ثم إنه تعالى لما أخبر نبيه بأنه لا يهلك أحدا قبل استيفاء أجله أمره بالصبر على ما يقولون ولا شبهة في أن المراد أن يصبر على ما يكرهه من أقوالهم ، فيحتمل أن يكون ذلك قول بعضهم : إنه ساحر أو مجنون أو شاعر إلى غير ذلك ، ويحتمل أن يكون المراد تكذيبهم له فيما يدعيه من النبوة ، ويحتمل أيضا تركهم القبول منه لأن كل ذلك مما يغمه ويؤذيه فرغبه تعالى في الصبر وبعثه على الإدامة على الدعاء إلى الله تعالى وإبلاغ ما حمل من الرسالة وأن لا يكون ما يقدمون عليه صارفا له عن ذلك ، ثم قال الكلبي ومقاتل : هذه الآية منسوخة بآية القتال ، ثم قال : { وسبح بحمد ربك } وهو نظير قوله : { واستعينوا بالصبر والصلاة } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : { بحمد ربك } في موضع الحال وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه .
المسألة الثانية : إنما أمر عقيب الصبر بالتسبيح لأن ذكر الله تعالى يفيد السلوة والراحة إذ لا راحة للمؤمنين دون لقاء الله تعالى .
المسألة الثالثة : اختلفوا في التسبيح على وجهين ، فالأكثرون على أن المراد منه الصلاة وهؤلاء اختلفوا على ثلاثة أوجه . أحدها : أن الآية تدل على أن الصلوات الخمس لا أزيد ولا أنقص ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : دخلت الصلوات الخمس فيه ، فقبل طلوع الشمس هو صلاة الفجر ، وقبل غروبها هو الظهر والعصر لأنهما جميعا قبل الغروب ، ومن آناء الليل فسبح المغرب والعشاء الأخيرة ويكون قوله : { وأطراف النهار } كالتوكيد للصلاتين الواقعتين في طرفي النهار وهما صلاة الفجر وصلاة المغرب كما اختصت في قوله : { والصلاة الوسطى } بالتوكيد . القول الثاني : أن الآية تدل على الصلوات الخمس وزيادة ، أما دلالتها على الصلوات الخمس فلأن الزمان إما أن يكون قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها ، فالليل والنهار داخلان في هاتين العبارتين ، فأوقات الصلوات الواجبة دخلت فيهما ، بقي قوله : { ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى } وأطراف النهار للنوافل . القول الثالث : أنها تدل على أقل من الخمس ، فقوله : قبل طلوع الشمس للفجر ، وقبل غروبها للعصر ، ومن آناء الليل للمغرب والعتمة ، فيبقى الظهر خارجا . والقول الأول أقوى وبالاعتبار أولى . هذا كله إذا حملنا التسبيح على الصلاة ، قال أبو مسلم : لا يبعد حمله على التنزيه والإجلال ، والمعنى اشتغل بتنزيه الله تعالى في هذه الأوقات ، وهذا القول أقرب إلى الظاهر وإلى ما تقدم ذكره ، وذلك لأنه تعالى صبره أولا على ما يقولون من تكذيبه ومن إظهار الشرك والكفر ، والذي يليق بذلك أن يأمر بتنزيهه تعالى عن قولهم حتى يكون دائما مظهرا لذلك وداعيا إليه فلذلك قال ما يجمع كل الأوقات .
المسألة الرابعة : أفضل الذكر ما كان بالليل لأن الجمعية فيه أكثر . وذلك لسكون الناس وهدأ حركاتهم وتعطيل الحواس عن الحركات وعن الأعمال ، ولذلك قال سبحانه وتعالى : { إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا } وقال : { أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة } ولأن الليل وقت السكون والراحة . فإذا صرف إلى العبادة كانت على الأنفس أشق وللبدن أتعب فكانت أدخل في استحقاق الأجر والفضل .
المسألة الخامسة : لقائل أن يقول : النهار له طرفان فكيف قال : { وأطراف النهار } بل الأولى أن يقول كما قال : { وأقم الصلاة طرفي النهار } ، وجوابه من الناس من قال أقل الجمع اثنان فسقط السؤال ، ومنهم من قال : إنما جمع لأنه يتكرر في كل نهار ويعود ، أما قوله تعالى : { لعلك ترضى } ففيه وجوه . أحدها : أن هذا كما يقول الملك الكبير : يا فلان اشتغل بالخدمة فلعلك تنتفع به ويكون المراد إني أوصلك إلى درجة عالية في النعمة ، وهو إشارة إلى قوله : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } وقوله : { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } ، وثانيها : لعلك ترضى ما تنال من الثواب . وثالثها : لعلك ترضى ما تنال من الشفاعة . وقرأ الكسائي وعاصم : { لعلك ترضى } بضم التاء والمعنى لا يختلف لأن الله تعالى إذا أرضاه فقد رضيه وإذا رضيه فقد أرضاه .
آناء الليل : ساعاته . مفردها إنْيٌ ، وإنو ، بكسر الهمزة وسكون النون . وأنى بفتح الهمزة والنون مقصورةً مثل على . وإنَى بكسر الهمزة وفتح النون مثل إلى .
فاصبر أيها الرسول ، على ما يقولون من كفرٍ واستهزاء ، واتّجه إلى ربك وسبح بحمده قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ، ونزهْه واعبدْه في ساعات الليل ، وفي أطراف النهار . { لَعَلَّكَ ترضى } فتطمئنَّ الى ما أنتَ عليه .
قرأ أبو بكر والكسائي : « لعلك تُرضى » بضم التاء . والباقون : لعلك ترضى » بفتح التاء .
{ فاصبر على مَا يَقُولُونَ } أي إذا كان الأمر على ما ذكر من أن تأخير عذابهم ليس بإهمال بل إمهال وأنه لازم لهم البتة { فاصبر على مَا يَقُولُونَ } من كلمات الكفر فإن علمه صلى الله عليه وسلم بأنهم معذبون لا محالة مما يليه ويحمله على الصبر ، والمراد به عدم الاضطراب لا ترك القتال حتى تكون الآية منسوخة { وَسَبّحْ } ملتبساً { بِحَمْدِ رَبّكَ } أي صل وأنت حامد لربك عز وجل الذي يبلغك إلى كمالك على هدايته وتوفيقه سبحانه { قَبْلَ طُلُوعِ الشمس } أي صلاة الفجر { وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } أي صلاة المغرب ، والظاهر أن الظرف متعلق بسبح .
وقد أخرج «تفسير التسبيح » في هذين الوقتين بما ذكر الطبراني . وابن عساكر . وابن مردويه عن جرير مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وأخرج الحاكم عن فضالة بن وهب الليثي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له : " حافظ على العصرين قلت : وما العصران ؟ قال : صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " ، وقيل : المراد بالتسبيح قبل غروبا صلاتا الظهر والعصر لأن وقت كل منهما قبل غروبها وبعد زوالها وجمعهما لمناسبة قوله تعالى : { قَبْلَ طُلُوعِ الشمس } ، وأنت تعلم أن قبل الغروب وإن كان باعتبار معناه اللغوي صادقاً على وقت الظهر ووقت العصر إلا أن الاستعمال الشائع فيه وقت العصر ، وقوله تعالى : { وَمِنْ ءانَاء الليل } أي من ساعاته جمع إني وأنو بالياء والواو وكسر الهمزة وإنا بالكسر والقصر و { ءانَاء } بالفتح والمد ولم يشتهر اشتهار الثلاثة الأول ، وذكره من يوثق به من المفسرين ، وقال الراغب في مفرداته : قال الله تعالى : { غَيْرَ ناظرين إناه } [ الأحزاب : 53 ] أي وقته ، والاناه إذا كسر أوله قصر وإذا فتح مد نحو قول الحطيئة :
وآنيت العشاء إلى سهيل *** أو الشعري فطار بي الاناء
ثم قال : ويقال ءانيت الشيء إيناء أي أخرته عن أوانه ويانيت تأخرت اه ، وفي «المصباح » آنيته بالفتح والمد أخرته ، والاسم إناء بوزن سلام قيل منصوب على الظرفية بمضمر ، وقوله سبحانه { فَسَبّحْ } عطف عليه أي قم بعض آناء الليل فسبح وهو كما ترى ، وقيل : منصوب بسبح على نسق { وإياي فارهبون } [ البقرة : 40 ] ، والفاء على الأول عاطفة وعلى الثاني مفسرة ، وقيل : إنه معمول { فَسَبّحْ } ، والفاء زائدة فائدتها الدلالة على لزوم ما بعدها لما قبلها .
وذكر الخفاجي أنه معمول لما ذكر من غير حاجة لدعوى زيادة الفاء لأنها لا تمنع عمل ما بعدها فيما قبلها كما صرح به النحاة ، والمراد من التسبيح في بعض آناء الليل صلاة المغرب وصلاة العشاء وللاعتناء بشأنهما لم يكتف في الأمر بفعلهما بالفعل السابق بأن يعطف { مِنْ ءانَاء الليل } على أحد الظرفين السابقين من غير ذكر فسبح وللاهتمام بشأن ءاناء الليل وأنميازها على سائر الأوقات بأمور خاصية وعامية قدم ذكرها على الأمر ولم يسلك بها مسلك ما تقدم .
وقوله تعالى : { وَأَطْرَافَ النهار } عطف على محل قوله سبحانه : { مِنْ ءانَاء الليل } وقيل : على قوله عز وجل { قَبْلَ طُلُوعِ } والمراد من التسبيح أطراف النهار على ما أخرج ابن جرير . وابن المنذر . وغيرهما عن قتادة صلاة الظهر واختاره الجبائي ، ووجه إطلاق الطرف على وقتها بأنه نهاية النصف الأول من النهار وبداية النصف الأخير منه ، وجمعه باعتبار النصفين أو لأن تعريف النهار للجنس الشامل لكل نهار فيكون الجمع باعتبار تعدد النهار وأن لكل طرفا كذا قيل . وأورد على ذلك أن البداية والنهاية فيه ليست على وتيرة واحدة لأن كون ذلك نهاية باعتبار أن النصف الأول انتهى عنده وهو خارج عنه وبداية باعتبار أن النصف الثاني ابتدأ منه وهو داخل فيه ، ولا شك في بعض كون الجمع بمثل هذا الاعتبار على أنه لا بد مع ذلك من القول بأن أقل الجمع اثنان ، وأيضاً أن إطلاق الطرف على طرف أحد نصفيه تكلف فإنه ليس طرفاً له بل لنصفه .
وقيل : هذا تكرير لصلاتي الصبح والمغرب إيذاناً باختصاصهما بمزيد مزية ، والمراد بالنهار ما بين طلوع الشمس وغروبها وبالطرف ما يلاصق أول الشيء وآخره ، والإتيان بلفظ الجمع مع أن المراد اثنان لا من اللبس إذ النهار ليس له إلا طرفان ، ونظيره قول العجاج :
ومهمهين فدفدين مرتين *** ظهراهما مثل ظهور الترسين
والمرجح المشاكلة لآناء الليل ، واختار هذا من أدخل الظهر فيما قبل الغروب ، وفيه أن الطرف حقيقة فيما ينتهي به الشيء وهو منه ويطلق على أوله وآخره وإطلاقه على الملاصق المذكور ليس بحقيقة ، وأجيب بأنه سائغ شائع وإن لم يكن حقيقة ؛ وجوز أن يكون تكريراً لصلاتي الصبح والعصر ويراد بالنهار ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس وبالطرف الأول ، والآخر بحسب العرف وإذا أريد بالنهار ما بين طلوع الشمس وغروبها يبعد هذا التجويز إذ لا يكون الطرفان حينئذ على وتيرة واحدة ، وقيل : هو أمر بالتطوع في الساعات الأخيرة للنهار وفيه صرف الأمر عن ظاهره مع أن في كون الساعات الأخيرة للنهار زمن تطوع بالصلاة كلاماً لا يخفى على الفقيه .
وقال أبو حيان : الظاهر أن قوله تعالى : { وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } أمر بالتسبيح مقروناً بالحمد وحينئذ إما أن يراد اللفظ أي قل سبحانه الله والحمد لله أو يراد المعنى أي نزهه سبحانه عن السوء وأثن عليه بالجميل .
وفي خبر ذكره ابن عطية «من سبح عند غروب الشمس سبعين تسبيحة غربت بذنوبه » وقال أبو مسلم : لا يبعد حمل ذلك على التنزيه والإجلال ، والمعنى اشتغل بتنزيه الله تعالى في هذه الأوقات وعلى ذلك حمله أيضاً العز بن عبد السلام وجعل الباء في قوله سبحانه : { بِحَمْدِ رَبّكَ } للآلة ، وقال : إن ذلك لتعيين سلب صفات النقص لأن من سلب شيئاً فقد أثبت ضده وأشداد صفات النقص صفات الكمال فمن نزهه سبحانه فقد أثبت صفات الكمال ، وجوز في إضافة الحمد إلى الرب أن تكون من إضافة المصدر إلى الفاعل أو من إضافة المصدر إلى المفعول أو من إضافة الاختصاص بأن يكون الحمد بمعنى المحامد ؛ ثم استحسن الأول لأن الحمد الحق الكامل حمد الله تعالى نفسه ، والمتبادر جعل الباء للملابسة والإضافة من إضافة المصدر إلى المفعول .
واختار الإمام حمل التسبيح على التنزيه من الشرك ، وقال : إنه أقرب إلى الظاهر وإلى ما تقدم ذكره لأنه سبحانه صبره أولاً على ما يقولون من التكذيب وإظهار الكفر والشرك والذي يليق بذلك أن يؤمر بتنزيهه تعالى عن قولهم : حتى يكون مظهراً لذلك وداعياً إليه . واعترض بأنه لا وجه حينئذ لتخصيص هذه الأوقات بالذكر ، وأجيب بأن المراد بذكرها الدلالة على الدوام كما في قوله تعالى : { بالغداة والعشى } [ الأنعام : 52 ] مع أن لبعض الأوقات مزية لأمر لا يعلمه إلا الله تعالى . ورد بأنه يأباه من التبعيضية في قوله سبحانه { مِنْ آناء الليل } على أن هذه الدلالة يكفيها أن يقال : قبل طلوع الشمس وبعده لتناوله الليل والنهار فالزيادة تدل على أن المراد خصوصية الوقت ، ولا يخفى أن قوله سبحانه : { مِنْ آناء الليل } متعلق بسبح الثاني فليكن الأول للتعميم ، والثاني لتخصيص البعض اعتناء به ، نعم يرد أن التنزيه عن الشرك لا معنى لتخصيصه إلا إذا أريد به قول : سبحانه الله مراداً به التنزيه عن الشكر ، وقيل : يجوز أن يكون المراد من الحمد الصلاة والظرف متعلق به فتكون حكمة التخصيص ظاهرة كذا في «الحواشي الشهابية » . وقد عورض ما قاله الإمام بأن الأنسب بالأمر بالصبر الأمر بالصلاة ليكون ذلك إرشاداً لما تصمنه قوله تعالى : { واستعينوا بالصبر والصلاة } [ البقرة : 45 ] وأيضاً الأمر الآتي أوفق بحمل الأمر بالتسبيح على الأمر بالصلاة وقد علمت أن الآثار تقتضي ذلك ثم إنه يجوز أن يراد بالطرف طائفة من الشيء فإنه أحد معانيه كما في «الصحاح » و «القاموس » وإذا كان تعريف النهار للجنس على هذا لم يبق الكلام فيما روى عن قتادة كما كان فتدبر .
{ لَعَلَّكَ ترضى } قيل : هو متعلق بسبح أي سبح في هذه الأوقات رجاء أن تنال عنده تعالى ما ترضى به نفسك من الثواب . واستدل به على عدم الوجوب على الله تعالى ، وجوز أن يكون متعلقاً بالأمر بالصبر والأمر بالصلاة ، والمراد { لَعَلَّكَ ترضى } في الدنيا بحصول الظفر وانتشار أمر الدعوة ونحو ذلك ، وقرأ أبو حيوة . وطلحة . والكسائي . وأبو بكر . وإبان . وعصمة . وأبو عمارة عن حفص . وأبو زيد عن المفضل . وأبو عبيد . ومحمد بن عيسى الأصفهاني { ترضى } على صيغة البناء للمفعول من أرضى أي يرضيك ربك .