال والبنون فليس لصاحبهما ذلك ، وتكرير { خَيْرٌ } للمبالغة ، وقيل : لها وللإشعار باختلاف جهتي الخيرية .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ والباقيات الصالحات } [ الكهف : 46 ] قيل هي المحبة الدائمة والمعرفة الكاملة والأنس بالله تعالى والإخلاص في توحيده سبحانه والانفراد به جل وعلا عن غيره فهي باقية للمتصف بها وصالحة لا إعوجاج فيها وهي خير المنازل ، وقد تفسر بما يعمها وغيرها من الأعمال الخالصة والنيات الصادقة