مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا} (27)

الصفة الرابعة : قوله : { ويوم يعض الظالم على يديه } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : الألف واللام في الظالم فيه قولان : أحدهما : أنه للعموم والثاني : أنه للمعهود ، والقائلون بالمعهود على قولين : الأول : قال ابن عباس المراد عقبة بن أبي معيط ابن أمية بن عبد شمس كان لا يقدم من مقر إلا صنع طعاما يدعو إليه جيرته من أهل مكة ويكثر مجالسة الرسول ويعجبه حديثه فصنع طعاما ودعا الرسول فقال صلى الله عليه وسلم ما آكل من طعامك حتى تأتي بالشهادتين ففعل فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من طعامه فبلغ أمية بن خلف فقال صبوت يا عقبة ، وكان خليله فقال إنما ذكرت ذلك ليأكل من طعامي فقال لا أرضى أبدا حتى تأتيه فتبزق في وجهه وتطأ على عنقه ففعل ، فقال عليه السلام لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف فنزل { ويوم يعض الظالم على يديه } ندامة يعني عقبة يقول : يا ليتني لم أتخذ أمية خليلا لقد أضلني عن الذكر . أي صرفني عن الذكر وهو القرآن والإيمان بعد إذ جاءني مع محمد صلى الله عليه وسلم فأسر عقبة يوم بدر فقتل صبرا ولم يقتل يومئذ من الأسارى غيره وغير النضر بن الحارث . الثاني : قالت الرافضة : هذا الظالم هو رجل بعينه . وإن المسلمين غيروا اسمه وكتموه وجعلوا فلانا بدلا من اسمه ، وذكروا فاضلين من أصحاب رسول الله ، واعلم أن إجراء اللفظ على العموم ليس لنفس اللفظ ، لأنا بينا في أصول الفقه أن الألف واللام إذا دخل على الاسم المفرد لا يفيد العموم بل إنما يفيده للقرينة من حيث إن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بعلية الوصف ، فدل ذلك على أن المؤثر في العض على اليدين كونه ظالما وحينئذ يعم الحكم لعموم علته وهذا القول أولى من التخصيص بصورة واحدة لأن هذا الذي ذكرناه يقتضي العموم ، ونزوله في واقعة أخرى خاصة لا ينافي أن يكون المراد هو العموم حتى يدخل فيه تلك الصورة وغيرها ، ولأن المقصود من الآية زجر الكل عن الظلم وذلك لا يحصل إلا بالعموم ، وأما قول الرافضة فذلك لا يتم إلا بالطعن في القرآن وإثبات أنه غير وبدل ولا نزاع في أنه كفر .

المسألة الثانية : استدلت المعتزلة بقوله : { ويوم يعض الظالم على يديه } قالوا الظالم يتناول الكافر والفاسق ، فدل على أن الله تعالى لا يعفو عن صاحب الكبيرة والكلام عليه تقدم .

المسألة الثالثة : قوله : { يعض الظالم على يديه } قال الضحاك : يأكل يديه إلى المرفق ثم تنبت فلا يزال كذلك كلما أكلها نبتت ، وقال أهل التحقيق هذه اللفظة مشعرة بالتحسر والغم ، يقال عض أنامله وعض على يديه .

المسألة الرابعة : كما بينا أن الظالم غير مخصوص بشخص واحد بل يعم جميع الظلمة فكذا المراد بقوله فلانا ليس شخصا واحدا بل كل من أطيع في معصية الله ، واستشهد القفال بقوله : { وكان الكافر على ربه ظهيرا } ، { ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا } يعني به جماعة الكفار .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا} (27)

يومئذ يتحقق الظالمون أنهم كانوا على الباطل ، فيعَضُّ الظالمُ منهم على يديه من الندم ويقول متمنيا : يا ليتني اتبعتُ الرسُل وآمنت بهم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا} (27)

{ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ } قال الطبرسي : العامل في { يَوْمٍ } اذكر محذوفاً ؛ ويجوز أن يكون معطوفاً على ما قبله ، والظاهر أن أل في الظالم للجنس فيعم كل ظالم وحكى ذلك أبو حيان عن مجاهد . وأبى رجاء ، وذكر أن المراد بفلان فيما بعد الشيطان ، وقيل : لتعريف العهد ، والمراد بالظالم عقبة بن أبي معيط لعنه الله تعالى وبفلان أبي بن خلف ، فقد روي أنه كان عقبة بن أبي معيط لا يقدم من سفر إلا صنع طعاماً فدعا عليه أهل مكة كلهم وكان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم ويعجيبه حديثه وغلب عليه الشقاء فقدم ذات يوم من سفر فصنه طعاماً ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعامه فقال : ما أنا بالذي آكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فقال : اطعم يا ابن أخي فقال صلى الله عليه وسلم : ما أنا بالطي أفعل حتى تقول فشهد بذلك وطعم عليه الصلاة والسلام من طعامه فبلغ ذلك أبي بن خلف فأتاه فقال : أصبوت يا عقبة وكان خليله فقال : والله ما صبوت ولكن دخل على رجل فأبى أن يطعم من طعامي إلا أن أشهد له فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم فشهدت له فطعم فقال : ما أنا بالذي أرضى عنك حتى تأتيه فتفعل كذا وذكر فعلاً لا يليق إلا بوجه القائل اللعين ففعل عقبة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ألقاك خارجاً عن مكة إلا علوت رأسك بالسيف ، وفي رواية إن وجدتك خارجاً من جبال مكة أضرب عنقك صبراً فلما كان يوم بدر وخرج أصحابه أبى أن يخرج فقال له أصحابه : أخرج معنا قال : قد وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجاً من جبال مكة أن يضرب عنقي صبراًفقالوا : لك جمل أحمر لا يدرك فلو كانت الهزيمة طرت عليه فخرج معهم فلما هزم الله تعالى المشركين رحل به جملة في جدد من الأرض فأخذ أسيراً في سبعين من قريش وقدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر علياً كرم الله تعالى وجهه .

/ وفي رواية ثابت بن أبي الأفلح بأن يضرب عنقه فقال أتقتلني من بين هؤلاء ؟ قال : نعم قال : بم ؟ قال : بكفرك وفجورك وعتوك على الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام ، وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم صرح له بما فعل معه ثم ضربت عنقه ، وأما أبي بن خلف فمع فعله ذلك قال : والله لأقتلن محمداً صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال : بل أقتله إن شاء الله تعالى فأنزعه ذلك وقال لمن أخبره : أنشدك بالله تعالى أسمعته يقول ذلك ؟ قال نعم فوقعت في نفسه لما علموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال قولاً إلا كان حقاً فلما كان يوم أحد خرج مع المشركين فجعل يلتمس غفلة النبي عليه الصلاة والسلام ليحمل عليه فيحول رجل من المسلمين بين النبي عليه الصلاة والسلام وبينه فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : خلوا عنه فأخذ الحربة فرماه بها فوقعت في ترقوته فلم يخرج منه دم كثير واحتقن الدم في جوفه فخر يخور كما يخور الثور فأتي أصحابه حتى احتملوه وهو يخور فقالوا : ما هذا فوالله ما بك الأخدش فقال : والله لو لم يصبني ألا بريقه لقتلني أليس قد قال : أنا أقتله ، والله لو أن الذي بي بأهل ذي المجاز لقتلهم فما لبث إلا يوماً أو نحو ذلك حتى ذهب إلى النار فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وروي هذا القول عن ابن عباس .

وجماعة ، وفي رواية أخرى عن ابن عباس أن ظالم أبي بن خلف وفلان عقبة ، وعص اليدين إما على ظاهره ، وروي ذلك عن الضحاك . وجماعة قالوا : يأكل يديه إلى المرفق ثم تنبت ولا يزال كذلك كلما أكلها نبتت وإما كناية عن فرط الحسرة والندامة ، وكذا عض الأنامل والسقوط في اليد وحرق الأسنان والأدم ونحوها لأنها لازمة لذلك في العادة والعرف وفي المثل يأكل يديه ندماً ويسيل دمعه دماً ، وقال الشاعر :

أبي الضيم والنعمان يحرق نابه *** عليه فافضى والسيوف معاقله

والفعل عض على وزن فعل مكسور العين ، وحكى الكسائي عضضت بفتح العين .

{ يَقُولُ يا ليتنى اتخذت مَعَ الرسول سَبِيلاً } الجملة مع موضع الحال من الظالم أو جملة مستأنفة أو مبينة لما قبلها و { ياويلتا لَيْتَنِى } الخ مقول القول ، ويا اما لمجرد التنبيه من غير قصد إلى تعيين المنبه أو المنادى محذوف يا قومي ليتني ، وأل في { الرسول } أما للجنس فيعم كل رسول وإما للعهد فالمراد به رسول هذه الأمة محمد صلى الله عليه وسلم والأول إذا كانت أل في الظالم للجنس والثاني إذا كانت للعهد ، وتنكير { سَبِيلاً } أما للشيوع أو للوحدة وعدم تعريفه لادعاء تعينه أي يا ليتني اتخذت طريقاً إلى النجاة أي طريق كان أو طريقاً واحداً وهو طريق الحق ولم تتشعب بي طرق الضلالة .

ومن باب الإشارة :وذكر في قوله تعالى : { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم } [ الفرقان : 27 ] الآية أن حكمه عام في كل متحابين على معصية الله تعالى .

وعن مالك بن دينار نقل الأحجار مع الأبرار خير من أكل الخبيص مع الفجار