مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا} (65)

أما قوله : { رب السماوات والأرض وما بينهما } فالمراد أن من يكون ربا لها أجمع لا يجوز عليه النسيان إذ لا بد من أن يمسكها حالا بعد حال وإلا بطل الأمر فيهما وفيمن يتصرف فيهما ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد خلق الله تعالى ، لأن فعل العبد حاصل بين السماء والأرض . والآية دالة على أنه رب لكل شيء حصل بينهما ، قال صاحب «الكشاف » : رب السماوات والأرض بدل من ربك ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو رب السماوات والأرض فاعبده واصطبر لعبادته فهو أمر للرسول صلى الله عليه وسلم بالعبادة والمصابرة على مشاق التكاليف في الأداء والإبلاغ وفيما يخصه من العبادة فإن قيل لم لم يقل واصطبر على عبادته بل قال واصطبر لعبادته قلنا : لأن العبادة جعلت بمنزلة القرن في قولك للمحارب اصطبر لقرنك أي اثبت له فيما يورد عليك من شداته . والمعنى أن العبادة تورد عليك شدائد ومشاق فاثبت لها ولا تهن ولا يضق صدرك من إلقاء أهل الكتاب إليك الأغاليط عن احتباس الوحي عنك مدة وشماتة المشركين بك ، أما قوله تعالى : { هل تعلم له سميا } فالظاهر يدل على أنه تعالى جعل علة الأمر بالعبادة والأمر بالمصابرة عليها أنه لا سمي له ، والأقرب هو كونه منعما بأصول النعم وفروعها وهي خلق الأجسام والحياة والعقل وغيرها فإنه لا يقدر على ذلك أحد سواه سبحانه ، فإذا كان هو قد أنعم عليك بغاية الإنعام وجب أن تعظمه بغاية التعظيم وهي العبادة ، ومن الناس من قال : المراد أنه سبحانه ليس له شريك في اسمه وبينوا ذلك من وجهين : الأول : أنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله على الوثن فما أطلقوا لفظ الله على شيء سواه وعن ابن عباس رضي الله عنهما لا يسمى بالرحمن غيره . الثاني : هل تعلم من سمى باسمه على الحق دون الباطل ؟ لأن التسمية على الباطل في كونها غير معتد بها كلا تسمية ، والقول الأول هو الصواب ، والله أعلم .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا} (65)

سميّا : شبيها أو مثيلا .

فهو سبحانه الخالقُ المالكُ لهذا الكون كلّه والمدبر لشؤونه والمستحقّ وحده للعبادة ، فاعبُده أيها الرسول ومن معك واصطبرْ وثابر على عبادته ، هل تعلم له شبيها ؟ { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير } ( الشورى )

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا} (65)

وقوله تعالى : { رَبّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا } بيان لاستحالة النسيان عليه تعالى فإن من بيده ملكوت السموات والأرض وما بينهما كيف يتصور أن يحوم حول ساحة عظمته وجلاله الغفلة والنسيان أو ترك وقلاء من اختاره واصطفاه لتبليغ رسالته ، و «رب » خبر مبتدأ محذوف أي هو رب السموات الخ أو بدل من { رَبَّكَ } في قوله تعالى : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } [ مريم : 64 ] والفاء في قوله سبحانه { فاعبده واصطبر لِعِبَادَتِهِ } لترتيب ما بعدها من موجب الأمرين على ما قبلها من كونه تعالى رب السموات والأرض وما بينهما ، وقيل : من كونه تعالى غير تارك له عليه الصلاة والسلام أو غير ناس لأعمال العاملين ، والمعنى فحين عرفته تعالى بما ذكر من الربوبية الكاملة فاعبده الخ فإن إيجاب معرفته سبحانه كذلك لعبادته مما لا ريب فيه أو حين عرفت أنه عز وجل لا ينساك أو لا ينسى أعمال العاملين فأقبل على عبادته واصطبر على مشاقها ولا تحزن بإبطاء الوحي وكلام الكفرة فإنه سبحانه يراقبك ويراعيك ويلطف بك في الدنيا والآخرة .

وجوز أبو البقاء أن يكون { رَبّ السموات } مبتدأ والخبر { فاعبده } والفاء زائدة على رأي الأخفش وهو كما ترى .

وجوز الزمخشري أن يكون قوله تعالى : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } [ مريم : 64 ] من تتمة كلام المتقين على تقدير أن يكون { رَبّ } خبر مبتدأ محذوف ولم يجوز ذلك على تقدير الابدال لأنه لا يظهر حينئذ ترتب قوله سبحانه : { فاعبده } الخ عليه لأنه من كلام الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في الدنيا بلا شك ، وجعله جواب شرط محذوف على تقدير ولما عرفت أحوال أهل الجنة وأقوالهم فأقبل على العمل لا يلائم كما في الكشف فصاحة التنزيل للعدول عن السبب الظاهر إلى الخفي ، وتعدية الاصطبار باللام مع أن المعروف تعديته بعلى كما في قوله تعالى : { واصطبر عليها } [ طه : 132 ] لتضمنه معنى الثبات للعبادة فيما تورد عليه من الشدائد والمشاق كقولك للمبارز : اصطبر لقرنك أي أثبت له فيما يورد عليك من شداته ، وفيه إشارة إلى ما يكابد من المجاهدة وأن المستقيم من ثبت لذلك ولم يتزلزل وشمة من معنى رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر .

{ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } أي مثلا كما جاء في رواية جماعة عن ابن عباس . ومجاهد . وابن جبير . وقتادة وأصله الشريك في الاسم ، وإطلاقه على ذلك لأن الشركة في الاسم تقتضي المماثلة ، وقال ابن عطية : السمى على هذا بمعنى المسامى والمضاهي ، وأبقاه بعضهم على الأصل ، واستظهر أن يراد ههنا الشريك في اسم خاص قد عبر عنه تعالى بذلك وهو رب السموات والأرض ، وقيل : المراد هو الشريك في الاسم الجليل فإن المشركين مع غلوهم في المكابرة لم يسموا الصنم بالجلالة أصلا ، وقيل : المراد هو الشريك فيما يختص به تعالى كالاسم الجليل والرحمن ، ونقل ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضاً ؛ وقيل : هو الشريك في اسم الاله ، والمراد بالتسمية التسمية على الحق وأما التسمية على الباطل فهي كلا تسمية ، وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن ذلك قال : السمى الولد وأنشد له قول الشاعر :

أما السمى فأنت منه مكثر *** والمال مال يغتدي ويروح

وروي ذلك أيضاً عن الضحاك ، وأياً ما كان فالمراد بإنكار العلم ونفيه إنكار المعلوم ونفيه على أبلغ وجه وآكده ، والجملة تقرير لوجوب عبادته عز وجل وإن اختلف الاعتبار حسب اختلاف الأقوال فتدبر .

وقرأ الاخوان . وهشام . وعلي بن نصر . وهارون كلاهما عن أبي عمرو . والحسن . والأعمش والأعمش وعيسى . وابن محيصن { هتعلم } بإدغام اللام في التاء وهو على ما قال أبو عبيدة لغة كالإظهار وأنشدوا لذلك قول مزاحم العقيلي :

فذرذا ولكن هتعين متيما *** على ضوء برق آخر الليل ناصب

ومن باب الإشارة { رَبّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فاعبده واصطبر لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } [ مريم : 65 ] مثلا يلتفت إليه ويطلب منه شيء ، وقال الحسين بن الفضل : هل يستحق أحد أن يسمى باسم من أسمائه تعالى على الحقيقة