ثم إنه سبحانه بين أنهما لما أكلا بدت لهما سوآتهما ، قال ابن عباس : عريا من النور الذي كان الله ألبسهما حتى بدت فروجهما وإنما جمع فقيل سوآتهما كما قال : { صغت قلوبكما } فإن قيل : هل كان ظهور سوآتهما كالجزاء على معصيتهما ، قلنا : لا شك أن ذلك كالمعلق على ذلك الأكل ، لكن يحتمل أن لا يكون عقابا عليه ، بل إنما ترتب عليه لمصلحة أخرى أما قوله : { وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } ففيه أبحاث :
البحث الأول : قال صاحب «الكشاف » : طفق يفعل كذا مثل جعل يفعل وأخذ وأنشأ وحكمها حكم كاد في وقوع الخبر فعلا مضارعا وبينها وبينه مسافة قصيرة ، وهي للشروع في أول الأمر ، وكاد لمقاربته والدنو منه .
البحث الثاني : قرى يخصفان للتكثير والتكرير من خصف النعل ، وهو أن يخرز عليها الخصاف أي يلزقان الورقة على سوآتهما للستر وهو ورق التين ، أما قوله : { وعصى آدم ربه فغوى } فمن الناس من تمسك بهذا في صدور الكبيرة عنه من وجهين : الأول : أن العاصي اسم للذم فلا ينطلق إلا على صاحب الكبيرة لقوله تعالى : { ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها } ولا معنى لصاحب الكبيرة إلا من فعل فعلا يعاقب عليه .
والوجه الثاني : أن الغواية والضلالة اسمان مترادفان والغي ضد الرشد ومثل هذا الإسم لا يتناول إلا الفاسق المنهمك في فسقه . أجاب قوم عن الكلام الأول فقالوا : المعصية مخالفة الأمر ، والأمر قد يكون بالواجب والندب فإنهم يقولون : أشرت عليه في أمر ولده في كذا فعصاني ، وأمرته بشرب الدواء فعصاني ، وإذا كان الأمر كذلك لم يمتنع إطلاق اسم العصيان على آدم لا لكونه تاركا للواجب بل لكونه تاركا للمندوب ، فأجاب المستدل عن هذا الاعتراض بأنا بينا أن ظاهر القرآن يدل على أن العاصي مستحق للعقاب والعرف يدل على أنه اسم ذم فوجب تخصيص اسم العاصي بتارك الواجب ، ولأنه لو كان تارك المندوب عاصيا لوجب وصف الأنبياء بأسرهم بأنهم عصاة في كل حال لأنهم لا ينفكون من ترك المندوب ، فإن قيل : وصف تارك المندوب بأنه عاص مجاز والمجاز لا يطرد ، قلنا : لما سلمت كونه مجازا فالأصل عدمه ، أما قوله : أشرت عليه في أمر ولده في كذا فعصاني وأمرته بشرب الدواء فعصاني قلنا : لا نسلم أن هذا الاستعمال مروي عن العرب ، ولئن سلمنا ذلك ولكنهم إنما يطلقون ذلك إذا جزموا على المستشير بأنه لا بد وأن يفعل ذلك الفعل وأنه لا يجوز الإخلال بذلك الفعل وحينئذ يكون معنى الإيجاب حاصلا وإن لم يكن الوجوب حاصلا ، وذلك يدل على أن لفظ العصيان لا يجوز إطلاقه إلا عند تحقق الإيجاب ، لكنا أجمعنا على أن الإيجاب من الله تعالى يقتضي الوجوب ، فيلزم أن يكون إطلاق لفظ العصيان على آدم عليه السلام إنما كان لكونه تاركا للواجب ، ومن الناس من سلم أن الآية تدل على صدور المعصية منه لكنه زعم أن المعصية كانت من الصغائر لا من الكبائر ، وهذا قول عامة المعتزلة وهو أيضا ضعيف ، لأنا بينا أن اسم العاصي اسم للذم ، ولأن ظاهر القرآن يدل على أنه يستحق العقاب وذلك لا يليق بالصغيرة ، وأجاب أبو مسلم الأصفهاني بأنه عصى في مصالح الدنيا لا فيما يتصل بالتكاليف وكذلك القول في غوى ، وهذا أيضا بعيد لأن مصالح الدنيا تكون مباحة ، ومن يفعلها لا يوصف بالعصيان الذي هو اسم للذم ولا يقال : ( فدلاهما بغرور ) وأما التمسك بقوله تعالى : { فغوى } فأجابوا عنه من وجوه : أحدها : أنه خاب من نعيم الجنة وذلك لأنه لما أكل من تلك الشجرة ليصير ملكه دائما ثم لما أكل زال فلما خاب سعيه وما نجح قيل إنه غوى ، وتحقيقه أن الغي ضد الرشد ، والرشد هو أن يتوصل بشيء إلى شيء يوصل إلى المقصود فمن توصل بشيء إلى شيء فحصل له ضد مقصوده كان ذلك غيا . وثانيها : قال بعضهم : غوى أي بشم من كثرة الأكل . قال صاحب «الكشاف » : هذا وإن صح على لغة من يقلب الياء المكسورة ما قبلها ألفا ، فيقول في فنى وبقى فنا وبقا ، وهم بنو طيء فهو تفسير خبيث ، واعلم أن الأولى عندي في هذا الباب والأحسم للشغب أن يقال : هذه الواقعة كانت قبل النبوة وقد شرحنا ذلك في سورة البقرة .
وههنا بحث لا بد منه وهو أن ظاهر القرآن وإن دل على أن آدم عصى وغوى لكن ليس لأحد أن يقول : إن آدم كان عاصيا غاويا ، ويدل على صحة قولنا أمور : أحدها : قال العتبي : يقال لرجل قطع ثوبا وخاطه قد قطعه وخاطه ، ولا يقال : خائط ولا خياط حتى يكون معاودا لذلك الفعل معروفا به ، ومعلوم أن هذه الزلة لم تصدر عن آدم عليه السلام إلا مرة واحدة فوجب أن لا يجوز إطلاق هذا الاسم عليه . وثانيها : أن على تقدير أن تكون هذه الواقعة إنما وقعت قبل النبوة ، لم يجز بعد أن قبل الله توبته وشرفه بالرسالة والنبوة ، إطلاق هذا الاسم عليه كما لا يقال لمن أسلم بعد الكفر إنه كافر بمعنى أنه كان كافرا ، بل وبتقدير أن يقال : هذه الواقعة وقعت بعد النبوة لم يجز أيضا أن يقال ذلك لأنه عليه السلام تاب عنها ، كما أن الرجل المسلم إذا شرب الخمر أو زنى ثم تاب وحسنت توبته لا يقال له بعد ذلك إنه شارب خمر أو زان فكذا ههنا . وثالثها : أن قولنا : عاص وغاو يوهم كونه عاصيا في أكثر الأشياء وغاويا عن معرفة الله تعالى ولم ترد هاتان اللفظتان في القرآن مطلقتين بل مقرونتين بالقصة التي عصى فيها فكأنه قال : عصى في كيت وكيت وذلك لا يوهم التوهم الباطل الذي ذكرناه . ورابعها : أنه يجوز من الله تعالى ما لا يجوز من غيره ، كما يجوز للسيد في عبيده وولده عند معصيته من إطلاق القول ما لا يجوز لغير السيد في عبده وولده ،
طفقا يخصفان : شرعا يلزقان ورق الجنة .
فنسي آدم العهد وأكل هو وزوجته ، وخالفا أمر ربهما ، فظهرت لهما عوراتُهما جزاء مخالفتهما الأوامر الربانية ، وصارا يقطعان من ورقِ شجر الجنّة ، ويستران بها ما بدا منهما .
{ وعصى ءَادَمُ رَبَّهُ فغوى } .
خالف آدم أمر ربه ، فحُرِم الخلد ، وأفسد على نفسه تلك الحياة الهنيئة التي كان يعيشها .
{ فَأَكَلاَ } أي هو وزوجته { مِنْهَا } أي من الشجرة التي سماها اللعين شجرة الخلد { فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءتُهُمَا } قال ابن عباس رضي الله عنهما : عريا عن النور الذي كان الله تعالى ألبسهما حتى بدت فروجهما ، وفي رواية أخرى عنه أنه كان لباسهما الظفر أصابا الخطيئة نزع عنهما وتركت هذه البقايا في أطراف الأصابع والله تعالى أعلم بصحة ذلك ، ثم إن ما ذكر يحتمل أن يكون عقوبة للأكل ويحتمل أن يكون مرتباً عليه لمصلحة أخرى { وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة } قد مر تفسيره .
{ وعصى ءادَمُ رَبَّهُ } بما ذكر من أكل الشجرة { فغوى } ضل عن مطلوبه الذي هو الخلود أو عن المطلوب منه وهو ترك الأكل من الشجرة أو عن الرشد حيث اغتر بقول العدو ، وقيل : غوى أي فسد عليه عيشه . ومنه يقال : الغواء لسوء الرضاع . وقرئ { فغوى } بفتح الغين وكسر الواو وفتح الياء أي فبشم من كثرة الأكل من غوى الفصيل إذا اتخم من اللبن وبه فسرت القراءة الأخرى ، وتعقب ذلك الزمخشري : فقال وهذا وان صح على لغة من يقلب الياء المكسوء ما قبلها ألفا فيقول في فنى وبقى فنا وبقا بالألف وهم بنو طيء تفسير خبيث ، وظاهر الآية يدل على أن ما وقع من الكبائر وهو المفهوم من كلام الإمام فإن كان صدوره بعد البعثة تعمداً من غير نسيان ولا تأويل أشكل على ما اتفق عليه المحققون والأئمة المتقنون من وجوب عصمة الأنبياء عليهم السلام بعد البعثة عن صدور مثل ذلك منهم على ذلك الوجه ، ولا يكاد يقول بذلك إلا الأزارقة من الخوارج فإنهم عليهم ما يستحقون جوزوا الكفر عليهم وحاشاهم فما دونه أولى بالتجويز ، وإن كان صدوره قبل البعثة كام قال به جمع وقال الإمام : إنه مذهبنا فإن كان تعمداً أشكل على قول أكثر المعتزلة والشيعة بعصمتهم عليهم السلام عن صدور مثل ذلك تعمداً قبل البعثة أيضاً .
نعم لا اشكال فيه على ما قاله القاضي أبو بكر من أنه لا يمتنع عقلاً ولا سمعاً أن يصدر من النبي عليه السلام قبل نبوته معصية مطلقاً بل لا يمتنع عقلاً إرسال من أسلم بعد كفره ، ووافقه على ذلك كما قال الآمدي في أباكر الأفكار أكثر الأصحاب وكثير من المعتزلة وإن كان سهواً كما يدل عليه قوله تعالى : { فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } [ طه : 115 ] بناء على أحد القولين فيه اشكل على ما نقل عن الشيعة من منع صدور الكبيرة سهواً قبل البعثة أيضاً ، ولا إشكال فيه على ما سمعت عن القاضي أبي بكر ، وإن كان بعد البعثة سهواً أشكل أيضاً عند بعض دون بعض ، فقد قال عضد الملة في المواقف ان الأكثرين جوزوا صدور الكبيرة يعني ما عدا الكفر والكذب فيما دلت المعجزة على صدقهم عليهم السلام فيه سهواً وعلى سبيل الخطأ منهم ، وقال العلامة الشريف المختار : خلافه ، وذهب كثير إلى أن ما وقع صغيرة والأمر عليه هين فإن الصغائر الغير المشعرة بالخسة يجوز على ما ذكره العلامة الثاني في شرح العقائد صدورها منهم عليهم السلام عمداً بعد البعثة عند الجمهور خلافاً للجبائي وأتباعه ويجوز صدورها سهواً بالاتفاق لكن المحققون اشترطوا أن ينبهوا على ذلك فينتهوا عنه .
نعم ذكر في «شرح المقاصد » عصمتهم عن صدور ذلك عمداً . والأحوط نظراً إلى مقام عليهم السلام أن يقال : إن صدور ما ذكر منه كان قبل النبوة وكان سهواً أو عن تأويل إلا أنه عظم الأمر عليه وعظم لديه نظراً إلى علو شأنه ومزيد فضل الله تعالى عليه ، وإحسانه وقد شاع حسنات الأبرار سيآت المقربين ، ومما يدل على استعظام ذلك منه لعلو شأنه عليه السلام ما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي عبد الله المغربي قال : تفكر إبراهيم في شأن آدم عليهما السلام فقال : يا رب خلقته بيدك ونفخت فيه من روحك وأسجدت له ملائكتك ثم بذنب واحد ملأت أفواه الناس من ذكر معصيته فأوحى الله تعالى إليه يا إبراهيم أما علمت أن مخالفة الحبيب على الحبيب شديدة .
وذكر بعضهم أن في استعظام ذلك منه عليه الملام زجراً بليغاً لأولاده عن أمثاله ، وعلى العلات لا ينبغي لأحد أن ينسب إليه العصيان اليوم وأن يخبر بذلك إلا أن يكون تالياً لما تضمن ذلك أو راوياً له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما أن يكون مبتدئاً من قبل نفسه فلا ، وقد صرح القاضي أبو بكر بن العربي بعدم جواز نسبة العصيان للآباء الأدنين إلينا المماثلين لنا فكيف يجوز نسبته للأنبياء الاقدام والنبي المقدم الأكرم ، وارتضى ذلك القرطبي وادعى أن ابتداء الأخبار بشيء من صفات الله تعالى المتشابهة كاليد والأصبع والنزول أولى بالمنع وعدم الجواز ، ثم إن ما وقع كان في الحقيقة بمحض قضاء الله تعالى وقدره ، وإلا فقد روي عن أبي إمامة الباهلي . والحسن أن عقله عليه السلام مثل عقل جميع ولده وعداوة إبليس عليه اللعنة له عليه السلام في غاية الظهور ، وفي ذلك دليل على أنه لا ينفع عقل ولا يغني شيء في جنب تقدير الله تعالى وقضائه