قوله تعالى : { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين * قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين } .
اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل القيامة على سبيل الإجمال فقال : { ووفيت كل نفس ما عملت } بين بعده كيفية أحوال أهل العقاب ، ثم كيفية أحوال أهل الثواب وختم السورة .
أما شرح أحوال أهل العقاب فهو المذكور في هذه الآية ، وهو قوله { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا } قال ابن زيدان : سوق الذين كفروا إلى جهنم يكون بالعنف والدفع ، والدليل عليه قوله تعالى : { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } أي يدفعون دفعا ، نظيره قوله تعالى : { فلذلك الذي يدع اليتيم } أي يدفعه ، ويدل عليه قوله تعالى : { ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا } .
وأما الزمر ، فهي الأفواج المتفرقة بعض في أثر بعض ، فبين الله تعالى أنهم يساقون إلى جهنم فإذا جاءوها فتحت أبوابها ، وهذا يدل على أن أبواب جهنم إنما تفتح عند وصول أولئك إليها ، فإذا دخلوا جهنم قال لهم خزنة جهنم { ألم يأتكم رسل منكم } أي من جنسكم { يتلون عليكم ءايات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا } فإن قيل فلم أضيف اليوم إليهم ؟ قلنا أراد لقاء وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار ، لا يوم القيامة ، واستعمال لفظ اليوم والأيام في أوقات الشدة مستفيض ، فعند هذا تقول الكفار : بلى قد أتونا وتلوا علينا { ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين } وفي هذه الآية مسألتان :
المسألة الأولى : تقدير الكلام أنه حقت علينا كلمة العذاب ، ومن حقت عليه كلمة العذاب فكيف يمكنه الخلاص من العذاب ، وهذا صريح في أن السعيد لا ينقلب شقيا ، والشقي لا ينقلب سعيدا ، وكلمات المعتزلة في دفع هذا الكلام معلومة ، وأجوبتنا عنها أيضا معلومة .
وسيق الذين كفروا : حثّوهم على السير .
ثم بعد أن يحاسَب كل إنسان ويأخذ كتابه بيمينه أو شماله ينقسم الناس فريقين : { فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير } فيساق الذين كفروا إلى جهنم جماعات جماعات ، حتى إذا وصلوا إلى جهنم تفتح لهم أبوابها ، ويدخلونها مهانين ، ويوبخهم خزنة جهنم بقولهم : { أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هذا } ، فيجيبونهم معترفين ولا يقدروا على الجدل بقولهم : { بلى ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين } .
قرأ الكوفيون : { فتحت } بتخفيف التاء ، والباقون : { فتحت } بالتشديد .
{ وَسِيقَ الذين كَفَرُواْ إلى جَهَنَّمَ زُمَراً } الخ تفصيل للتوفية وبيان لكيفيتها ، والفاء ليس بلازم ، والسوق يقتضي الحث على المسير بعنف وإزعاج وهو الغالب ويشعر بالإهانة وهو المراد هنا أي سيقوا إليها بالعنف والإهانة أفواجاً متفرقة بعضها في أثر بعض مترتبة حسب ترتب طبقاتهم في الضلالة والشرارة ، والزمر جمع زمرة قال الراغب : هي الجماعة القليلة ، ومنه قيل شاة زمرة قليلة الشعر ورجل زمر قليل المروءة ، ومنه اشتق الزمر ، والزمارة كناية عن الفاجرة ، وقال بعضهم . اشتقاق الزمرة من الزمر وهو الصوت إذ الجماعة لا تخلو عنه { حَتَّى إِذَا جَاءوهَا فُتِحَتْ أبوابها } ليدخلوها وكانت قبل مجيئهم غير مفتوحة فهي كسائر أبواب السجون لا تزال مغلقة حتى يأتي أصحاب الجرائم الذين يسجنون فيها فتفتح ليدخلوها فإذا دخلوها أغلقت عليهم ، و { حتى } هي التي تحكي بعدها الجملة ، والكلام على إذا الواقعة بعدها قد مر في الانعام . وقرأ غير واحد { فُتِحَتْ } بالتشديد { وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا } على سبيل التقريع والتوبيخ { أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ } أي من جنسكم تفهمون ما ينبؤنكم به ويسهل عليكم مراجعتهم .
وقرأ ابن هرمز { تأتكم } بتاء التأنيث ، وقرئ { نَّذْرٍ مّنكُمْ } { يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءايات رَبّكُمْ } المنزلة لمصلحتكم { وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا } أي وقتكم هذا وهو وقت دخولكم النار لأن المنذر به في الحقيقة العذاب ووقته ، وجوز أن يراد به يوم القيامة والآخرة لاشتماله على هذا الوقت أو على ما يختص بهم من عذابه وأهواله ، ولا ينافيه كونه في ذاته غير مختص بهم ؛ والإضافة لامية تفيد الاختصاص لأنه يكفي للاختصاص ما ذكر ، نعم الأول أظهر فيه . واستدل بالآية على أنه لا تكليف قبل الشرع لأنهم وَبَّخوهم بكفرهم بعد تبليغ الرسل للشرائع وإنذارهم ولو كان قبح الكفر معلوماً بالعقل دون الشرع لقيل . ألم تعلموا بما أودع الله تعالى فيكم من العقل قبح كفركم ، ولا وجه لتفسير الرسل بالعقول لإباء الأفعال المستندة إليها عن ذلك ، نعم هو دليل إقناعي لأنه إنما يتم على اعتبار المفهوم وعموم الذين كفروا وكلاهما محل نزاع ، وقيل في وجه الاستدلال : إن الخطاب للداخلين عموماً يقتضي أنهم جميعاً أنذرهم الرسل ولو تحقق تكليف قبل الشرع لم يكن الأمر كذلك . وتعقب بأن للخصم أن لا يسلم العموم ، ولمن قال بوجوب الإيمان عقلاً أن يقول : إنما وبخوهم بالكفر بعد التبليغ لأنه أبعد عن الاعتذار وأحق بالتوبيخ والإنكار { قَالُواْ بلى } قد أتانا رسل منا تلواً علينا آيات ربنا وأنذرونا لقاء يومنا هذا { ولكن حَقَّتْ } أي وجبت { كَلِمَةُ العذاب } أي كلمة الله تعالى المقتضية له { عَلَى الكافرين } والمراد بها الحكم عليهم بالشقاوة وأنهم من أهل النار لسوء اختيارهم أو قوله تعالى لإبليس : { لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ } [ ص : 85 ] ووضعوا الكافرين موضع ضميرهم للإيماء إلى علية الكفر ، والكلام اعتراف لا اعتذار .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.