قوله تعالى : { ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون * إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم * فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم * هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون } .
اعلم أنه تعالى ذكر أنه لما جاء عيسى بالمعجزات وبالشرائع البينات الواضحات { قال قد جئتكم بالحكمة } وهي معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله { ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه } يعني أن قوم موسى كانوا قد اختلفوا في أشياء من أحكام التكاليف واتفقوا على أشياء ، فجاء عيسى ليبين لهم الحق في تلك المسائل الخلافية ، وبالجملة فالحكمة معناها أصول الدين { وبعض الذي تختلفون فيه } معناه فروع الدين ، فإن قيل لم لم يبين لهم كل الذي يختلفون فيه ؟ قلنا لأن الناس قد يختلفون في أشياء لا حاجة بهم إلى معرفتها ، فلا يجب على الرسول بيانها ، ولما بين الأصول والفروع قال : { فاتقوا الله } في الكفر به والإعراض عن دينه { وأطيعون } فيما أبلغه إليكم من التكاليف .
{ وَلَمَّا جَاء عيسى بالبينات } بالأمور الواضحات وهي المعجزات أو آيات الإنجيل أو الشرائع ولا مانع من إرادة الجميع { قَالَ } لبني إسرائيل { قَدْ جِئْتُكُم بالحكمة } أي الإنجيل كما قال القشيري : والماوردي ، وقال السدي : بالنبوة ، وفي رواية أخرى عنه هي قضايا يحكم بها العقل ، وقال أبو حيان : أي بما تقتضيه الحكمة الإلهية من الشرائع ، وقال الضحاك : أي بالموعظة { وَلابَيّنَ لَكُم } متعلق بمقدر أي وجئتكم لأبين لكم ، ولم يترك العاطف ليتعلق بما قبله ليؤذن بالاهتمام بالعلة حيث جعلت كأنها كلام برأسه . وفي «الإرشاد » هو عطف على مقدر ينبىء عنه المجىء بالحكمة كأنه قيل قد جئتكم بالحكمة لأعلمكم إياها ولأبين لكم { بَعْضَ الذى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ } وهو أمر الديانات وما يتعلق بالتكليف دون الأمور التي لم يتعبدوا بمعرفتها ككيفية نضد الأفلاك وأسباب اختلاف تشكلات القمر مثلاً فإن الأنبياء عليهم السلام لم يبعثوا لبيان ما يختلف فيه من ذلك ومثلها ما يتعلق بأمر الدنيا ككيفية الزراعة وما يصلح الزرع وما يفسده مثلاً فإن الأنبياء عليهم السلام لم يبعثوا لبيانه أيضاً كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم في قصة تأبير النخل " أنتم أعلم بأمور دنياكم "
وجوز أن يراد بهذا البعض بعض أمور الدين المكلف بها وأريد بالبيان البيان على سبيل التفصيل وهي لا يمكن بيان جميعها تفصيلاً وبعضها مفوض للاجتهاد ، وقال أبو عبيدة : المراد بعض الذي حرم عليهم وقد أحل عليه السلام لهم لحوم الإبل والشحك من كل حيوان وصيد السمك يوم السبت ، وقال مجاهد : بعض الذي يختلفون فيه من تبديل التوراة ، وقال قتادة : لأبين لكم اختلاف الذين تحزبوا في أمره عليه السلام { فاتقوا الله } من مخالفتي { وَأَطِيعُونِ } فيما أبلغه عنه تعالى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.