مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّآ أَهۡلَكۡنَٰهُم بِعَذَابٖ مِّن قَبۡلِهِۦ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوۡلَآ أَرۡسَلۡتَ إِلَيۡنَا رَسُولٗا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ مِن قَبۡلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخۡزَىٰ} (134)

ثم بين أنه تعالى أزاح لهم كل عذر وعلة في التكليف ، فقال : { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا } والمراد كان لهم أن يقولوا ذلك فيكون عذرا لهم ، فأما الآن وقد أرسلناك وبينا على لسانك لهم ما عليهم وما لهم فلا حجة لهم ألبتة بل الحجة عليهم . ومعنى : { من قبله } يحتمل من قبل إرساله ويحتمل من قبل ما أظهره من البينات فإن قيل فما معنى قوله : { ولو أنا أهلكناهم . . . لقالوا } والهالك لا يصح أن يقول قلنا المعنى لكان لهم أن يقولوا ذلك يوم القيامة ولذلك قال : { من قبل أن نذل ونخزى } وذلك لا يليق إلا بعذاب الآخرة ، روي أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال عليه السلام : " يحتج على الله تعالى يوم القيامة ثلاثة : الهالك في الفترة يقول لم يأتني رسول وإلا كنت أطوع خلقك لك . " وتلا قوله : { لولا أرسلت إلينا رسولا } والمغلوب على عقله يقول لم تجعل لي عقلا أنتفع به ، ويقول الصبي : كنت صغيرا لا أعقل فترفع لهم نار ، ويقال لهم : ادخلوها فيدخلها من كان في علم الله تعالى أنه شقي ويبقى من في علمه أنه سعيد ، فيقول الله تعالى لهم : «عصيتم اليوم فكيف برسلي لو أتوكم » والقاضي طعن في الخبر وقال : لا يحسن العقاب على من لا يعقل ، واعلم أن في هذه الآية مسائل :

المسألة الأولى : قال الجبائي : هذه الآية تدل على وجوب فعل اللطف إذ المراد أنه يجب أن يفعل بالمكلفين ما يؤمنون عنده ولو لم يفعل لكان لهم أن يقولوا هلا فعلت ذلك بنا لنؤمن ؟ وهلا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ؟ وإن كان المعلوم أنهم لا يؤمنون ولو بعث إليهم الرسول لم يكن في ذلك حجة ، فصح أنه إنما يكون حجة لهم إذا كان في المعلوم أنهم يؤمنون عنده إذا أطاعوه .

المسألة الثانية : قال الكعبي قوله : { لولا أرسلت إلينا رسولا } أوضح دليل على أنه تعالى يقبل الاحتجاج من عباده ، وأنه ليس قوله : { لا يسأل عما يفعل } كما ظنه أهل الجبر من أن ما هو جور منا يكون عدلا منه بل تأويله : أنه لا يقع منه إلا العدل فإذا ثبت أنه تعالى يقبل الحجة فلو لم يكونوا قادرين على ما أمروا به لكان لهم فيه أعظم حجة .

المسألة الثالثة : قال أصحابنا : الآية تدل على أن الوجوب لا يتحقق إلا بالشرع إذ لو تحقق العقاب قبل مجيء الشرع لكان العقاب حاصلا قبل مجيء الشرع .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّآ أَهۡلَكۡنَٰهُم بِعَذَابٖ مِّن قَبۡلِهِۦ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوۡلَآ أَرۡسَلۡتَ إِلَيۡنَا رَسُولٗا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ مِن قَبۡلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخۡزَىٰ} (134)

نخزَى : نفتضح .

ولو أهلكنا هؤلاء المكذِّبين قبل أن ننزل عليهم القرآن على يد رسول كريم لقالوا : ربّنا ، هلاّ أرسلت إلينا رسولا قبل أن تهلكنا حتى نؤمن به ونتبعه ، من قبل أن ينزل بنا العذابُ والخزي في الآخرة ؟ ! ولكن الله بإرساله النبي الكريم قطع جميع حججهم وأعذارهم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّآ أَهۡلَكۡنَٰهُم بِعَذَابٖ مِّن قَبۡلِهِۦ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوۡلَآ أَرۡسَلۡتَ إِلَيۡنَا رَسُولٗا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ مِن قَبۡلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخۡزَىٰ} (134)

{ وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ } إلى آخر الآية جملة مستأنفة لتقرير ما قبلها من كون القرآن آية بينة لا يمكن إنكارها ببيان أنهم يعترفون بها يوم القيامة ، والمعنى ولو أنا أهلكناهم في الدنيا بعذاب مستأصل { مِن قَبْلِهِ } متعلق بأهلكنا أو بمحذوف هو صفة لعذاب أي بعذاب كائن من قبله ، والضمير للبينة والتذكير باعتبار أنها برهان ودليل أو للإتيان المفهوم من الفعل أي من قبل إرسال محمد صلى الله عليه وسلم { لَقَالُواْ } أي يوم القيامة { رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ } في الدنيا { إِلَيْنَا رَسُولاً } مع آيات { فَنَتَّبِعَ ءاياتك } التي جاءنا بها { مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ } بالعذاب في الدنيا { ونخزى } بدخول النار اليوم ، وقال أبو حيان : الذل والخزي كلاهما بعذاب الآخرة . ونقل تفسير الذل بالهوان والخزي بالافتضاح والمراد أنا لو أهلكناهم قبل ذلك لقالوا ولكنا لم نهلكهم قبله فانقطعت معذرتهم فعند ذلك { قَالُواْ بلى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله مِن شيء } [ الملك : 9 ] .

وقرأ ابن عباس . ومحمد بن الحنفية . وزيد بن علي . والحسن في رواية عباد . والعمري . وداود والفزاري . وأبو حاتم . ويعقوب { نَّذِلَّ } بالناء للمفعول ، واستدل الأشاعرة بالآية على أن الوجوب لا يتحقق إلا بالشرع والجبائي على وجوب اللطف عليه عز وجل وفيه نظر .