مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدٗا} (27)

قوله تعالى :{ واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا } اعلم أن من هذه الآية إلى قصة موسى والخضر كلام واحد في قصة واحدة ، وذلك أن أكابر كفار قريش احتجوا وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أردت أن نؤمن بك فاطرد من عندك هؤلاء الفقراء الذين آمنوا بك والله تعالى نهاه عن ذلك ومنعه عنه وأطنب في جملة هذه الآيات في بيان أن الذي اقترحوه والتمسوه مطلوب فاسد واقتراح باطل ، ثم إنه تعالى جعل الأصل في هذا الباب شيئا واحدا وهو أن يواظب على تلاوة الكتاب الذي أوحاه الله إليه وعلى العمل به وأن لا يلتفت إلى اقتراح المقترحين وتعنت المتعنتين فقال : { واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك } وفي الآية مسألة وهي : أن قوله : { اتل } يتناول القراءة ويتناول الإتباع أيضا فيكون المعنى ألزم قراءة الكتاب الذي أوحى إليك والزم العمل به ثم قال : { لا مبدل لكلماته } أي يمتنع تطرق التغيير والتبديل إليه وهذه الآية يمكن التمسك بها في إثبات أن تخصيص النص بالقياس غير جائز لأن قوله : { اتل ما أوحي إليك من كتاب ربك } معناه ألزم العمل بمقتضى هذا الكتاب وذلك يقتضي وجوب العمل بمقتضى ظاهره ، فإن قيل فيجب ألا يتطرق النسخ إليه قلنا هذا هو مذهب أبي مسلم الأصفهاني فليس يبعد ، وأيضا فالنسخ في الحقيقة ليس بتبديل لأن المنسوخ ثابت في وقته إلى وقت طريان الناسخ فالناسخ كالغاية فكيف يكون تبديلا . أما قوله : { ولن تجد من دونه ملتحدا } اتفقوا على أن الملتحد هو الملجأ قال أهل اللغة : هو من لحد وألحد إذا مال ومنه قوله تعالى : { لسان الذي يلحدون إليه } والملحد المائل عن الدين والمعنى ولن تجد من دونه ملجأ في البيان والرشاد .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدٗا} (27)

لا مبدل لكلماته : لا مغير لأحكامه .

ملتحدا : ملجأ .

بعد أن ذكر الله قصة أهل الكهف ، وبين أن هذا القرآن يقص الحق ، لأنه وحي من علام الغيوب ، أمَرَ بالمواظبة على تلاوته ودرسه ، وبيّن في هذه الآية الكريمة أن القيم الحقيقية ليست هي المالَ ولا الجاه ولا السُّلطة ولا لذائذ الحياة ومتعها ، فإنها كلّها قيم زائفة ، وأن الإسلام لا يحرِّم الطيب منها ولكنه لا يجعل منها غاية الحياة ، فمن شاء أن يتمتع بها فليتمتع ولكن لِيذكُرِ الله الذي أنعم بها وليشكرْه على نعمه بالعمل الصالح .

اتلُ أيها الرسول الكتابَ الذي أوحي إليك ، والزم العمل به ، واتّبع ما فيه من أحكام وتعليم وتأديب . ولا يستطيع أحدٌ أن يغيّر أو يبدّل ما فيه ، وليس لك ملجأٌ إلا الله ، فإليه المرجع والمآب .