قوله تعالى :{ ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى ، وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى . وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ، ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ، قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى }
اعلم أنه تعالى لما صبر رسوله عليه السلام على ما يقولون ، وأمره بأن يعدل إلى التسبيح أتبع ذلك بنهيه عن مد عينيه إلى ما متع به القوم فقال تعالى : { ولا تمدن عينيك } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في قوله : { ولا تمدن عينيك } وجهان : أحدهما : المراد منه نظر العين وهؤلاء قالوا : مد النظر تطويله وأن لا يكاد يرده استحسانا للمنظور إليه إعجابا به كما فعل نظارة قارون حيث قالوا : { يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم } حتى واجههم أولوا العلم والإيمان بقولهم : { ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا } وفيه أن النظر غير الممدود معفو عنه وذلك كما إذا نظر الإنسان إلى شيء مرة ثم غض ، ولما كان النظر إلى الزخارف كالمركوز في الطباع قيل : { ولا تمدن عينيك } أي لا تفعل ما أنت معتاد له . ولقد شدد المتقون في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وعدد الفسقة في اللباس والمركوب وغير ذلك لأنهم اتخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة ، فالناظر إليها محصل لغرضهم وكالمقوى لهم على اتخاذها . القول الثاني : قال أبو مسلم الذي نهى عنه بقوله : { ولا تمدن عينيك } ليس هو النظر ، بل هو الأسف أي لا تأسف على ما فاتك مما نالوه من حظ الدنيا .
المسألة الثانية : قال أبو رافع : «نزل ضيف بالنبي صلى الله عليه وسلم فبعثني إلى يهودي لبيع أو سلف ، فقال : والله لا أفعل ذلك إلا برهن فأخبرته بقوله فأمرني أن أذهب بدرعه إليه فنزل قوله تعالى : { ولا تمدن عينيك } » وقال عليه السلام : " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم " وقال أبو الدرداء : الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له . وعن الحسن : لولا حمق الناس لخربت الدنيا . وعن عيسى ابن مريم عليه السلام قال : لا تتخذوا الدنيا ربا فتتخذكم لها عبيدا ، وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى ما عند السلاطين يتلو هذه الآية ، وقال الصلاة يرحمكم الله ، أما قوله عز وجل : { إلى ما متعنا به } [ أي ] ألذذنا به ، والإمتاع الإلذاذ بما يدرك من المناظر الحسنة ويسمع من الأصوات المطربة ويشم من الروائح الطيبة وغير ذلك من الملابس والمناكح ، يقال أمتعه إمتاعا ومتعه تمتيعا والتفعيل يقتضي التكثير ، أما قوله : { أزواجا منهم } أي أشكالا وأشباها من الكفار وهي من المزاوجة بين الأشياء وهي المشاكلة ، وذلك لأنهم أشكال في الذهاب عن الصواب ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : أصنافا منهم ، وقال الكلبي والزجاج : رجالا منهم ، أما قوله : { زهرة الحياة الدنيا } ففي انتصابه أربعة أوجه .
أحدها : على الذم وهو النصب على الاختصاص أو على تضمين متعنا معنى أعطينا وكونه مفعولا ثانيا له أو على إبداله من محل الجار والمجرور أو على إبداله من أزواجا على تقدير ذوي ، فإن قيل : ما معنى الزهرة فيمن حرك قلنا معنى الزهرة بعينه وهو الزينة والبهجة كما جاء في الجهرة . قرئ : أرنا الله جهرة ، وأن يكون جمع زاهر وصفا لهم بأنهم زهرة هذه الدنيا لصفاء ألوانهم وتهلل وجوههم بخلاف ما عليه الصلحاء من شحوب الألوان والتقشف في الثياب ، أما قوله : { لنفتنهم فيه } فذكروا فيه وجوها . أحدها : لنعذبهم به كقوله : { فلا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا } ، وثانيها : قال ابن عباس رضي الله عنهما : إضلالا مني لهم . وثالثها : قال الكلبي ومقاتل تشديدا في التكليف عليهم لأن الإعراض عن الدنيا عند حضورها والإقبال إلى الله أشد من ذلك عند عدم حضورها ولذلك كان رجوع الفقراء إلى خدمة الله تعالى والتضرع إليه أكثر من تضرع الأغنياء ، ولأن على من أوتي الدنيا ضروبا من التكليف لولاها لما لزمتهم تلك التكاليف ولأن القادر على المعاصي يكون الاجتناب عن المعاصي أشق عليه من العاجز الفقير ، فمن هذه الجهات تكون الزيادة في الدنيا تشديدا في التكليف ثم قال لرسوله : { ورزق ربك خير وأبقى } والأظهر أن المراد أن مطلوبك الذي تجده من الثواب خير من مطلوبهم وأبقى ، لأنه يدوم ولا ينقطع وليس كذلك حال ما أوتوه من من الدنيا ، ويحتمل أن يكون المراد ما أوتيته من يسير الدنيا إذا قرنته بالطاعة خير لك من حيث العاقبة وأبقى ، فذكر الرزق في الدنيا ووصفه بحسن عاقبته إذا رضي به وصبر عليه ، ويحتمل أن يكون المراد ما أعطى من النبوة والدرجات الرفيعة ،
لا تمدّن عينك : لا تنظر الى ما عند هؤلاء .
متعنا : أعطيناهم ما يتلذذون به .
زهرة الحياة الدنيا : زينتها وبهجتها .
ولما صبَّر رسوله الكريم على ما يقولون وأمَرَه بالعبادة والتسبيح ، أتبع ذلك بنهْيهِ عن مدِّ عينيه إلى ما مُتِّعوا به من زينة الدنيا فقال :
{ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ . . . } .
ولا تتعدّ بنظرك الى ما متعنا به أصنافاً من الكفار ، لأن هذا المتاع زينةُ الحياة الدنيا وزخرفها ، يمتحن الله به عباده في الدنيا . { وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبقى } يدّخره لك الله في الآخرة ، وهو رزق نعمةٍ لا للفتنة ، رزقٌ طيب باق ، وهو خير من هذا المتاع الزائل .
عن زيد بن ثابت قال : « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : » من كانت الدنيا همَّه ، فرَّق الله عليه أمره ، وجعل فقره بين عينيه ، ولم يأتِه من الدنيا الا ما كتبَ له » .
وهذه التَّنبيهات ليست دعوةً للزهد في طيبات الحياة ، ولكنها دعوة الى الاعتزاز بالقِيم الأصيلة الباقية ، وبالصِلة بالله والرضى به .
قرأ يعقوب : زَهَرة الحياة . بفتح الزاء والهاء وهي لغة . والباقون : زهرة ، بسكون الهاء .
{ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } أي لا تطل نظرهما بطريق الرغبة والميل { إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ } من زخارف الدنيا كالبنين . والأموال والمنازل . والملابس . والمطاعم { أزواجا مّنْهُمْ } أي أصنافاً من الكفرة وهو مفعول متعنا قدم عليه الجار والمجرور للاعتناء به ومن بيانية ، وجون أن يكون حالاً من ضمير به ومن تبعيضية مفعول متعنا أو متعلقة بمحذوف وقع صفة لمفعوله المحذوف أي لا تمدن عينيك إلى الذي متعنا به وهو أصناف وأنواع بعضهم أو بعضاً كائناً منهم . والمراد على ما قيل استمر على ترك ذلك ، وقيل : الخطاب له عليه الصلاة والسلام والمراد أمته لأنه صلى الله عليه وسلم كان أبعد شيء عن إطالة النظر إلى زينة الدنيا وزخارفها وأعلق بما عند الله عز وجل من كل أحد وهو عليه الصلاة والسلام القائل : «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما أريد به وجه الله تعالى » وكان صلى الله عليه وسلم شديد النهي عن الاغترار بالدنيا والنظر إلى زخرفها ، والكلام على حذف مضاف أو فيه تجوز في النسبة ، وفي العدول عن لا تنظر إلى ما متعنا به الخ إلى ما في النظم الكريم إشارة إلى أن النظر الغير الممدود معفو وكان المنهي عنه في الحقيقة هو الإعجاب بذلك والرغبة فيه والميل إليه لكن بعض المتقين بالغوا في غض البصر عن ذلك حتى أنهم لم ينظروا إلى أبنية الظلمة وعدد الفسقة في اللباس والمركوب وغيرهما وذلك لمغزى بعيد وهو أنهم اتخذوها لعيون النظارة والفخر بها فيكون النظر إليها محصلاً لغرضهم وكالمغري لهم على اتخاذها .
{ زَهْرَةَ الحياة الدنيا } أي زينتها وبهجتها وهو منصوب بمحذوف يدل عليه متعناً أي جعلنا لهم زهرة إو بمتعنا على أنه مفعول ثان له لتضمينه معنى أعطينا أو على أنه بدل من محل به وضعفه ابن الحاجب في أماليه لأن إبدال منصوب من محل جار ومجرور ضعيف كمررت بزيد أخاك ولأن الإبدال من العائد مختلف فيه . ومثل ذلك ما قيل إنه بدل من ما الموصولة لما فيه من الفصل بالبدل بين الصلة ومعمولها أو على أنه بدل من أزواجاً بتقدير مضاف أي ذوي أو أهل زهرة ، وقيل : بدون تقدير على كون أزواجاً حالاً بمعنى أصناف التمتعات أو على جعلهم نفس الزهرة مبالغة . وضعف هذا بأن مثله يجري في النعت لا في البدل لمشابهته لبدل الغلط حينئذ أو على أنه تمييز لما أو لضمير به ، وحكى عن الفراء أو صفة أزواجاً ورد ذلك لتعريف التمييز وتعريف وصف النكرة ، وقيل : على أنه حال من ضمير به أو من ما وحذف التنوين للالتقاء الساكنين وجر الحياة على البدل من ما واختاره مكي ولا يخفى ما فيه ، وقيل : نصب على الذم أي اذم زهرة الخ واعترض بأن المقام يأباه لأن المراد أن النفوس مجبولة على النظر إليها والرغبة فيها ولا يلائمه تحقيرها ورد بأن في إضافة الزهرة إلى الحياة الدنيا كل ذم وما ذكر من الرعبة من شهوة النفوس الغبية التي حرمت .
وقرأ الحسن . وأبو حيوة . وطلحة . وحميد . وسلام . ويعقوب . وسهل . وعيسى . والزهري زهرة بفتح الهاء وهي لغة كالجهرة في الجهرة ، وفي المحتسب لابن جني مذهب أصحابنا في كل حرف حلق ساكن بعد فتحة أنه لا يحرك إلا على أنه لغة كنهر . ونهر . وشعر . وشعر . ومذهب الكوفيين أنه يطرد تحريك الثاني لكونه حرفاً حلقياً وإن لم يسمع ما لم يمنع منه مانع كما في لفظ نحو لأنه لو حرك قلب الواو ألفاً ، وجوز الزمخشري كون زهرة بالتحريك جمع زاهر ككافر وكفرة وهو وصف لأزواجاً أي أزواجاً من الكفرة زاهرين بالحياة الدنيا لصفاء ألوانهم مما يلهون ويتنعمون وتهلل وجوههم وبهاء زيهم بخلاف ما عليه المؤمنون والصلحاء من شحوب الألوان والتقشف في الثياب ، وجوز على هذا كونه حالاً لأن إضافته لفظية .
وأنت تعلم أن المتبادر من هذه الصفة قصد الثبوت لا الحدوث فلا تكون إضافتها لفظية على أن المعنى على تقدير الحالية ليس بذاك { لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } متعلق بمتعنا أي لنعاملهم معاملة من يبتليهم ويختبرهم فيه أو لنعذبهم في الآخرة بسببه وفيه تنفير عن ذلك سوء عاقبته مآلاً أثر بهجته حالاً ، وقرأ الأصمعي عن عاصم لنفتنهم بضم النون من أفتنه إذا جعل الفتنة واقعة فيه على ما قال أبو حيان { وَرِزْقُ رَبّكَ } أي ما ادخر لك في الآخرة أو ما رزقك في الدنيا من النبوة والهدى ، وادعى «صاحب الكشف » أنه أنسب بهذا المقام أو ما ادخر لك فيها من فتح البلاد والغنائم ، وقيل : القناعة { خَيْرٌ } مما متع به هؤلاء لأنه مع كونه في نفسه من أجل ما يتنافس فيه المتنافسون مأمون الغائلة بخلاف ما متعوا به { وأبقى } فإنه نفسه أو أثره لا يكاد ينقطع كالذي متعوا به .