مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} (216)

الحكم الثاني : فيما يتعلق بالقتال

قوله تعالى :{ كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه عليه الصلاة والسلام كان غير مأذون في القتال مدة إقامته بمكة فلما هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين ، ثم أذن له في قتال المشركين عامة ، ثم فرض الله الجهاد واختلف العلماء في هذه الآية فقال قوم : إنها تقتضي وجوب القتال على الكل وعن مكحول أنه كان يحلف عند البيت بالله أن الغزو واجب ونقل عن ابن عمر وعطاء : أن هذه الآية تقتضي وجوب القتال على أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك الوقت فقط حجة الأولين أن قوله : { كتب } يقتضي الوجوب وقوله : { عليكم } يقتضيه أيضا ، والخطاب بالكاف في قوله : { عليكم } لا يمنع من الوجوب على الموجودين وعلى من سيوجد بعد ذلك كما في قوله : { كتب عليكم القصاص ، كتب عليكم الصيام } .

فإن قيل : ظاهر الآية هل يقتضي أن يكون واجبا على الأعيان أو على الكفاية .

قلنا : بل يقتضي أن يكون واجبا على الأعيان لأن قوله : { عليكم } أي على كل واحد من آحادكم كما في قوله : { كتب عليكم القصاص ، كتب عليكم الصيام } حجة عطاء أن قوله : { كتب } يقتضي الإيجاب ، ويكفي في العمل به مرة واحدة وقوله : { عليكم } يقتضي تخصيص هذا الخطاب بالموجودين في ذلك الوقت إلا أنا قلنا : إن قوله : { كتب عليكم القصاص ، كتب عليكم الصيام } حال الموجودين فيه كحال من سيوجد بعد ذلك ، بدلالة منفصلة وهي الإجماع ، وتلك الدلالة مفقودة ههنا فوجب أن يبقى على الوضع الأصلي ، قالوا : ومما يدل على صحة هذا القول قوله تعالى : { وكلا وعد الله الحسنى } ولو كان القاعد مضيعا فرضا لما كان موعودا بالحسنى ، اللهم إلا أن يقال : الفرض كان ثابتا ثم نسخ ، إلا أن التزام القوم بالنسخ من غير أن يدل عليه دليل غير جائز ، ويدل عليه أيضا قوله تعالى : { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } والقول بالنسخ غير جائز على ما بيناه ، والإجماع اليوم منعقد على أنه من فروض الكفايات ، إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين الجهاد حينئذ على الكل والله أعلم .

المسألة الثانية : قوله : { وهو كره لكم } فيه إشكال وهو أن الظاهر من قوله : { كتب عليكم } أن هذا الخطاب مع المؤمنين ، والعقل يدل عليه أيضا لأن الكافر لا يؤمر بقتال الكافر ، وإذا كان كذلك فكيف قال : { وهو كره لكم } فإن هذا يشعر بكون المؤمن كارها لحكم الله وتكليفه وذلك غير جائز ، لأن المؤمن لا يكون ساخطا لأوامر الله تعالى وتكاليفه ، بل يرضى بذلك ويحبه ويتمسك به ويعلم أنه صلاحه وفي تركه فساده .

والجواب من وجهين : الأول : أن المراد من الكره ، كونه شاقا على النفس ، والمكلف وإن علم أن ما أمره الله به فهو صلاحه ، لكن لا يخرج بذلك عن كونه ثقيلا شاقا على النفس ، لأن التكليف عبارة عن إلزام ما في فعله كلفة ومشقة ، ومن المعلوم أن أعظم ما يميل إليه الطبع الحياة ، فلذلك أشق الأشياء على النفس القتال الثاني : أن يكون المراد كراهتهم للقتال قبل أن يفرض لما فيه من الخوف ، ولكثرة الأعداء فبين الله تعالى أن الذي تكرهونه من القتال خير لكم من تركه لئلا تكرهونه بعد أن فرض عليكم .

المسألة الثالثة : الكره بضم الكاف هو الكراهة بدليل قوله : { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم } ثم فيه وجهان أحدهما : أن يكون المعنى وضع المصدر موضع الوصف مبالغة كقول الخنساء :

فإنما هي إقبال وإدبار *** . . .

كأنه في نفسه كراهة لفرط كراهتهم له والثاني : أن يكون فعلا بمعنى مفعول ، كالخبر بمعنى المخبور أي وهو مكروه لكم وقرأ السلمي بالفتح وهما لغتان كالضعف والضعف ، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على سبيل المجاز ، كأنهم أكرهوا عليه لشدة كراهتهم له ، ومشقته عليهم ، ومنه قوله تعالى : { حملته أمه كرها ووضعته كرها } والله أعلم وقال بعضهم : الكره ، بالضم ما كرهته مما لم تكره عليه ، وإذا كان بالإكراه فبالفتح .

أما قوله : { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : { عسى } فعل درج مضارعه وبقي ماضيه فيقال منه ، عسيتما وعسيتم قال تعالى : { فهل عسيتم } ويرتفع الاسم بعده كما يرتفع بعد الفعل فتقول : عسى زيد . كما تقول : قام زيد ومعناه : قرب قال تعالى : { قل عسى أن يكون ردف لكم } أي قرب ، فقولك عسى زيد أن يقوم تقديره عسى قيام زيد أي قرب قيام زيد .

المسألة الثانية : معنى الآية ربما كان الشيء شاقا عليكم في الحال ، وهو سبب للمنافع الجليلة في المستقبل وبالضد ، ولأجله حسن شرب الدواء المر في الحال لتوقع حصول الصحة في المستقبل ، وحسن تحمل الأخطار في الأسفار لتوقع حصول الربح في المستقبل ، وحسن تحمل المشاق في طلب العلم للفوز بالسعادة العظيمة في الدنيا وفي العقبى ، وههنا كذلك وذلك لأن ترك الجهاد وإن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر القتل ، وصون المال عن الإنفاق ، ولكن فيه أنواع من المضار منها : أن العدو إذا علم ميلكم إلى الدعة والسكون قصة بلادكم وحاول قتلكم فأما أن يأخذكم ويستبيح دماءكم وأموالكم ، وإما أن تحتاجوا إلى قتالهم من غير إعداد آلة وسلاح ، وهذا يكون كترك مداواة المرض في أول ظهوره بسبب نفرة النفس عن تحمل مرارة الدواء ، ثم في آخر الأمر يصير المرء مضطرا إلى تحمل أضعاف تلك النفرة والمشقة ، والحاصل أن القتال سبب لحصول الأمن ، وذلك خير من الانتفاع بسلامة الوقت ، ومنها وجدان الغنيمة ، ومنها السرور العظيم بالاستيلاء على الأعداء .

أما ما يتعلق بالدين فكثيرة ، منها ما يحصل للمجاهد من الثواب العظيم إذا فعل الجهاد تقربا وعبادة وسلك طريقة الاستقامة فلم يفسد ما فعله ، ومنها أنه يخشى عدوكم أن يستغنمكم فلا تصبرون على المحنة فترتدون عن الدين ، ومنها أن عدوكم إذا رأى جدكم في دينكم وبذلكم أنفسكم وأموالكم في طلبه مال بسبب ذلك إلى دينكم فإذا أسلم على يدكم صرتم بسبب ذلك مستحقين للأجر العظيم عند الله ، ومنها أن من أقدم على القتال طلبا لمرضاة الله تعالى كان قد تحمل ألم القتل بسبب طلب رضوان الله ، وما لم يصر الرجل متيقنا بفضل الله وبرحمته وأنه لا يضيع أجر المحسنين ، وبأن لذات الدنيا أمور باطلة لا يرضى بالقتل ومتى كان كذلك فارق الإنسان الدنيا على حب الله وبغض الدنيا ، وذلك من أعظم سعادات الإنسان .

فثبت بما ذكرنا أن الطبع ولو كان يكره القتال من أعداء الله فهو خير كثير وبالضد ، ومعلوم أن الأمرين متى تعارضا فالأكثر منفعة هو الراجح وهذا هو المراد من قوله : { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم } .

المسألة الثالثة : { الشر } السوء وأصله من شررت الشيء إذا بسطته ، يقال : شررت اللحم والثوب إذا بسطته ليجف ، ومنه قوله :

وحتى أشرت بالأكف المصاحف *** . . .

والشرر اللهب لانبساطه فعلى هذا الشر انبساط الأشياء الضارة .

المسألة الرابعة : { عسى } توهم الشك مثل { لعل } وهي من الله تعالى يقين ، ومنهم من قال إنها كلمة مطمعة ، فهي لا تدل على حصول الشك للقائل إلا أنها تدل على حصول الشك للمستمع وعلى هذا التقدير لا يحتاج إلى التأويل ، أما إن قلنا بأنها بمعنى { لعل } فالتأويل فيه هو الوجوه المذكورة في قوله تعالى : { لعلكم تتقون } قال الخليل : { عسى } من الله واجب في القرآن قال : { فعسى الله أن يأتي بالفتح } وقد وجد { وعسى الله أن يأتيني بهم جميعا } وقد حصل والله أعلم .

أما قوله تعالى : { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } فالمقصود منه الترغيب العظيم في الجهاد وذلك لأن الإنسان إذا اعتقد قصور علم نفسه ، وكمال علم الله تعالى ، ثم علم أنه سبحانه لا يأمر العبد إلا بما فيه خيرته ومصلحته ، علم قطعا أن الذي أمره الله تعالى به وجب عليه امتثاله ، سواء كان مكروها للطبع أو لم يكن فكأنه تعالى قال : يا أيها العبد اعلم أن علمي أكمل من علمك فكن مشتغلا بطاعتي ولا تلتفت إلى مقتضى طبعك فهذه الآية في هذا المقام تجري مجرى قوله تعالى في جواب الملائكة { إني أعلم ما لا تعلمون } .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} (216)

كتب عليكم : فرض عليكم .

الكره : المشقة .

مضى الكلام في الآية السابقة على الإنفاق في سبيل الله ، وللمحتاجين من الأسرة الإسلامية ، وفي هذه الآية والتي بعدها يأتي الكلام على بذل الأرواح والأنفس . المال أخو الروح ، بل هو أغلى عند كثير من الناس .

إذا كان في الإنفاق على الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وغيرهم حماية للمجتمع في داخله ، فإن القتال حماية له من أعدائه في الخارج . لذلك فرض الله علكيم القتال لحماية دينكم والدفاع عن أنفسكم . وهو كرهٌ لكم ، لما فيه من المشقة وتعريض الأنفس للموت ، ولكن ربما كرهتم شيئاً يكون فيه خيركم ، إن الله يعلم ذلك ، وأنتم لا تعلمون .

وهذه أول آية فُرض فيها القتال ، وقد نزلت في السنة الثانية من الهجرة .

الجهاد فرض كفاية إلا إذا دخل العدو بلاد المسلمين فاتحاً ، فيكون الجهاد فرض عينٍ على الجميع . وهذه فلسطين ، فقد احتلها العدو ولم يهبّ المسلمون لقتاله .

لقد أغفلوا فرض عين ، وحكامهم هم المسؤولون . ولهم مع الله شأن .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} (216)

{ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ }

هذه الآية ، فيها فرض القتال في سبيل الله ، بعد ما كان المؤمنون مأمورين بتركه ، لضعفهم ، وعدم احتمالهم لذلك ، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وكثر المسلمون ، وقووا أمرهم الله تعالى بالقتال ، وأخبر أنه مكروه للنفوس ، لما فيه من التعب والمشقة ، وحصول أنواع المخاوف والتعرض للمتالف ، ومع هذا ، فهو خير محض ، لما فيه من الثواب العظيم ، والتحرز من العقاب الأليم ، والنصر على الأعداء والظفر بالغنائم ، وغير ذلك ، مما هو مرب ، على ما فيه من الكراهة { وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ } وذلك مثل القعود عن الجهاد لطلب الراحة ، فإنه شر ، لأنه يعقب الخذلان ، وتسلط الأعداء على الإسلام وأهله ، وحصول الذل والهوان ، وفوات الأجر العظيم وحصول العقاب .

وهذه الآيات عامة مطردة ، في أن أفعال الخير التي تكرهها النفوس لما فيها من المشقة أنها خير بلا شك ، وأن أفعال الشر التي تحب النفوس لما تتوهمه فيها من الراحة واللذة فهي شر بلا شك .

وأما أحوال الدنيا ، فليس الأمر مطردا ، ولكن الغالب على العبد المؤمن ، أنه إذا أحب أمرا من الأمور ، فقيض الله [ له ] من الأسباب ما يصرفه عنه أنه خير له ، فالأوفق له في ذلك ، أن يشكر الله ، ويجعل الخير في الواقع ، لأنه يعلم أن الله تعالى أرحم بالعبد من نفسه ، وأقدر على مصلحة عبده منه ، وأعلم بمصلحته منه كما قال [ تعالى : ] { وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } فاللائق بكم أن تتمشوا مع أقداره ، سواء سرتكم أو ساءتكم .