المسألة الرابعة : احتج من أثبت الأعضاء والجوارح لله تعالى بقوله تعالى : { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى } في إثبات يدين لله تعالى ، بأن قالوا ظاهر الآية يدل عليه ، فوجب المصير إليه ، والآيات الكثيرة واردة على وفق هذه الآية ، فوجب القطع به .
واعلم أن الدلائل الدالة على نفي كونه تعالى جسما مركبا من الأجزاء والأعضاء ، قد سبقت إلا أنا نذكر ههنا نكتا جارية مجرى الإلزامات الظاهرة فالأول : أن من قال إنه مركب من الأعضاء والأجزاء ، فإما أن يثبت الأعضاء التي ورد ذكرها في القرآن ولا يزيد عليها ، وإما أن يزيد عليها ، فإن كان الأول لزمه إثبات صورة لا يمكن أن يزاد عليها في القبح ، لأنه يلزمه إثبات وجه بحيث لا يوجد منه إلا مجرد رقعة الوجه لقوله : { كل شيء هالك إلا وجهه }
ويلزمه أن يثبت في تلك الرقعة عيونا كثيرة لقوله : { تجرى بأعيننا } وأن يثبت جنبا واحدا لقوله تعالى : { يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله } وأن يثبت على ذلك الجنب أيدي كثيرة لقوله تعالى : { مما عملت أيدينا } وبتقدير أن يكون له يدان فإنه يجب أن يكون كلاهما على جانب واحد لقوله صلى الله عليه وسلم : «الحجر الأسود يمين الله في الأرض » وأن يثبت له ساقا واحدا لقوله تعالى : { يوم يكشف عن ساق } فيكون الحاصل من هذه الصورة ، مجرد رقعة الوجه ويكون عليها عيون كثيرة ، وجنب واحد ويكون عليه أيد كثيرة وساق واحد ، ومعلوم أن هذه الصورة أقبح الصور ، ولو كان هذا عبدا لم يرغب أحد في شرائه ، فكيف يقول العاقل إن رب العالمين موصوف بهذه الصورة .
وأما القسم الثاني : وهو أن لا يقتصر على الأعضاء المذكورة في القرآن ، بل يزيد وينقص على وفق التأويلات ، فحينئذ يبطل مذهبه في الحمل على مجرد الظواهر ، ولا بد له من قبول دلائل العقل .
الحجة الثانية : في إبطال قولهم إنهم إذا أثبتوا الأعضاء لله تعالى ، فإن أثبتوا له عضو الرجل فهو رجل وأن أثبتوا له عضو النساء فهو أنثى ، وإن نفوهما فهو خصي أو عنين ، وتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا .
الحجة الثالثة : أنه في ذاته سبحانه وتعالى ، إما أن يكون جسما صلبا لا ينغمز البتة ، فيكون حجرا صلبا ، وإما أن يكون قابلا للانغماز ، فيكون لينا قابلا للتفرق والتمزق . وتعالى الله عن ذلك .
الحجة الرابعة : أنه إن كان بحيث لا يمكنه أن يتحرك عن مكانه ، كان كالزمن المعقد العاجز ، وإن كان بحيث يمكنه أن يتحرك عن مكانه ، كان محلا للتغيرات ، فدخل تحت قوله : { لا أحب الآفلين } .
الحجة الخامسة : إن كان لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يتحرك كان كالميت ، وإن كان يفعل هذه الأشياء ، كان إنسانا كثير التهمة محتاجا إلى الأكل والشرب والوقاع وذلك باطل .
الحجة السادسة : أنهم يقولون إنه ينزل كل ليلة من العرش إلى السماء الدنيا ، فنقول لهم حين نزوله : هل يبقى مدبرا للعرش ويبقى مدبرا للسماء الدنيا حين كان على العرش ، وحينئذ لا يبقى في النزول فائدة ، وإن لم يبق مدبرا للعرش فعند نزوله يصير معزولا عن إلهية العرش والسماوات .
الحجة السابعة : أنهم يقولون إنه تعالى أعظم من العرش ، وإن العرش لا نسبة لعظمته إلى عظمة الكرسي ، وعلى هذا الترتيب حتى ينتهي إلى السماء الدنيا ، فإذا كان كذلك كانت السماء الدنيا بالنسبة إلى عظمة الله كالذرة بالنسبة إلى البحر ، فإذا نزل فإما أن يقال إن الإله يصير صغيرا بحيث تسعه السماء الدنيا ، وإما أن يقال إن السماء الدنيا تصير أعظم من العرش ، وكل ذلك باطل .
الحجة الثامنة : ثبت أن العالم كرة ، فإن كان فوق بالنسبة إلى قوم كانت تحت بالنسبة إلى قوم آخرين وذلك باطل ، وإن كان فوق بالنسبة إلى الكل ، فحينئذ يكون جسما محيطا بهذا العالم من كل الجوانب ، فيكون إله العالم على هذا القول فلكا من الأفلاك .
الحجة التاسعة : لما كانت الأرض كرة ، وكانت السماوات كرات ، فكل ساعة تفرض الساعات فإنها تكون ثلث الليل في حق أقوام معينين من سكان كرة العوارض ، فلو نزل من العرش في ثلث الليل وجب أن يبقى أبدا نازلا عن العرش ، وأن لا يرجع إلى العرش البتة .
الحجة العاشرة : أنا إنما زيفنا إلهية الشمس والقمر لثلاثة أنواع من العيوب أولها : كونه مؤلفا من الأجزاء والأبعاض وثانيها : كونه محدودا متناهيا وثالثها : كونه موصوفا بالحركة والسكون والطلوع والغروب ، فإذا كان إله المشبهة مؤلفا من الأعضاء والأجزاء كان مركبا ، فإذا كان العرش كان محدودا متناهيا ، وإن كان ينزل من العرش ويرجع إليه كان موصوفا بالحركة والسكون ، فهذه الصفات الثلاثة إن كانت منافية للألهية وجب تنزيه الإله عنها بأسرها ، وذلك يبطل قول المشبهة ، وإن لم تكن منافية للألهية فحينئذ لا يقدر أحد على الطعن في إلهية الشمس والقمر .
الحجة الحادية عشرة : قوله تعالى : { قل هو الله أحد } ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة ، وذلك ينافي كونه مركبا من الأجزاء والأبعاض .
الحجة الثانية عشرة : قوله تعالى : { والله الغني وأنتم الفقراء } ولو كان مركبا من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجا إليها وذلك يمنع من كونه غنيا على الإطلاق ، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال ، ولما ثبت بالدلائل اليقينية وجوب تنزيه الله تعالى ، عن هذه الأعضاء ، فنقول ذكر العلماء في لفظ اليد وجوها الأول : أن اليد عبارة عن القدرة تقول العرب مالي بهذا الأمر من يد ، أي من قوة وطاقة ، قال تعالى : { أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح } ، الثاني : اليد عبارة عن النعمة يقال أيادي فلان في حق فلان ظاهرة والمراد النعم والمراد باليدين النعم الظاهرة والباطنة أو نعم الدين والدنيا الثالث : أن لفظ اليد قد يزاد للتأكيد كقول القائل لمن جنى باللسان هذا ما كسبت يداك وكقوله تعالى : { بشرا بين يدي رحمته } .
ولقائل أن يقول حمل اليد على القدرة ههنا غير جائز ، ويدل عليه وجوه الأول : أن ظاهر الآية يقتضي إثبات اليدين ، فلو كانت اليد عبارة عن القدرة لزم إثبات قدرتين لله وهو باطل والثاني : أن الآية تقتضي أن كون آدم مخلوقا باليدين يوجب فضيلته وكونه مسجودا للملائكة ، فلو كانت اليد عبارة عن القدرة لكان آدم مخلوقا بالقدرة ، لكن جميع الأشياء مخلوقة بقدرة الله تعالى فكما أن آدم عليه السلام مخلوق بيد الله تعالى ، فكذلك إبليس مخلوق بيد الله تعالى ، وعلى تقدير أن تكون اليد عبارة عن القدرة ، لم تكن هذه العلة علة لكون آدم مسجودا لإبليس أولى من أن يكون إبليس مسجودا لآدم ، وحينئذ يختل نظم الآية ويبطل الثالث : أنه جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال :
« كلتا يديه يمنى » ومعلوم أن هذا الوصف لا يليق بالقدرة .
وأما التأويل الثاني : وهو حمل اليدين على النعمتين فهو أيضا باطل لوجوه الأول : أن نعم الله تعالى كثيرة كما قال : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } وظاهر الآية يدل على أن اليد لا تزيد على الإثنتين الثاني : لو كانت اليد عبارة عن النعمة فنقول النعمة مخلوقة لله فحينئذ لا يكون آدم مخلوقا لله تعالى بل يكون مخلوقا لبعض المخلوقات ، وذلك بأن يكون سببا لمزيد النقصان أولى من أن يكون سببا لمزيد الكمال الثالث : لو كانت اليد عبارة عن النعمة لكان قوله : { تبارك الذي بيده الملك } معناه تبارك الذي بنعمته الملك ولكان قوله : «بيدك الخير » معناه بنعمتك الخير ولكان قوله : { يداه مبسوطتان } معناه نعمتان مبسوطتان ، ومعلوم أن كل ذلك فاسد .
وأما التأويل الثالث : وهو قوله إن لفظ اليد قد يذكر زيادة لأجل التأكيد فنقول لفظ اليد قد يستعمل في حق من يكون هذا العضو حاصلا له وفي حق من لا يكون هذا العضو حاصلا في حقه أما الأول : فكقولهم في حق من جنى بلسانه هذا ما كسبت يداك والسبب في هذا أن محل القدرة هو اليد فأطلق اسم اليد على القدرة ، وعلى هذا التقدير فيصير المراد من لفظ اليد القدرة ، وقد تقدم إبطال هذا الوجه وأما الثاني : فكقوله { بين يدي عذاب شديد } وقوله : ( بين يدي الساعة ) إلا أنا نقول هذا المجاز بهذا اللفظ مذكور والمجاز لا يقاس عليه ولا يكون مطردا ، فلا جرم لا يجوز أن يقال إن هذا المعنى إنما حصل بيد العذاب وبيد الساعة ، ونحن نسلم أن قوله : { لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } قد يجوز أن يراد به التأكيد والصلة ، أما المذكور في هذه الآية ليس هذا اللفظ بل قوله تعالى : { خلقت بيدي } وإن كان القياس في المجازات باطلا فقد سقط كلامكم بالكلية ، فهذا منتهى البحث في هذا الباب .
والذي تلخص عندي في هذا الباب أن السلطان العظيم لا يقدر على عمل شيء بيده إلا إذا كانت غاية عنايته مصروفة إلى ذلك العمل ، فإذا كانت العناية الشديدة من لوازم العمل باليد أمكن جعله مجازا عنه عند قيام الدلائل القاهرة . فهذا ما لخصناه في هذا الباب ، والله أعلم .
أما قوله تعالى : { استكبرت أم كنت من العالين } فالمعنى : استكبرت الآن أم كنت أبدا من المتكبرين العالين .
{ قَالَ } عز وجل على سبيل الإنكار والتوبيخ { قَالَ ياإبليس مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ } أي من السجود { لِمَا خَلَقْتُ } أي للذي خلقته على أن ما موصولة والعائد محذوف ، واستدل به على جواز إطلاق { مَا } على آحاد من يعقل ومن لم يجز قال : إن { مَا } مصدرية ويراد بالمصدر المفعول أي أن تسجد لمخلوق { بِيَدَىَّ } وهذا عند بعض أهل التأويل من الخلف تمثيل لكونه عليه السلام معتني بخلقه فإن من شأن المعتنى به أن يعمل باليدين ، ومن آثار ذلك خلقه من غير توسط أب وأم وكونه جسماً صغيراً انطوى فيه العالم الأكبر وكونه أهلاً لأن يفاض عليه ما لا يفاض على غيره إلى غير ذلك من مزايا الآدمية . وعند بعض آخر منهم اليد بمعنى القدرة والتثنية للتأكيد الدال على مزيد قدرته تعالى لأنها ترد لمجرد التكرير نحو { ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ } [ الملك : 4 ] فأريد به لازمه وهو التأكيد وذلك لأن لله تعالى في خلقه أفعالاً مختلفة من جعله طيناً مخمراً ثم جسماً ذا لحم وعظم ثم نفخ الروح فيه وإعطائه قوة العلم والعمل ونحو ذلك مما هو دال على مزيد قدرة خالق القوى والقدر ، وجوز أن يكون ذلك لاختلاف فعل آدم فقد يصدر منه أفعال ملكية كأنها من آثار اليمين وقد يصدر منه أفعال حيوانية كأنها من آثار الشمال وكلتا يديه سبحانه يمين . وعند بعض اليد بمعنى النعمة والتثنية إما لنحو ما مرو إما على إرادة نعمة الدنيا ونعمة الآخرة .
والسلف يقولون : اليد مفردة وغير مفردة ثابتة لله عز وجل على المعنى اللائق به سبحانه ولا يقولون في مثل هذا الموضع إنها بمعنى القدرة أو النعمة ، وظاهر الأخبار أن للمخلوق بها مزية على غيره ، فقد ثبت في «الصحيح » أنه سبحانه قال في جواب الملائكة : اجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة وعزتي وجلالي لا أجعل من خلقته بيدي كمن قلت له كن فكان .
وأخرج ابن جرير . وأبو الشيخ في العظمة . والبيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : خلق الله تعالى أربعاً بيده . العرش . وجنات عدن . والقلم . وآدم ثم قال لكل شيء كن فكان ، وجاء في غير ما خبر أنه تعالى كتب التوراة بيده ، وفي حديث محاجة آدم وموسى عليهما السلام ما يدل على أن المخلوقية بها وصف تعظيم حيث قال له موسى : أنت آدم الذي خلقك الله تعالى بيده ، وكذلك في حديث الشفاعة أن أهل الموقف يأتون آدم ويقولون له : أنت آدم أبو الناس خلقك الله تعالى بيده ، ويعلم من ذلك أن ترتيب الإنكار في { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ } على خلق الله تعالى إياه بيديه لتأكيد الإنكار وتشديد التوبيخ كأنه قيل : ما منعك أن تعظم بالسجود من هو أهل للتعظيم للعناية الربانية التي حفت إيجاده .
وزعم الزمخشري أن { خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } من باب رأيته بعيني فبيدي لتأكيد أنه مخلوق لا شك فيه وحيث أن إبليس ترك السجود لآدم عليه السلام لشبهة أنه سجود لمخلوق وانضم إلى ذلك أنه مخلوق من طين وأنه هو مخلوق من نار وزل عنه أن الله سبحانه حين أمر من هو أجل منه وأقرب عباده إليه زلفى وهم الملائكة امتثلوا ولم يلتفتوا إلى التفاوت بين الساجد والمسجود له تعظيماً لأمر ربهم وإجلالاً لخطابه ذكر له ما يتشبث به من الشبهة وأخرج له الكلام مخرج القول بالموجب مع التنبيه على مزلة القدم فكأنه قيل له ما منعك من السجود لشيء هو كما تقول مخلوق خلقته بيدي لا شك في كونه مخلوقاً امتثالاً لأمري وإعظاماً لخطابي كما فعلت الملائكة ولا يخفى أن المقام ناب عما ذكره أشد النبو ، وجعل ذلك من باب رأيت بعيني لا يفيد إلا تأكيد المخلوقية ، وإخراج الكلام مخرج القول بالموجب مما لا يكاد يقبل فإن سياق القول بالموجب أن يسلم له ثم ينكر عليه لا أن يقدم الإنكار أصلاً ويؤتى به كالرمز بل كالألغاز ، وأيضاً الأخبار الصحيحة ظاهرة في أن ذاك وصف تعظيم لا كما زعمه ، وأيضاً جعل سجود الملائكة لآدم راجعاً إلى محض الامتثال من غير نظر إلى تكريم آدم عليه السلام مردود بما سلم في عدة مواضع أنه سجود تكريم كيف وهو يقابل { أَتَجْعَلُ فِيهَا } [ البقرة : 30 ] وكذلك تعليمه إياهم فليلحظ فيه جانب الآمر تعالى شأنه وجانب المسجود له عليه الصلاة والسلام توفية للحقين وكأنه قال ما قال وأخرج الآية على وجه لم يخطر ببال إبليس حذراً من خرم مذهبه ولا عليه أن يسلم دلالة الآية على التكريم ويخصه بوجه وحينئذٍ لا تدل على الأفضلية مطلقاً حتى يلزم خرم مذهبه ، ولعمري أن هذا الرجل عق أباه آدم عليه السلام في هذا المبحث من كشافه حيث أورد فيه مثالاً لما قرره في الآية جعل فيه سقاط الحشم مثالاً لآدم عليه السلام وبر عدو الله تعالى إبليس حيث أقام له عذره وصوب اعتقاده أنه أفضل من آدم لكونه من نار وآدم من طين وإنما غلطه من جهة أخرى وهو أنه لم يقس نفسه على الملائكة إذ سجدوا له على علمهم أنه بالنسبة إليهم محطوط الرتبة ساقط المنزلة وكم له من عثرة لا يقال لصاحبها لعامع الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم في هذا المقام ، نسأل الله تعالى أن يعصمنا من مهاوي الهوى ويثبت لنا الأقدام ، وقرئ { بِيَدَىَّ } بكسر الدال كمصرخي و { بِيَدَىَّ } على التوحيد { أَسْتَكْبَرْتَ } بهمزة الإنكار وطرح همزة الوصل أي أتكبرت من غير استحقاق { أَمْ كُنتَ مِنَ العالمين } أو كنت مستحقاً للعلو فائقاً فيه ، وقيل المعنى أحدث لك الاستكبار أم لم تزل منذ كنت من المستكبرين فالتقابل على الأول : باعتبار الاستحقاق وعدمه وعلى الثاني : باعتبار الحدوث والقدم ولذا قيل { كُنتَ مِنَ العالين } دون أنت من العالين ، وقيل إن العالين صنف من الملائكة يقال لهم المهيمون مستغرقون بملاحظة جمال الله تعالى وجلاله لا يعلم أحدهم أن الله تعالى خلق غيره لم يؤمروا بالسجود لآدم عليه السلام أو هم ملائكة السماء كلهم ولم يؤمروا بالسجود وإنما المؤمور ملائكة الأرض فالمعنى أتركت السجود استكباراً أم تركته لكونك ممن لم يؤمر به ولا يخفى ما فيه ، وأم في كل ذلك متصلة ونقل ابن عطية عن كثير من النحويين أنها لا تكون كذلك إذا اختلف الفعلان نحو أضربت زيداً أم قتلته .
وتعقبه أبو حيان بأنه مذهب غير صحيح وأن سيبويه صرح بخلافه . وقرأت فرقة منهم ابن كثير فيما قيل { أَسْتَكْبَرْتَ } بصلة الألف وهي قراءة أهل مكة وليست في مشهور ابن كثير فاحتمل أن تكون همزة الاستفهام قد حذفت لدلالة أم عليها كقوله
: بسبع رمينا الجمر أم بثمان *** واحتمل أن يكون الكلام إخباراً وأم منقطعة والمعنى بل أنت من العالين والمراد استخفافه سبحانه به .
هذا ومما قاله بعض السادة الصوفية في بعض الآيات : وقوله تعالى : { قَالَ يا إبليس مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } [ ص : 75 ] يشير إلى فضل آدم عليه السلام وأنه أكمل المظاهر ، واليدان عندهم إشارة إلى صفتي اللطف والقهر وكل الصفات ترجع إليهما ، ولا شك عندنا في أنه أفضل من الملائكة عليهم السلام . وذكر الشعراني أنه سأل الخواص عن مسألة التفضيل الذي أشرنا إليه فقال : الذي ذهب إليه جماعة من الصوفية أن التفاضل إنما يصح بين الأجناس المشتركة كما يقال أفضل الجواهر الياقوت وأفضل الثياب الحلة وأما إذا اختلفت الأجناس فلا تفاضل فلا يقال أيما أفضل الياقوت أم الحلة ؟ ثم قال : والذي نذهب إليه أن الأرواح جميعها لا يصح فيها تفاضل إلا بطريق الإخبار عن الله تعالى فمن أخبره الحق تعالى بذلك هو الذي حصل له العلم التام وقد تنوعت الأرواح إلى ثلاثة أنواع .
أرواح تدبر أجساداً نورية وهم الملأ الأعلى . وأرواح تدبر أجساداً نارية وهم الجن وأرواح تدبر أجساداً ترابية وهم البشر ، فالأرواح جميعها ملائكة حقيقة واحدة وجنس واحد فمن فاضل من غير علم إلهي فليس عنده تحقيق فإنا لو نظرنا التفاضل من حيث النشأة مطلقاً قال العقل بتفضيل الملائكة ولو نظرنا إلى كمال النشأة وجمعيتها حكمنا بتفضيل البشر ، ومن أين لنا ركون إلى ترجيح جانب على آخر مع أن الملك جزء من الإنسان من حيث روحه لأن الأرواح ملائكة فالكل من الجزء والجزء من الكل ، ولا يقال أيما أفضل جزء الإنسان أو كله فافهم انتهى ، والكلام في أمر التفضيل طويل محله كتب الكلام . ثم إن حظ العارف من القصص المذكورة في هذه السورة الجليلة لا يخفى إلا على ذوي الأبصار الكليلة نسأل الله تعالى أن يوفقنا لفهم كتابه بحرمة سيد أنبيائه وأحبابه صلى الله عليه وسلم وشرف وعظم وكرم .