مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا} (21)

قوله تعالى : { وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا أصحاب الجنة يومئذ خير مستقر وأحسن مقيلا } .

اعلم أن قوله تعالى : { وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا } هو الشبهة الرابعة لمنكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . وحاصلها : لم لم ينزل الله الملائكة حتى يشهدوا أن محمدا محق في دعواه { أو نرى ربنا } حتى يخبرنا بأنه أرسله إلينا ؟ وتقرير هذه الشبهة أن من أراد تحصيل شيء ، وكان له إلى تحصيله طريقان ، أحدهما يفضي إليه قطعا والآخر قد يفضي وقد لا يفضي ، فالحكيم يجب عليه في حكمته أن يختار في تحصيل ذلك المقصود الطريق الأقوى والأحسن ، ولا شك أن إنزال الملائكة ليشهدوا بصدق محمد صلى الله عليه وسلم أكثر إفضاء إلى المقصود ، فلو أراد الله تعالى تصديق محمد صلى الله عليه وسلم لفعل ذلك وحيث لم يفعل ذلك علمنا أنه ما أراد تصديقه . هذا حاصل الشبهة ، ثم ههنا مسائل :

المسألة الأولى : قال الفراء قوله تعالى : { وقال الذين لا يرجون لقاءنا } معناه لا يخافون لقاءنا ووضع الرجاء في موضع الخوف لغة تهامية ، إذا كان معه جحد ، ومثله قوله تعالى : { ما لكم لا ترجون لله وقارا } أي لا تخافون له عظمة ، وقال القاضي لا وجه لذلك ، لأن الكلام متى أمكن حمله على الحقيقة لم يجز حمله على المجاز ، ومعلوم أن من حال عباد الأصنام أنهم كما لا يخافون العقاب لتكذيبهم بالمعاد ، فكذلك لا يرجون لقاءنا ووعدنا على الطاعة من الجنة والثواب ، ومعلوم أن من لا يرجو ذلك لا يخاف العقاب أيضا ، فالخوف تابع لهذا الرجاء .

المسألة الثانية : المجسمة تمسكوا بقوله تعالى : { لقاءنا } أنه جسم وقالوا اللقاء هو الوصول يقال هذا الجسم لقي ذلك أي وصل إليه واتصل به ، وقال تعالى : { فالتقى الماء على أمر قد قدر } فدلت الآية على أنه سبحانه جسم والجواب على طريقين ، الأول : طريق بعض أصحابنا قال المراد من اللقاء هو الرؤية ، وذلك لأن الرائي يصل برؤيته إلى حقيقة المرئي فسمى اللقاء أحد أنواع الرؤية والنوع الآخر الاتصال والمماسة ، فدلت الآية من هذا الوجه على جواز الرؤية . الطريق الثاني : وهو كلام المعتزلة ، قال القاضي تفسير اللقاء برؤية البصر جهل باللغة ، فيقال في الدعاء لقاك الله الخير وقد يقول القائل لم ألق الأمير وإن رآه من بعد أو حجب عنه ، ويقال في الضرير لقى الأمير إذا أذن له ولم يحجب وقد يلقاه في الليلة الظلماء ، ولا يراه بل المراد من اللقاء ههنا هو المصير إلى حكمه حيث لا حكم لغيره في { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا } لا أنه رؤية البصر ، واعلم أن هذا الكلام ضعيف لأنا لا نفسر اللقاء برؤية البصر بل نفسره بمعنى مشترك بين رؤية البصر ، وبين الاتصال والمماسة وهو الوصول إلى الشيء ، وقد بينا أن الرائي يصل برؤيته إلى المرئي واللفظ الموضوع لمعنى مشترك بين معان كثيرة ، ينطلق على كل واحد من تلك المعاني فيصح قوله لقاك الخير ، ويصح قول الأعمى لقيت الأمير ، ويصح قول البصير لقيته بمعنى رأيته وما لقيته بمعنى ما وصلت إليه ، وإذا ثبت هذا فنقول قوله : { وقال الذين لا يرجون لقاءنا } مذكور في معرض الذم لهم ، فوجب أن يكون رجاء اللقاء حاصلا ، ومسمى اللقاء مشترك بين الوصول المكاني ، وبين الوصول بالرؤية ، وقد تعذر الأول فتعين الثاني ، وقوله المراد من اللقاء الوصول إلى حكمه صرف للفظ عن ظاهره بغير دليل ، فثبت دلالة الآية على صحة الرؤية بل على وجوبها ، بل على أن إنكارها ليس إلا من دين الكفار .

المسألة الثالثة : قوله : { لولا أنزل } معناه هلا أنزل ، قال الكلبي ومقاتل : نزلت هذه الآية في أبي جهل والوليد وأصحابهما الذين كانوا منكرين للنبوة والبعث .

أما قوله تعالى : { لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا } فاعلم أن هذا هو الجواب عن تلك الشبهة ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : في تقرير كونه جوابا ، وذلك من وجوه . أحدها : أن القرآن لما ظهر كونه معجزا فقد ثبتت دلالة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فبعد ذلك يكون اقتراح أمثال هذه الآيات لا يكون إلا محض الاستكبار والتعنت . وثانيها : أن نزول الملائكة لو حصل لكان أيضا من جملة المعجزات ولا يدل على الصدق لخصوص كونه بنزول الملك ، بل لعموم كونه معجزا ، فيكون قبول ذلك المعجز ورد ذلك المعجز الآخر ترجيحا لأحد المثلين على الآخر من غير مزيد فائدة ومرجح ، وهو محض الاستكبار والتعنت . وثالثها : أنهم بتقدير أن يروا الرب ويسألوه عن صدق محمد صلى الله عليه وسلم وهو سبحانه يقول نعم هو رسولي ، فذلك لا يزيد في التصديق على إظهار المعجز على يد محمد صلى الله عليه وسلم ، لأنا بينا أن المعجز يقوم مقام التصديق بالقول إذ لا فرق وقد ادعى النبوة بين أن يقول اللهم إن كنت صادقا فأحيي هذا الميت فيحييه الله تعالى والعادة لم تجر بمثله وبين أن يقول له صدقت ، وإذا كان التصديق الحاصل بالقول أو الحاصل بالمعجز تعيين في كونه تصديقا للمدعى كان تعيين أحدهما محض الاستكبار والتعنت . ورابعها : وهو أنا نعتقد أن الله سبحانه وتعالى يفعل بحسب المصالح على ما يقوله المعتزلة ، أن نقول إن الله تعالى يفعل بحسب المشيئة على ما يقوله أصحابنا ، فإن كان الأول لم يجز لهم أن يعينوا المعجز إذ ربما كان إظهار ذلك المعجز مشتملا على مفسدة لا يعرفها إلا الله تعالى ، وكان التعيين استكبارا وعتوا من حيث إنه لما ظنه مصلحة قطع بكونه مصلحة ، فمن قال ذلك فقد اعتقد في نفسه أنه عالم بكل المعلومات ، وذلك استكبار عظيم ، وإن كان الثاني وهو قول أصحابنا فليس للعبد أن يقترح على ربه فإنه سبحانه فعال لما يريد فكان الاقتراح استكبارا وعتوا وخروجا عن حد العبودية إلى مقام المنازعة والمعارضة . وخامسها : وهو أن المقصود من بعثة الأنبياء الإحسان إلى الخلق فالملك الكبير إذا أحسن إلى بعض الضعفاء رحمة عليه فأخذ ذلك الضعيف إلى اللجاج والنزاع ، ويقول لا أريد هذا بل أريد ذاك ، حسن أن يقال إن هذا المكدي قد استكبر في نفسه وعتا عتوا شديدا من حيث لا يعرف قدر نفسه ومنتهى درجته فكذا ههنا . وسادسها : يمكن أن يكون المراد أن الله تعالى قال لو علمت أنهم ما ذكروا هذا السؤال لأجل الاستكبار والعتو الشديد لأعطيتهم مقترحهم ، ولكني علمت أنهم ذكروا هذا الاقتراح لأجل الاستكبار والتعنت فلو أعطيتهم مقترحهم لما انتفعوا به فلا جرم لا أعطيهم ذلك ، وهذا التأويل يعرف من اللفظ . وسابعها : لعلهم سمعوا من أهل الكتاب أن الله تعالى لا يرى في الدنيا ، وأنه تعالى لا ينزل الملائكة في الدنيا على عوام الخلق ، ثم إنهم علقوا إيمانهم على ذلك على سبيل التعنت أو على سبيل الاستهزاء .

المسألة الثانية : قالت المعتزلة : الآية دلت على أن الله تعالى لا تجوز رؤيته لأن رؤيته لو كانت جائزة لما كان سؤالها عتوا واستكبارا ، قالوا وقوله : { لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا } ليس إلا لأجل سؤال الرؤية . حتى لو أنهم اقتصروا على نزول الملائكة لما خوطبوا بذلك ، والدليل عليه أن الله تعالى ذكر أمر الرؤية في آية أخرى على حدة وذكر الاستعظام وهو قوله : { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة } وذكر نزول الملائكة على حدة في آية أخرى فلم يذكر الاستعظام وهو قولهم : { لولا أنزل علينا الملائكة } وهل نرى الملائكة فثبت بهذا أن الاستكبار والعتو في هذه الآية إنما حصل لأجل سؤال الرؤية .

واعلم أن الكلام على ذلك قد تقدم في سورة البقرة ، والذي نريده ههنا أنا بينا أن قوله { وقال الذين لا يرجون لقاءنا } يدل على الرؤية ، وأما الاستكبار والعتو ، فلا يمكن أن يدل ذلك على أن الرؤية مستحيلة لأن من طلب شيئا محالا ، لا يقال إنه عتا واستكبر ، ألا ترى أنهم لما قالوا : { اجعل لنا إلها كما لهم آلهة } لم يثبت لهم بطلب هذا المحال عتوا واستكبارا ، بل قال : { إنكم قوم تجهلون } بل العتو والاستكبار لا يثبت إلا إذا طلب الإنسان ما لا يليق به ممن فوقه أو كان لائقا به ، ولكنه يطلبه على سبيل التعنت . وبالجملة فقد ذكرنا وجوها كثيرة في تحقيق معنى الاستكبار والعتو سواء كانت الرؤية ممتنعة أو ممكنة ، ومما يدل عليه أن موسى لما سأل الرؤية ما وصفه الله تعالى بالاستكبار والعتو ، لأنه عليه السلام طلب الرؤية شوقا ، وهؤلاء طلبوها امتحانا وتعنتا ، لا جرم وصفهم بذلك فثبت فساد ما قاله المعتزلة .

المسألة الثالثة : إنما قال { في أنفسهم } لأنهم أضمروا الاستكبار في قلوبهم واعتقدوه كما قال : { إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه } وقوله : { وعتوا عتوا كبيرا } أي تجاوزوا الحد في الظلم يقال عتا فلان وقد وصف العتو بالكبر فبالغ في إفراطه ، يعني أنهم لم يجترئوا على هذا القول العظيم إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا} (21)

لا يرجون : لا يخافون ولا يتوقعون .

واستكبروا في أنفسِهم : تكبروا ، تمكّن الكبر من نفوسهم .

وعتَوا عتوّاً كبيرا : تمرّدوا ، وتجاوزا حدا كبيرا في الظلم .

وقال الذين ينكرون البعث ، ولا يتوقّعون لقاءنا : لماذا لا تُنَزَّلُ علينا الملائكةُ فيخبرونا بأن محمداً صادقٌ فيما يدّعي ؟ ولماذا لا نرى الله فيخبرنا بأنه أرسلك ؟ لقد استكبروا ووضعوا أنفسَهم في مكانٍ لا يستحقونه ، وتجاوزوا الحد في الظلم والطغيان .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا} (21)

وقوله تعالى : { وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } الخ شروع في حكاية بعض آخر من أقاويلهم الباطلة وبيان بطلانها إثر حكاية إبطال أباطيلهم السابقة وذكر ما يتعلق بذلك ، والجملة معطوفة على قوله تعالى : { وَقَالُواْ مال هذا الرسول } [ الفرقان : 7 ] إلى آخره ، ووضع الموصول موضع الضمير للتنبيه بما في حيز الصلة على أن ما يحكى عنهم في الشناعة بحيث لا يصدر عمن يرجو لقاء الله عز وجل ، والرجاء في المشهور الأمل وقد فسر أحدهما بالآخر أكثر اللغويين ، وفي فروق ابن هلال الأمل رجاء يستمر ولذا قيل للنظر في الشيء إذا استمر وطال تأمل ، وقيل : الأمل يكون في الممكن والمستحيل والرجاء يخص الممكن . وفي المصباح الأمل ضد اليأس وأكثر ما يستعمل فيما يبعد حصوله والطمع يكون فيما قرب حصوله والرجاء بين الأمل والطمع فإن الراجي يخاف أن لا يحصل مأموله ولذا استعمل بمعنى الطمع انتهى ، وفسره أبو عبيدة . وقوم بالخوف ، وقال الفراء : هذه الكلمة تهامية وهي أيضاً من لغة هذيل إذا كان مع الرجاء جحد ذهبوا به إلى معنى الخوف فيقولون : فلان لا يرجو ربه سبحانه يريدون لا يخاف ربه سبحانه ، ومن ذلك { مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً } [ نوح : 13 ] أي لا تخافون لله تعالى عظمة وإذا قالوا : فلان يرجو ربه فهذا على معنى الرجاء لا على معنى الخوف ، وقال الشاعر :

إذا لسعته النحل لم يرج لسعها *** وحالفها في بيت نوب عواسل

وقال آخر :

لا يرتجي حين يلاقي الذائدا *** أسبعة لاقت له أو واحداً

انتهى ، وذكر أن استعمال الرجاء في معنى الخوف مجاز لأن الراجي لأمر يخاف فواته ، وأصل اللقاء مقابله الشيء ومصادفته وهو مراد من قال : الوصول إلى الشيء لا المماسة ويطلق على الرؤية لأنها وصول إلى المرئي ، ولقاؤه تعالى هنا كناية عن لقاء جزائه يوم القيامة أو المراد ذلك بتقدير مضاف ؛ والمعنى على التفسير المشهور للرجاء وقال الذين لا يأملون لقاء جزائنا بالخير والثواب على الطاعة لتكذيبهم بالبعث ، وعلى التفسير الآخر وقال الذين لا يخافون لقاء جزائنا بالشر والعقاب على المعصية لتكذيبهم بالبعث كذا قيل . وقيل المراد به رؤيته تعالى في الآخرة والرجاء عليه بمعنى الأمل دون الخوف إذ لا معنى لكون الرؤية مخوفة وهو خلاف الظاهر وإن لم يأبه ما بعد إذ يكون المعنى عليه إن الذين لا يرجون رؤيتنا في الآخرة التي هي مظنة الرؤية لكثير من الناس اقترحوا رؤيتنا في الدنيا التي ليست مظنة لذلك ، وقد يقال : نفي رجاء لقائه تعالى كناية عن إنكار البعث والحشر ولعله أولى مما تقدم أي وقال الذين ينكرون البعث والحشر { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملئكة } أي هلا أنزلوا علينا فيخبرونا بصدق محمد صلى الله عليه وسلم { أَوْ نرى رَبَّنَا } فيخبرنا بذلك كما روي عن ابن جريج .

وغيره وفي طلب إنزال ملائكة للتصديق دون إنزال ملك إشارة إلى أنهم بلغوا في التكذيب مبلغاً لا ينفع معه تصديق ملك واحد وإذا اعتبرت أل في الملائكة للاستغراق الحقيقي كانت الإشارة إلى قوة تكذيبهم أقوى ، وتزداد القوة إذا اعتبر في { عَلَيْنَا } معنى كل واحد منا ولم يعتبر توزيع ، ويشير أيضاً إلى قوة ذلك تعبيرهم بالمضارع الدال على الاستمرار التجددي في أو { نرى رَبَّنَا } كأنهم لم يكتفوا برؤيته تعالى وإخباره سبحانه بصدق رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يروه سبحانه ويخبرهم مراراً بذلك ، ولا يأبى قصد الاستمرار من المضارع كون الأصل في { لَوْلاَ } التي للتحضيض أو العرض أن تدخل على المضارع وما لم يكن مضارعاً يؤول به ، ولعل عدولهم إلى الماضي في جانب إنزال الملائكة المعطوف عليه وإن كان في تأويل المضارع على نحو ما قدمنا في تفسير قوله تعالى : { لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ } فتذكر فما في العهد من قدم .

وقيل : المعنى لولا أنزل علينا الملائكة فيبلغون أمر الله تعالى ونهيه بدل محمد صلى الله عليه وسلم أو نرى ربنا فيخبرنا بذلك من غير توسيط أحد . ورجح الأول بأن السياق لتكذيبه صلى الله عليه وسلم وحاشاه ثم حاشاه من الكذب والتعنت في طلب مصدق له عليه الصلاة والسلام لا لطلب من يفيدهم الأمر والنهي سواه صلى الله عليه وسلم ، ولا نسلم أن { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملائكة } يتكرر عليه مع { لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ } [ الفرقان : 7 ] السابق لظهور الفرق بين المطلوبين بين فيهما ولو فرض لزوم التكرار بينهما فهو لا يضر كما لا يخفى . وانتصر للأخير بأن المقام ليس إلا لذكر المكذبين وحكاية أباطيلهم الناشئة عن تكذيبهم . وقد عد فيما سبق بعضاً منها متضمناً تعنتهم في طلب مصدق له صلى الله عليه وسلم فالأولى أن يكون ما هنا حكاية نوع آخر منها ليكون أبعد عن التكرار وأدل على العناد والاستكبار . ولعل قوله تعالى : { لَقَدِ استكبروا فِى أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً } أنسب بما ذكر . ومعنى { استكبروا فِى أَنفُسِهِمْ } أوقعوا الاستكبار في شأنها وعدوها كبيرة الشأن ، وفيه تنزيل الفعل المتعدي منزلة اللازم كما في قوله :

يجرح في عراقيبها نصلي *** والعتو تجاوز الحد في الظلم وهو المصدر الشائع لعتا ، واللام واقعة في جواب القسم أي والله لقد استكبروا في شأن أنفسهم وتجاوزوا الحد في الظلم والطغيان تجاوزاً كبيراً بالغاً أقصى غايته حيث كذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام ولم ينقادوا لبشر مثلهم يوحى إليه في أمرهم ونهيهم ولم يكترثوا بمعجزاته القاهرة وآياته الباهرة فطلبوا ما لا يكاد يرنوا إليه أحداق الأمم وراموا ما لا يحظى به إلا بعض أولي العزم من الرسل صلى الله عليه وسلم .

وقد فسر { استكبروا فِى أَنفُسِهِمْ } بأضمروا الاستكبار وهو الكفر والعناد في قلوبهم وهو أظهر مما تقدم وما تقدم أبلغ وأوفق لما انتصر له . وكذا فسر العتو بالنبو عن الطاعة وما تقدم أبلغ وأوفق بذلك أيضاً . وفي تعقيب حكاية باطل أولئك الكفرة بالجملة القسمية إيذان بغاية قبح ما هم عليه وإشعار بالتعجب من استكبارهم وعتوهم وهو من الفحوى في الحقيقة ومثل ذلك شائع في الكلام تقول لمن جنى جناية : فعلت كذا وكذا استعظاماً وتعجباً منه ؛ ويستعمل في سائر الألسنة وجعل الزمخشري من ذلك قول مهلهل :

وجارة جساس أبأنا بنابها *** كليباً غلت ناب كليب بواؤها

والطيبي قوله تعالى : { كَبُرَتْ كَلِمَةً } [ الكهف : 5 ] ، وتعقب بأن ذلك ليس من هذا القبيل لأن الثلاثي المحول إلى فعل لفظاً أو تقديراً موضوع للتعجب كما صرح به النحاة ؛ وذكر الإمام مختار القول الأول في تفسير { لَوْلا أُنزِلَ } الخ أن هذه الجملة جواب لقولهم { لَوْلا أُنزِلَ } الخ من عدة أوجه ، أحدها : أن القررن لما ظهر كونه معجزاً فقد ثبتت نبوته صلى الله عليه وسلم فبعد ذلك لا يكون اقتراح هذه الآيات إلا محض استكبار . وثانيها : أن نزول الملائكة عليهم السلام لو حصل لكان أيضاً من جملة المعجزات ولا يدل على الصدق لخصوص كونه نزول الملك بل لعموم كونه معجزاً فيكون قبول ذلك ورد الآخر ترجيحاً لأحد المثلين من غير مرجح . وثالثها : أنهم بتقدير رؤية الرب سبحانه وتصديقه لرسوله صلى الله عليه وسلم لا يستفيدون علماً أزيد من تصديق المعجز إذ لا فرق بين أن يقول النبي : اللهم إن كنت صادقاً فأحي هذا الميت فيحييه عز وجل وبين أن يقول : إن كنت صادقاً فصدقني فيصدقه فتعيين أحد الطريقين محض العناد ، ورابعها : أن العبد ليس له أن يعترض على مولاه إما بحكم المالكية عند الأشعري أو بحكم المصلحة عند المعتزلي ، وخامسها : أن السائل الملح المعاند الذي لا يرضى بما ينعم عليه مذموم وإظهار المعجز من جملة الأيادي الجسيمة فرد إحداهما واقتراح الأخرى ليس من الأدب في شيء . وسادسها : لعل المراد أني لو علمت أنهم ليسوا مستكبرين وعاتين لأعطيتهم مطلوبهم لكني علمت أنهم إنما سألوا لأجل المكابرة والعناد فلا جرم لا أعطيهم ، وسابعها : لعلهم عرفوا من أهل الكتاب أن الله تعالى لا يرى في الدنيا وأنه لا ينزل الملائكة عليهم السلام على عوام الخلق ثم أنهم علقوا إيمانهم على ذلك فهم مستكبرون ساخرون انتهى وفيه ما لا يخلو عن بحث .

واستدلت الأشاعرة بقوله تعالى : { لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } على أن رؤية الله تعالى ممكنة . واستدلت المعتزلة بقوله سبحانه : { لَقَدِ استكبروا وَعَتَوْا } على أنها ممتنعة ولا يخفى ضعف الاستدلالين .